أزمة ثقة:

كيف تُدير الولايات المتحدة الملفات الخلافية مع تركيا؟
أزمة ثقة:
4 نوفمبر، 2021

التقى الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، نظيره التركي “رجب طيب أردوغان”، في روما على هامش اجتماع مجموعة العشرين (G20)، أواخر أكتوبر 2021، في وقت تواجه فيه العلاقات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، حالة من التوتر. وعلى الرغم من تأكيد “بايدن” أهمية الشراكة الدفاعية بين البلدين، وأهمية أنقرة كعضو في الحلف للولايات المتحدة؛ فإن ذلك لا ينفي الأزمة التي تمر بها العلاقات الأمريكية–التركية في ظل تأكيد الرئيس الأمريكي مخاوف واشنطن من امتلاك أنقرة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية (إس–400).

فقد مرت الشراكة الاستراتيجية الأمريكية التركية بأوقات عصيبة خلال السنوات الخمس الماضية؛ ليس فقط بسبب تصميم تركيا على شراء منظومة (إس–400)، وإخراجها من برنامج المقاتلة الأمريكية (إف–35)، وفرض الولايات المتحدة عقوبات على مؤسسات عسكرية تركية، بل إن قائمة القضايا الخلافية تضم الكثير، ومن أبرزها الاختلافات بشأن سوريا، وتوثيق أنقرة علاقاتها بروسيا، وطموحاتها البحرية في البحر الأبيض المتوسط، والاتهامات الأمريكية لبنك تركي مملوك للدولة بمساعدة إيران على تخطي العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، والدعم الأمريكي للقوات الكردية السورية التي تعتبرها تركيا منظمات “إرهابية”، وأخيراً تراجع الحقوق والحريات التركية، والموقف الأمريكي من الداعية الإسلامي “فتح الله جولن”، الذي تعتقد الحكومة التركية أنه مهندس محاولة الانقلاب الفاشلة في أنقرة، في يوليو 2016، ناهيك عن الكثير من القضايا الأخرى التي تفرض جملة من القيود على التقارب الأمريكي–التركي.

مقاربة جديدة

تبنت إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” مقاربة مختلفة عن الإدارات الأمريكية (الديمقراطية والجمهورية) السابقة تجاه تركيا، في ظل تشابك وتعقد القضايا الخلافية بين الحليفين. وتتمثل أبرز نقاط تلك المقاربة فيما يلي:

1– غياب التصعيد الأمريكي واستقرار العلاقات الثنائية: منذ تولي الرئيس “بايدن” السلطة في 20 يناير 2021، لم تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا أزمة جديدة، وسط التوترات المحتدمة، والخلافات الاستراتيجية، والعديد من بؤر التوتر المحتملة. ويُعد هذا الهدوء الذي تشهده العلاقات الأمريكية–التركية حالياً مقارنة بالإدارات الأمريكية السابقة إنجازاً. وقد مزج الخطاب الأمريكي للإدارة الحالية بين انتقاد السياسات التركية الداخلية والإقليمية، مع تأكيد أهمية أنقرة بالنسبة إلى واشنطن في الوقت ذاته، وتأكيد ضرورة حل الخلافات المشتركة، واتخاذ خطوات جدية للتوصل إلى صيغ توافقية حيال القضايا الخلافية بين البلدين.

2– اتصالات عسكرية لتسوية تداعيات الخلافات الاستراتيجية: التقى مسؤولون بوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) ممثلي وزارة الدفاع التركية في أنقرة، في 27 أكتوبر 2021، في محاولة لحل النزاع بشأن شراء تركيا أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية (إس–400) ، وإزالتها من برنامج المقاتلة الأمريكية (إف–35). وقد كانت أنقرة شريكاً في برنامج المقاتلة الأمريكية عند إطلاقه، وكان يفترض أن تحصل على 200 مقاتلة منها، لكن واشنطن استبعدتها منه في عام 2019 بعد شرائها منظومة الدفاع الروسية. وقد استهدف اللقاء كذلك تسوية القضايا الناجمة عن استبعاد تركيا من برنامج (إف–16)، الذي بات نهائياً، في 23 سبتمبر 2021. وقد تم الاتفاق على مواصلة المفاوضات حول هذا الملف للوصول إلى حل مناسب. ويتوقع أن يكون هناك اجتماع قادم بين المسؤولين العسكريين الأمريكيين والأتراك في واشنطن خلال شهر نوفمبر 2021.

وقد تحدث كل من وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن”، ومستشار الأمن القومي “جيك سوليفان”، مع نظيريهما التركيين عبر الهاتف، في 27 أكتوبر 2021. وقد ناقش “أوستن” مع نظيره التركي “خلوصي أكار”، حسب بيان البنتاجون، الهدف المشترك المتمثل في زيادة العلاقات الدفاعية الطويلة الأمد، كما شكر أنقرة على استضافة فريق وزارة الدفاع في أنقرة لبدء مناقشات تسوية المنازعات لمعالجة القضايا العالقة الناجمة عن إزالة تركيا من برنامج المقاتلة الأمريكية (إف–35).

3– التهديد بفرض عقوبات بموجب قانون “كاتسا”: فرضت إدارة الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب”، عقوبات على إدارة الصناعات الدفاعية التركية ورئيسها “إسماعيل دمير”، بموجب قانون كاتسا (قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات) الصادر في عام 2017، الذي يقضي بفرض عقوبات على الدول التي تتعاون مع أعداء الولايات المتحدة، وفي صدارتها روسيا؛ لشرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية. وقد هددت إدارة “بايدن”، تحت ضغوط من الكونجرس الأمريكي، بفرض المزيد من العقوبات بموجب القانون إذا استمر احتفاظ أنقرة بنظام الدفاع الروسي، ولا سيما مع تصريح الرئيس التركي بأن دولته قد تخطط لشراء صفقة ثانية من المنظومة الدفاعية الروسية.

4 مساعٍ تركية إلى شراء أسلحة أمريكية مختلفة: قدمت تركيا طلباً للولايات المتحدة لشراء 40 مقاتلة أمريكية من طراز (إف–16) من إنتاج شركة “لوكهيد مارتن”، ونحو 80 من معدات التحديث لطائراتها الحالية، بعدما حُرمت من المشاركة في برنامج المقاتلات (إف–35)؛ لشرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية. وقد نقلت تقارير لوكالتي “رويترز” و”بلومبرج”، أن الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، قد أبلغ نظيره التركي “رجب طيب أردوغان”، خلال لقائهما الأخير في روما، أن الطلب التركي يجب أن يُجرَى وفق الإجراءات الأمريكية المتبعة لشراء دولة أجنبية أسلحة أمريكية.

قيود قائمة

رغم المساعي الأمريكية والتركية المشتركة لإيجاد حلول للقضايا الخلافية المتصاعدة بين الحليفين التقليديين، التي يؤدي استمرارها إلى مزيد من التوتر في العلاقات الثنائية؛ فإن هناك العديد من القيود التي من شأنها تقويض فرصهما لاستعادة العلاقات إلى سابق عهدها، والتي يمكن بيانها على النحو التالي:

1– توتر العلاقات الشخصية بين الرئيسَيْن الأمريكي والتركي: على خلاف العلاقة الشخصية بين الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” والرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”؛ فإن العلاقة بين الأخير وبين الرئيس الأمريكي الحالي “جو بايدن” تتسم بالتوتر على المستوى الشخصي. وقد عبر الرئيس التركي عن ذلك خلال حضوره اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2021؛ حيث قال إن علاقته بالرئيس الأمريكي “لا تزال متوترة”، وأضاف: “عملت بشكل جيد مع الرؤساء (بوش الابن)، و(أوباما) و(ترامب)، لكني لا أستطيع أن أقول إننا بدأنا بشكل جيد مع (بايدن)”؛ وذلك بعد فشله في لقاء نظيره الأمريكي على هامش الاجتماعات. وفي المقابل، وصف “بايدن”، قبل أن يصبح رئيساً، “أردوغان” بأنه “استبدادي”، وأيَّد إقالته من قبل الناخبين الأتراك. كما أشار إلى أن أنقرة ساعدت على صعود تنظيم “داعش” الإرهابي بالسماح للمقاتلين الأجانب بعبور الحدود التركية إلى سوريا.

2– معارضة الكونجرس التقاربَ الأمريكي–التركي: تتصاعد انتقادات المشرعين الأمريكيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري داخل مجلسي الشيوخ والنواب، تجاه السياسات التركية الداخلية والإقليمية، ويعبرون عن مخاوفهم بصورة متزايدة بشأن العلاقات المتنامية بين أنقرة وروسيا، ولا سيما بعد حصول الأولى على منظومة الدفاع الصاروخي الروسية (إس–400)، ويدعون إلى تطبيق المزيد من العقوبات التي ينص عليها قانون “كاتسا” على الحكومة التركية. وقد حث 11 عضواً من الحزبين بمجلس النواب –في رسالة موجهة إلى وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”– الرئيس “بايدن” على عدم بيع حزمة طائرات من طراز (إف–16) لتركيا. وقد عبَّروا عن ثقتهم بأن الكونجرس سيعرقل أي صفقة من هذا القبيل؛ وذلك بعد تقارير تتحدث عن مطالب تركية لشراء المقاتلة الأمريكية ومعدات لتحديث ما تملكه.

3تصميم تركي على شراء أنظمة دفاع روسية جديدة: على الرغم من تأثير إتمام أنقرة صفقة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية في عام 2017 على العلاقات الأمريكية–التركية؛ فقد أعلن الرئيس التركي أن دولته منفتحة على شراء نظام دفاع صاروخي روسي جديد، وأنها حرة في شراء الأسلحة التي تراها مناسبة لأمنها؛ وذلك لمزيد من الضغط على الإدارة الأمريكية التي لم تسلم أنقرة مقاتلات من طراز (إف–35) رغم دفعها 1.4 مليار دولار.

4– وضع عراقيل على نقل الأسلحة الأمريكية إلى تركيا: تطالب تركيا بالحصول على طائرات مقاتلة من طراز (إف–16) مقابل الأموال التي دفعتها للحصول على مقاتلات من طراز (إف –35)، لكن هناك إشكالية تواجه الولايات المتحدة إذا قررت تنفيذ المطلب التركي، تتمثل في أن إدارة الصناعات الدفاعية التركية هي من ستحصل على تلك المقاتلات، وهي تخضع لعقوبات أمريكية بموجب قانون “كاتسا”. وبينما يجادل المسؤولون الأتراك بأن هناك طرقاً أخرى لنقل المقاتلات الأمريكية إلى تركيا من دون التعامل مع إدارة الصناعات الدفاعية التركية، فإن أعضاء الكونجرس أشاروا إلى أنهم سيعرقلون أي بدائل من هذا القبيل؛ لأنها تشكل تحايلاً على القانون الأمريكي.

وختاماً، فإنه على الرغم من المساعي الأمريكية–التركية المشتركة لإنهاء القضايا الخلافية بين الحليفين الاستراتيجيين في حلف شمال الأطلنطي، فإنه لا يتوقع أن تختفي، أو أن يتم حلها بين عشية وضحاها؛ وذلك لتباعد رؤى البلدين حولها بدرجة كبيرة؛ ما دفع العلاقات بينهما إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود. وبالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقات الحالية بين أنقرة وواشنطن تتسم بنقص كبير في الثقة المتبادلة. وتتبنى إدارة “جو بايدن” في علاقاتها بتركيا النهج الذي تتبعه مع خصومها الاستراتيجيين (روسيا والصين)، القائم على عدم التنازل عن مواقفها الثابتة من أجل الحفاظ على مناخ أفضل للعلاقات الثنائية، وفي الوقت ذاته تسعى إلى التعاون معها في مجالات أخرى يمكن فيها أن تقارب سياساتهما.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%ab%d9%82%d8%a9/