إخفاء الثروات:

لماذا تُعتبر لندن وجهة جذابة للأموال الأجنبية غير المشروعة؟
إخفاء الثروات:
12 مايو، 2022

عرض: د. إيمان أحمد عبدالحليم

تتزايد الانتقادات الدولية لبعض الدول التي تستقبل أموال أجنبية قد ترتبط بعمليات غسيل أموال، خاصةً في ظل استغلال بعض الأفراد والمنظمات لضعف الإطار القانوني من أجل إخفاء الثروات أو إعادة تدويرها، وفي ضوء هذا فقد نشر موقع “إيكونوميست” تقريرَيْن؛ أحدهما بعنوان “لماذا تُعتبَر لندن جذَّابة للغاية للأموال الأجنبية القذرة؟”، والآخر بعنوان “كيفية حل مشكلة الأموال القذرة في بريطانيا”؛ وذلك في 7 مايو 2022. ويمكن استعراض أبرز ما جاء فيهما على النحو الآتي:

1– دأب الأثرياء الروس على نقل أموالهم إلى العاصمة البريطانية: يوضح التقرير أن الأثرياء الروس دأبوا منذ سنوات على نقل أموالهم إلى لندن؛ وذلك لأسباب مختلفة ارتبطت عند البعض برغبتهم في توسيع استثماراتهم المشروعة، فيما سعى آخرون إلى الحصول على مزايا ضريبية، ولكن هناك أيضاً من سعى إلى استغلال كون لندن مركزاً ماليّاً ضخماً مع آليات تنظيمية وقانونية غير مُحكَمة؛ لأجل غسل الأموال القذرة، أو إعادة تدوير الثروة المكتسبة في ظروف تبدو فاسدة في نظر الغرب.

2جاذبية الأوضاع في لندن لعمليات غسيل الأموال الروسية: مما ساعد على كون بريطانيا وجهة لغسيل الأموال، أن النظام في الدولة لا يفرض قيوداً على الملكية الأجنبية للأصول، من الصحف إلى أندية كرة القدم حتى العقارات الفاخرة. فضلاً عن أن “السمات النبيلة” لنظام القانون العام البريطاني نفسه، الذي يشمل ضمان استقلال المحاكم وحقوق الملكية، هو أمر جاذب للجهات غير المشروعة أيضاً؛ حيث تسعى الأموال القذرة إلى الحصول على أكثر حماية ممكنة أسوةً بالأموال النظيفة. وفي ضوء ذلك، لم يكن مستغرباً أن تعتقد “وكالة الجريمة الوطنية البريطانية” (NCA)، أن لدى البلاد مشكلة غسيل أموال تصل إلى 100 مليار جنيه إسترليني (125 مليار دولار) سنويّاً.

3– تشجيع الوضع القانوني الفضفاض على نقل الأموال إلى بريطانيا: بالرغم من احترام سيادة القانون في بريطانيا، فإن ذلك النظام الذي يُكرس السرية المالية بشدة، فيه تشجيع للفاسدين على نقل أموالهم إلى هناك، وهو ما حاولت بريطانيا مواجهته؛ حيث كانت أول دولة في مجموعة العشرين تقدم سجلّاً عامّاً لمالكي الشركات في عام 2016. لكن أولئك الذين يقدمون معلومات خاطئة (أو لا يقدمون معلومات بتاتًا) من غير المُرجَّح أن يلقى القبض عليهم في حال مخالفتهم للإجراءات، وقد تُفرض عليهم عقوبات ليست مُشدَّدة في أفضل الأحوال، فيما لا يزال من السهل والرخيص إنشاء شركات وشراكات وهمية غير شفافة.

4– تحفيز الآليات المُنظِّمة لعمل المحاكم عمليات غسيل الأموال: أشار التقرير إلى أنه في الوقت الذي يتمتَّع فيه القضاة البريطانيون بسمعة عالمية قوية، فإنهم قد يقصرون في القضايا المتعلقة بالثروة المتراكمة في الولايات القضائية الأجنبية؛ إذ تُعطي المحاكم في بعض الأحيان وزناً مبالغاً فيه للأدلة المشكوك فيها التي تُقدِّمها سلطات الدول الأخرى، وبما يشمل إفادات الشهود والوثائق المالية والأدلة الأخرى التي تقدمها الحكومات المُراوِغة كونها “رسمية”. هذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن العديد من الأوليجاركية مرتبطون بأشخاص لا يزالون في السلطة في تلك الدول، يمكنهم التحكم في المعلومات التي تتدفَّق إلى المحاكم البريطانية.

كما يعاني النظام القضائي البريطاني من غياب الشفافية، فهو إن كان مفتوحاً فإن معرفة موعد جلسات الاستماع ومكانها يعتبر أمراً صعباً، إضافة إلى أنه يصعب الحصول على وثائق المحكمة؛ لأنها مكلفة للغاية. وهناك مشكلة أخرى تتعلق بنظام المحاكم في بريطانيا، هي ممارستها نظام “تحويل الكُلفة”؛ فالخاسر يدفع جزءاً من التكاليف أو جميع تكاليف التقاضي؛ ما يعني أن من لديه مال كثير لا يواجه مشكلة في دفع فاتورة المعارضة.

5– تراجُع المعايير الأخلاقية لطيف واسع من المحامين البريطانيين: حسب التقرير فإن سلوك المحامين الذاتي أمر مهم بوجه خاص في بريطانيا؛ لأن نظامها القانوني يعتمد على الالتزام الخاص من جانبهم بالقواعد والإجراءات القانونية المنظمة، وهو ما يصعب ضمانه في مطلق الأحوال؛ إذ تراجعت المعايير الأخلاقية مع إغراء كبار الأثرياء المزيدَ من المحامين بالأموال والشيكات الضخمة؛ ما أدى إلى ثغرات في نظام الرقابة، ولا سيما مع تلاعب طائفة من المحامين بقوانين الخصوصية وحماية البيانات البريطانية لرفع قضايا تُشبه ما تضمَّنه قانون التشهير قبل تعديله، وفي سبيل إرهاب الصحفيين أو المُنظَّمات غير الحكومية الذين يُحقِّقون مع عملائهم بهدف دفعهم إلى التراجع.

6– محدودية الميزانية المُخصصة لمكافحة الفساد والرشى الدولية: نوه التقرير بأنه في الوقت الذي تبلغ فيه الميزانية الإجمالية البريطانية لمكافحة الجريمة الاقتصادية نحو 850 مليون جنيه إسترليني، وفقاً لمنظمة غير حكومية Spotlight on Corruption، يُقدَّر ما يذهب لمكافحة الفساد الدولي والرشوة وما إلى ذلك بنحو 43 مليون جنيه إسترليني فقط. فليس من المستغرب إذن أن تتم المقاضاة في عدد قليل من القضايا الكبيرة، فضلاً عن أن العقوبات المفروضة على البنوك والمحامين تُعتبَر هامشية إلى حد كبير. وحتى بالنسبة إلى البنوك، نادراً ما تتجاوز الغرامات المفروضة على ثغرات غسل الأموال بضع عشرات من الملايين من الجنيهات الإسترلينية.

7– دفع الحرب الأوكرانية نحو تشديد الإجراءات على الأموال الروسية: لفت التقرير إلى أنه في حين لم تفعل الحكومات البريطانية المتعاقبة الكثير لتثبيط تدفُّقات الأموال الروسية المشكوك في أصولها، لكن الحرب الأوكرانية فرضت تغييراً مفاجئاً على هذا الوضع؛ إذ فرضت بريطانيا عقوبات على أكثر من 1600 فرد وشركة، منهم أكثر من 100 من أفراد الطبقة الأوليجاركية الذين تنامت ثرواتهم في ظل حكم الرئيس “فلاديمير بوتين”، أو وثَّقوا تعاملهم مع النظام لأجل الحفاظ على ثرواتهم وتنميتها.

8– حاجة بريطانيا إلى المزيد من الإجراءات لمكافحة غسيل الأموال: جاء فرض العقوبات على الأفراد الروس توازياً مع إجراءات أخرى اتخذتها الحكومة البريطانية تضمنت تمرير مشروع قانون الجرائم الاقتصادية من خلال البرلمان في مارس الماضي، الذي يُسهِّل المقاضاة في قضايا الفساد الدولي، ويفرض مزيداً من الشفافية على المالكين الأجانب للممتلكات البريطانية؛ وذلك مع إلغاء الحكومة نظام تأشيرة المستثمر الذي سمح لأي أجنبي ثري بشراء حقوق الإقامة، مع ضبط “قانون التشهير” البريطاني الشهير؛ لعدم السماح للأوليجاركية بإخافة المنتقدين. لكن بالرغم من أهمية الإجراءات البريطانية المتخذة، فإنها غير كافية بذاتها لمحاربة دخول الأموال القذرة؛ وذلك للعديد من الأسباب المرتبطة أساساً بالوضع القانوني الذي يساعد على تكريس السرية المالية بشدة، وسلوك المحامين القائمين على تطبيق القانون، فضلاً عن آليات عمل المحاكم نفسها، وأيضاً آليات تطبيق القواعد القانونية.

وفي الختام، يُشدد التقرير على أنه يجب أن تتمثل إحدى الأولويات في الإشراف على المحامين، الذين يلعبون دوراً مركزيّاً في النظام القضائي البريطاني، ووضع عقوبات رادعة بحق من ينخرطون في الخداع المالي؛ وذلك توازياً مع دعم ومساندة عمل المحققين والمُدَّعين العامِّين بتوفير الموارد اللازمة لهم.

المصادر:

Why is London so attractive to tainted foreign money?, The Economist, May 7, 2022, Accessible at: https://www.economist.com/britain/why–is–london–so–attractive–to–tainted–foreign–money/21809124

How to solve Britain’s dirty–money problem, The Economist, May 7, 2022, Accessible at: https://www.economist.com/leaders/2022/05/07/how–to–solve–britains–dirty–money–problem


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a5%d8%ae%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%aa/