أزمة الديمقراطيين:

تداعيات انحسار شعبية حزب "بايدن" قبيل انتخابات 2022
أزمة الديمقراطيين:
14 نوفمبر، 2021

لا يتوقع المراقبون أن يحافظ الحزب الديمقراطي على سيطرته الهشة على البيت الأبيض والكونجرس بمجلسيه، حيث يعاني الحزب الديمقراطي من تراجُع كبير في شعبيته في الداخل الأمريكي، وهو الأمر الذي يتجلى في العديد من المؤشرات، لعل أبرزها: التدهور المستمر في شعبية الرئيس “بايدن” ونائبته “كامالا هاريس”، بالإضافة إلى الصعوبات الكبيرة التي تواجهها الإدارة الأمريكية لتمرير أجندتها الطموحة بسبب مناهضة بعض الأجنحة داخل الحزب للتوجهات التشريعية للرئيس بالأساس، يضاف إلى ذلك الهزيمة القاسية التي مُني بها الحاكم الديمقراطي لولاية فرجينيا لصالح الجمهوريين، والتي كانت تعتبر إحدى الولايات المضمونة للحزب الديمقراطي. ومن المتوقع أن تؤدي تلك الأزمات التي يمر بها الحزب الديمقراطي إلى خسارة الأغلبية في الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، مما يهدد بعرقلة الأجندة التشريعية للرئيس “بايدن”، ويدفع إلى هيمنة الجمهوريين على السياسة الأمريكية، الأمر الذي قد ينعكس على انتخابات الرئاسة في عام 2024، لا سيما مع سعي الجمهوريين بشكل حثيث لترميم شعبيتهم في الداخل الأمريكي، بالتوازي مع تزايُد التصدعات داخل الحزب الديمقراطي.

مؤشرات كاشفة

يبدو أن الرئيس “جو بايدن” صنع مفارقة غير مسبوقة؛ فقد أشارت معظم استطلاعات الرأي إلى تراجُع سريع وحاد في شعبيته في الشهور الماضية، على نحو لم يحدث -بحسب الكثير من المراقبين- مع أي رئيس أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية، وهو الأمر الذي بات يشكل مصدر قلق كبير للديمقراطيين، لا سيما مع وجود بعض المؤشرات السلبية الأخرى، وذلك على النحو التالي:

1- الانحدار السريع لشعبية الرئيس والحزب الديمقراطي: تشير نتائج معظم استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة إلى تراجُع كبير في شعبية الرئيس الأمريكي، وقد تزايد هذا التدهور في شعبية “بايدن” بشكل خاص عقب الانسحاب الأمريكي “الفوضوي” من أفغانستان، وتزايد الانتقادات لإدارة “بايدن” في الداخل الأمريكي. ووفقاً لاستطلاع رأي أجراه المعهد الأمريكي للرأي العام “جالوب”، في 23 أكتوبر الماضي، فقد انخفضت شعبية الرئيس “بايدن” في الأشهر التسعة الأولى لولايته بنسبة 11.3% لتصل إلى 44.7%، الأمر الذي يُشكل أكبر تدهور لشعبية رئيس أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية.

وفي السياق نفسه، أكدت نتائج استطلاع رأي أجراه مركز “هارفارد” للدراسات السياسية الأمريكية “CAPS-Harris Poll” في نهاية أكتوبر الماضي، أن شعبية الرئيس “بايدن” انخفضت إلى 43%، كما أظهرت نتائج استطلاعات الرأي التي أجرتها صحيفة “USA Today” وجامعة “سوفولك” Suffolk University، وتم نشرها في 7 نوفمبر الجاري، تدهور شعبية الرئيس الأمريكي إلى 38%، كما تراجعت شعبية نائبة الرئيس “كامالا هاريس” إلى حوالي 28%.

2- تفوق “ترامب” على “بايدن” في أحدث استطلاعات للرأي: لم يقتصر التراجع في شعبية الرئيس “بايدن” على أدائه في الشهور العشرة الماضية، بل امتدت تأثيراته السلبية على فرص “بايدن” في الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة. فقد أعرب حوالي ثلثي الأمريكيين (64%) عن أنهم لا يرغبون في ترشح الرئيس “بايدن” لولاية ثانية في عام 2024، ويشمل ذلك 28% من الديمقراطيين. من ناحية أخرى، بلغت نسبة معارضة ترشُّح “ترامب” لولاية أخرى في عام 2024 حوالي 58% فقط، منهم حوالي 24% من الجمهوريين.

اللافت في الأمر أن استطلاعاً آخر من إعداد جامعة “إيمرسون” الأمريكية، ونشره موقع “نيوزويك”، في 6 نوفمبر الجاري، أظهر أن “ترامب” قد يفوز على الرئيس “بايدن” في حال قرر الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2024، حيث أظهرت أحدث البيانات أن “ترامب” يحظى بدعم 45% من الناخبين المسجلين، بينما يدعم 43% من الناخبين “بايدن”، فيما رأى 11% من الناخبين أنهم يفضلون التصويت لشخص آخر، بينما اعتبر 1% من الناخبين أنهم “لم يتخذوا قراراً بعد”.

3- خسائر الديمقراطيين في انتخابات حكام الولايات: تؤكد الهزيمة القاسية التي مُني بها الحاكم الديمقراطي لولاية فرجينيا “تيري ماكوليف” لصالح الجمهوري “جلين يونجكين”، التراجع الملحوظ في شعبية الحزب الديمقراطي، لا سيما وأن فرجينيا كان يُنظر إليها على أنها إحدى الولايات المضمونة للديمقراطيين؛ حيث استثمر فيها الحزب الديمقراطي الكثير من أرصدته السياسية في السنوات السابقة، وهو ما تجلّى في عدم فوز الجمهوريين بهذه الولاية منذ عام 2009، والتي حسمها “بايدن” لصالحه في الانتخابات الرئاسية الماضية بفارق 10 نقاط عن “ترامب”.

وبعد الخسارة الديمقراطية المدوية في فيرجينيا، حقّق الحاكم الديمقراطي لولاية نيوجيرسي المنتهية ولايته “فيل مورفي” فوزاً بشق الأنفس على منافسه الجمهوري “جاك تشيتاريللي”، حيث حصل “مورفي” على 50.1% من الأصوات مقابل 49.1% لمنافسه الجمهوري. جدير بالذكر أن “مورفي” قد فاز بالمنصب في عام 2017 بحوالي 56% من الأصوات، كما فاز الرئيس “بايدن” بأصوات الولاية في انتخابات عام 2020 بنسبة 58% من الأصوات مقابل 40% لترامب، مما يُظهر التراجع الملحوظ لشعبية الحزب الديمقراطي في الولاية.

4- تعثُر تمرير الأجندة التشريعية للإدارة الأمريكية: تواجه إدارة الرئيس “بايدن” صعوبة كبيرة في تمرير أجندتها التشريعية الطموحة، لا سيما تلك المتعلقة بالإنقاذ الاقتصادي. لكنّ اللافت للانتباه أن هذا التعثُّر يأتي بالأساس بسبب الخلافات الداخلية بين الأجنحة المختلفة في الحزب الديمقراطي، وهو الأمر الذي ساهم في تأخر إقرار خطة الرئيس الخاصة بالبنية التحتية بعد معارضة بعض الأعضاء التقدميين بشكل أساسي، كما طالب بعض المعتدلين بخفض فاتورة الإنفاق الاجتماعي المقترحة من الرئيس “بايدن” والتي تبلغ قيمتها 3.5 تريليونات دولار. وفي ظل الأغلبية الضئيلة جداً للديمقراطيين في الكونجرس؛ فإن تزايُد الانقسامات بين الديمقراطيين من شأنه أن يساهم في المزيد من عرقلة أجندة الرئيس “بايدن”.

تداعيات محتملة

تتعدد أسباب تراجُع شعبية الرئيس “بايدن” والديمقراطيين، وتتنوع بين أسباب داخلية وخارجية؛ وعلى رأسها إحباط المواطن الأمريكي من عدم تحقيق سياسات إدارة الرئيس “بايدن” النتائج الاقتصادية المرجوة، لا سيما مع الارتفاع الهائل في معدلات التضخم على نحو لم يحدث منذ عقود، وتراجُع معدلات الرضا عن تعامل الإدارة مع جائحة كورونا. أضف إلى ذلك تداعيات الانسحاب الأمريكي “الفوضوي” من أفغانستان، وهو ما أثار موجة كبيرة من الانتقادات للإدارة الأمريكية في الداخل والخارج، وتسبب في تراجُع شعبيتها على نحو ملحوظ. ويثير التراجع الملحوظ في شعبية الديمقراطيين جملة من التداعيات المحتملة في الفترة القادمة، والتي يمكن تناول أبرزها على النحو التالي:

1- فقدان الديمقراطيين السيطرةَ على الكونجرس: يسيطر الديمقراطيون على الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ في الوقت الحالي، بيد أن هذه السيطرة تعتبر هامشية للغاية، إذ يوجد هامش صوت واحد لصالحهم في مجلس الشيوخ، وصوتين فقط في مجلس النواب. ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس العام القادم، فمن المتوقع أن يفقد الديمقراطيون السيطرة على الكونجرس بالنظر إلى تاريخ السياسة الأمريكية التي تؤكد أنه غالباً ما يخسر حزب الرئيس بعض المقاعد في مجلسي الكونجرس في الانتخابات النصفية في كل دورة.

بيد أن خسارة الديمقراطيين المزيد من المقاعد في الكونجرس تبدو أكثر ترجيحاً في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2022، ولا سيما بعد التراجع الكبير في شعبية الإدارة الأمريكية، وتلقي الديمقراطيين خسارة كبيرة في ولاية فرجينيا، بالرغم من التركيز الديمقراطي الكبير على تلك الولاية، بالإضافة إلى تراجُع شعبية الديمقراطيين في ولاية نيوجيرسي، فضلاً عما بات يتسم به الخطاب السياسي للديمقراطيين بقدر كبير من “الفوضوية وعدم الوضوح”. ومن الجدير بالذكر أن الحزب الديمقراطي سبق وأن فقد السيطرة على الكونجرس في عام 2010 بعد خسارة ولاية فرجينيا في انتخابات 2009.

2- تزايد حدة الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي: لا تقتصر التحديات التي يتعرض لها الحزب الديمقراطي على التراجع الكبير في شعبيته التي تصب في العادة في صالح الجمهوريين؛ بل يواجه الحزب الأزرق انقسامات داخلية متصاعدة، بين المعسكرين اليساري التقدمي والوسطي، الأمر الذي يساهم -بشكل أساسي- في عرقلة الأجندة التشريعية للرئيس “بايدن”. ومع التراجع المتزايد في شعبية الحزب الديمقراطي، فإنه من المتوقع أن تزداد النقاشات الداخلية بين الأجنحة المختلفة داخل الحزب الديمقراطي، مما يضفي مزيداً من الانقسام والفوضى على الخطاب السياسي للحزب، وهو ما يُتوقع أن ينعكس على الأداء الانتخابي له.

ويسلط إعلان بعض الأعضاء الديمقراطيين في الكونجرس، وفي مقدمتهم “جون يارموث” رئيس لجنة الموازنة في مجلس النواب، عدم ترشحهم للانتخابات القادمة؛ حجم المأزق والانقسامات داخل الحزب الديمقراطي، وهو ما يُفسح المجال أمام الحزب الجمهوري -بشكل أكبر- للسيطرة على الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

3- ترميم شعبية الحزب الجمهوري بشكل متسارع: من المتوقع أن يؤدي التراجع الكبير في شعبية الرئيس “بايدن” والديمقراطيين إلى ترميم شعبية الحزب الجمهوري بشكل متسارع؛ حيث من المرجح أن يوظف الجمهوريون تراجع شعبية الحزب الديمقراطي وفوزهم في ولاية فرجينيا في اكتساب أرضية جديدة في ولايات أمريكية أخرى، كما يـُتوقع أن يستمر الحزب الجمهوري في تعديل الدوائر بما يخدم مصالحه. ويسيطر الجمهوريون حالياً على 30 مجلساً تشريعياً للولايات، وسيستخدمون هذه الميزة لإعادة ترسيم الحدود لصالحهم، وإحدى طرق القيام بذلك هي إضعاف تأثير ناخبي الأقليات من خلال نشر هؤلاء الناخبين بين عدد كبير من الدوائر.

4- هيمنة الأجندة الجمهورية على السياسة الأمريكية: من المتوقع أن تؤدي السيطرة المُرجحة للجمهوريين على الكونجرس إلى تحول الرئيس “بايدن” إلى ما اتفق على تسميته بـ”البطة العرجاء”، حيث يُمكن للجمهوريين حينها ليس فقط تعطيل أجندة الرئيس في الملفات الحساسة، لا سيما مع عدم التزام العديد من النواب الديمقراطيين بالتوجهات التشريعية للرئيس، على نحو ما اتضح في مشروع البنية التحتية؛ بل يُمكن أن يتم طرح قضايا من قبل “اللياقة الصحية للرئيس” أمام الكونجرس، وإمكانية الدعوة لتفعيل المادة 25 من الدستور لتنحيته.

وختاماً، في ضوء الأزمة الواضحة التي يُعاني منها الحزب الديمقراطي، والتي تتجلى بشكل واضح في التراجع الحاد في شعبية الرئيس والديمقراطيين، وخسارتهم الدعم الشعبي في بعض الولايات المحسوبة على الديمقراطيين، بالإضافة إلى تزايُد الانقسامات بين الأجنحة المختلفة داخل الحزب؛ فإنه من المتوقع أن يستعيد الحزب الجمهوري السيطرة على الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي القادمة، الأمر الذي قد يؤدي إلى هيمنة الجمهوريين على السياسة الداخلية الأمريكية، وتمهيد الطريق لعودة الجمهوريين وربما الرئيس “ترامب” مرة أخرى إلى البيت الأبيض في عام 2024، فضلاً عن الانعكاسات المحتملة على السياسات الخارجية كذلك، ولا سيما العلاقات مع روسيا والصين، والموقف من إيران، والتعامل مع المنظمات الدولية وحلفاء الولايات المتحدة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%8a%d9%8a%d9%86/