“أجندة مُقلِقة”:

كيف تُثير حكومة يمينية مُتطرِّفة في إيطاليا مخاوف أوروبا؟
“أجندة مُقلِقة”:
27 سبتمبر، 2022

عرض: د. إيمان أحمد عبدالحليم

كشفت النتائج الرئيسية للانتخابات البرلمانية الإيطالية عن التوجُّه إلى تشكيل حكومة يمينية قد تكون الأكثر تطرفاً في إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية؛ ما يثير تساؤلات عدة حول مدى قدرة هذه الحكومة على فرض توجهاتها المتطرفة في الحكم، والقيود التي تَعُوق ذلك، خصوصاً بشأن قضايا الحريات، والهجرة غير الشرعية، وإدارة العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي. وفي ضوء هذا، نشر موقع “إيكونوميست” تقريرَيْن بعنوان “إلى أي مدى يجب أن تخشى أوروبا من (جورجيا ميلوني)؟”. و”يبدو أن “جورجيا ميلوني” و”إخوة إيطاليا” على وشك الفوز في الانتخابات المقبلة”، في 22 سبتمبر 2022، ويمكن استعراض أبرز ما جاء فيهما على النحو التالي:

حكومة جديدة

يُمكِن تناول أبرز ملامح الحكومة الإيطالية الجديدة وانعكاساتها على الداخل الإيطالي؛ وذلك على النحو التالي:

1– انتخاب الحكومة الأكثر يمينيةً في تاريخ إيطاليا: في اتساق مع استطلاعات الرأي التي سبقت إجراء الانتخابات البرلمانية في إيطاليا، تُشير مجريات العملية الانتخابية عن توجُّه الناخبين الإيطاليين في 25 سبتمبر إلى انتخاب الحكومة الأكثر يمينيةً في تاريخ بلادهم بعد الحرب؛ حيث من المُتوقَّع الإعلان عن فوز تحالف من ثلاثة أحزاب يمينية مُتطرِّفة بأكثر من 60% من مقاعد البرلمان، بقيادة حزب “إخوة إيطاليا” الذي من المُتوقَّع أن يُشكِّل حكومة ائتلافية مع حزب “رابطة الشمال” اليميني المتشدد وحزب “فورزا إيطاليا” الأكثر اعتدالاً نسبياً، على أن تقود الحكومة رئيسة الحزب الأول “جورجيا ميلوني” التي تتجه إلى تولي منصب رئيسة الوزراء.

2– تصاعد مخاوف التيار الليبرالي داخل إيطاليا: يُثير أمر تشكيل حكومة يقودها اليمين المتطرف مخاوف الليبراليين في إيطاليا، وخصوصاً أن حزب “إخوة إيطاليا” الذي يُنتظَر تشكيلُه الحكومةَ المقبلة، تعود جذوره إلى الفاشية الجديدة، ومعروفٌ عن “ميلوني” رئيسة الحزب اتخاذُها موقفاً متشدداً إزاء المهاجرين غير الشرعيين وقضايا الأسرة في خطاباتها الانتخابية، معلنةً دعمها “العائلة الطبيعية”، ورفضها تشكيل لوبي “المثليين” و”أيديولوجية النوع”. وسبق أن انضمَّت إلى حركة الشباب التابعة للحركة الاجتماعية الإيطالية الفاشية الجديدة، وأشادت في سن  الـ19 بالدكتاتور الفاشي الإيطالي “بينيتو موسوليني”، وإن كان الكثير من الساسة اليساريين المعتدلين الآن سبق أن انتموا إلى الأحزاب الشيوعية في العمر نفسه.

3– توتُّر مُتوقَّع بين الحكومة والاتحاد الأوروبي: يخشى المصرفيون كذلك من أن “ميلوني” قد تتشابك مع الاتحاد الأوروبي، في ظل حالة من عدم الثقة بين الطرفين، قد تسفر عن عدم تنفيذها أجندة الإصلاح المطروحة من جانب الاتحاد على النحو المطلوب؛ ما يُفقِدها السيطرة على مخزون الديون الضخم لإيطاليا الذي يصل إلى 2.7 تريليون دولار، بما يعادل أكثر من 150% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة، وخصوصاً أن حزب “إخوة إيطاليا” ليس له تجارب أو خبرات سابقة في الحكم. فقد تأسس الحزب في عام 2012، وحصل على 4% فقط من الأصوات في انتخابات عام 2018. والائتلاف المُتوقَّع سيشمل الأحزاب التي يقودها “سيلفيو بيرلسكوني” و”ماتيو سالفيني”، وهما غير جديرَيْن بالثقة على نحو تامٍّ، وخصوصاً مع اعتقادهما أنهما أولى من “ميلوني” بتولي منصب رئاسة الحكومة.

4– شن حملة قوية ضد الهجرة غير الشرعية: من المعروف عن “ميلوني” كذلك مواقفها الشديدة التطرف تُجاه قضايا الهجرة غير الشرعية على نحو خاص؛ ما يُثير المخاوف بشأن توجُّهاتها رئيسةً للحكومة، وكانت قد اعتبرت بهذا الصدد أن “هويتنا بأكملها تتعرَّض للهجوم”، وهو الأمر الذي يجب مواجهته، حسب وجهة نظرها، مدافعةً في هذا الصدد عن رئيس وزراء المجر الشعبوي “فيكتور أوربان” الذي تُبدي إعجاباً به، في مقابل اتهامها الاتحادَ الأوروبيَّ بالتواطؤ بشأن قضية “الاستبدال” العرقي في أوروبا. هذا ويدعو برنامج “إخوة إيطاليا” إلى فرض حصار بحري على أجزاء من ساحل شمال إفريقيا، وإن كان من غير الواضح كيف يمكن فرض ذلك، وإذا ما سيكون هذا الحصار أكثر نجاحاً من الطوق الحالي للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس” التابعة للاتحاد الأوروبي.

تقييد التوجهات

في مقابل المخاوف السابقة، هناك اعتبارات واقعية قد تحد من تأثير التوجهات المتطرفة للحكومة المنتظرة؛ وذلك في ضوء الآتي:

1– مراعاة المزاج الشعبي بشأن قضايا الحريات: صرَّحت ميلوني بوضوح بأنه ليس لديها خطط لإلغاء القانون القائم منذ عام 1978 الذي يسمح بالإجهاض، ويحظى بدعم قوي من جانب الإيطاليين. وينطبق الشيء نفسه على حقوق المثليين؛ حيث تم السماح بالزيجات المدنية للمثليين منذ عام 2016، فضلاً عن أن “ميلوني” نفسها سبق أن صرَّحت بأن حزبها “سلم الفاشية إلى التاريخ”، وأنه “يدين بأسلوب لا لبس فيه قمع الديمقراطية” في إيطاليا في عشرينيات القرن الماضي.

2– الالتزام بقواعد القانون الدولي في ملف الهجرة: حتى إن كان من المُؤكَّد أن تشن الحكومة الإيطالية الجديدة حملة واسعة مضادَّة للهجرة غير الشرعية، فإنه يجب أن يُوضَع في الاعتبار أنه سبق لـ”سالفيني” نفسه الأكثر تشدداً عندما كان وزيراً للداخلية بين عامَي 2018 و2019، أن وَعَد بالشيء نفسه، ليُواجَه في المقابل بالتزامات القانون الدولي، وقواعد الاتحاد الأوروبي التي فرضت قيوداً على ما يمكنه فعله بهذا الشأن.

3– صعوبة فك الارتباط بالاتحاد الأوروبي: رغم الخلافات مع الاتحاد الأوروبي وما يثيره الأمر من مخاوف ومحاذير، تظل هناك حدود لمدى قدرة “ميلوني” على فك الارتباط بالاتحاد – حتى لو أرادت ذلك – فحتى لو تحدَّثت في الماضي مثل “سالفيني” عن إلغاء اليورو أو حتى ترك الكتلة نفسها، فإن كلَيْهما على دراية جيدة بأن تلك العضوية في الاتحاد تحظى بشعبية كبيرة في إيطاليا؛ حيث يدعم 71% من المواطنين اليورو، فضلاً عن حاجة “ميلوني” نفسها إلى الاتحاد الأوروبي، في ظل عدم قدرة بلادها وحدها على تحمُّل ديونها دون مساعدة من بروكسل.

كما ألزمت “ميلوني” نفسها بالفعل باتباع خطة الإصلاح التي وضعها أسلافها ووافقت عليها المفوضية الأوروبية، التي تأتي بـ200 مليار يورو (198 مليار دولار) أو نحو ذلك من أموال التعافي من الجائحة، وهو ما يُحتمل أن يكون أكبر ضخ نقدي في الاقتصاد الإيطالي منذ “خطة مارشال” بعد الحرب العالمية الثانية. وتقول “ميلوني” إنها ستسعى إلى إجراء بعض التغييرات على تلك الخطة. وهناك ميزة إضافية أخرى تحظى بها؛ فهي – على عكس “سالفيني” أو “بيرلسكوني” – ليست من المُعجَبين بـ”فلاديمير بوتين”، وقد اتخذت موقفاً قوياً منذ التدخل العسكري في أوكرانيا بدعمها كييف ومواقف “الناتو” ضد موسكو.

4– تقييد النظام السياسي للتوجهات المتطرفة: بجانب تصريحات الرئيسة المُنتظَرة للحكومة الإيطالية المقبلة، والقيود والاعتبارات المتعددة التي يُتوقَّع أن تحدَّ من توجُّهات حكومتها المتطرفة، فإن هذه التوجهات تتأثر كذلك بطبيعة النظام السياسي القائم في إيطاليا؛ حيث يظل لكل من الرئيس المُنتخَب انتخاباً غير مباشر، ورئيس المحكمة الدستورية أدوار في النظام لا يمكن الاستهانة بها.

وختاماً، يمكن القول بوجود حدود للمخاوف التي قد تُثيرها “ميلوني” وحزب “إخوة إيطاليا” في الحكم، دون أن يعني ذلك الاستهانة بالتوجهات المتطرفة للحكومة الجديدة، خصوصاً إذا أخفقت أجندة الإصلاح المدعومة من الاتحاد الأوروبي. وإذا ازدادت الأمور صعوبةً، يصبح التساؤل قائماً بشأن توجهات “ميلوني”؛ فهل ستعمل بهدوء مع الاتحاد الأوروبي والمجلس الاقتصادي الأوروبي؟ أم ستنتقل إلى وضع شعبوي كامل، كما فعلت اليونان قبل عقد من الزمان، وضعاً في الاعتبار أنها حاولت من قبل تعزيز شعبيتها من خلال إلقاء اللوم على الاتحاد الأوروبي في المشكلات التي تواجه إيطاليا.

المصادر:

How afraid should Europe be of Giorgia Meloni?, The Economist, September 22,2022, Accessible at: https://www.economist.com/leaders/2022/09/22/how–afraid–should–europe–be–of–giorgia–meloni

Giorgia Meloni and her Brothers of Italy look set to win the next election, The Economist, September 22,2022, Accessible at: https://www.economist.com/europe/2022/09/22/giorgia–meloni–and–her–brothers–of–italy–look–set–to–win–the–next–election


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a3%d8%ac%d9%86%d8%af%d8%a9-%d9%85%d9%8f%d9%82%d9%84%d9%90%d9%82%d8%a9/