إدارة التناقضات:

مسارات التفاوض بين الولايات المتحدة والصين حول الملفات الخلافية
إدارة التناقضات:
21 نوفمبر، 2021

أثار انعقاد أول قمة افتراضية مباشرة بين الرئيسين جو بايدن ونظيره الصيني تشي جين بينج جدلاً حول احتمالات تفكيك الخلافات بين القطبين الدوليين الرئيسيين في ظلّ تصاعد التوترات السياسية والاقتصادية والعسكرية بينهما، حيث تناولت القمة عدة قضايا مثل تايوان وحقوق الإنسان والعلاقات التجارية. وعلى الرغم من التواصل الممتد بين الرئيسين، لم تسفر المحادثات عن تغير جذري في مسار الصدام المكتوم بين الطرفين، غير أنها تكشف عن وجود اتجاهات لبناء آلية مستدامة للحوار، خاصةً في ظل كون المحادثات الأخيرة هي الثالثة التي يعقدها بايدن مع نظيره الصيني منذ تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة في يناير الماضي. وفي هذا السياق، تتمثل القضايا الخلافية بين الطرفين فيما يلي:

1- تصادم السياسات الأمريكية والصينية تجاه تايوان: يتزايد القلق الأمريكي من الضغوط العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية المتواصلة لجمهورية الصين الشعبية ضد تايوان. وفي المقابل، تحذر الإدارة الصينية من خطورة التصرفات الأمريكية الداعمة لاستقلال تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزّأ من أراضيها. وفي هذا السياق، هدفت المحادثات إلى خفض مخاطر الصدام الاستراتيجي بين البلدين وضبط النفس. كما تضمنت تصريحات بايدن إشارات إلى قضية تايوان التي تمثل نقطة خلاف متزايد بين البلدين، ولا سيما في أعقاب تأكيد الرئيس الأمريكي على أن بلاده سوف تدافع عنها حال شن الصين أي هجوم عليها، وهو ما يُعد تخلياً عن نهج السياسة الخارجية الأمريكية تجاه هذه القضية الذي اتسم “بالغموض الاستراتيجي”. وفي تصريحات منفصلة بعد انتهاء المحادثات، قال بينج إن الدعم الأمريكي لتايوان كان “يلعب بالنار”، وحذّر من أن تقسيم العالم إلى تحالفات أو تكتلات سيؤدي حتماً إلى كارثة.

2- تعزيز الجهود المشتركة لمواجهة التحديات العالمية: أكدت المحادثات على أن العلاقات الأمريكية-الصينية الجيدة تُعدّ ضرورة لمواجهة التحديات العالمية مثل التغير المناخي وجائحة كورونا. وهو ما يأتي في أعقاب قيام الدولتين المتنافستين بإصدار إعلان مشترك يستهدف التصدي لتغير المناخ أثناء المحادثات التي شهدتها مدينة جلاسكو في أسكتلندا. كما طُرح على طاولة المفاوضات بين الزعيمين الأمريكي والصيني قضايا مثل: الأمن السيبراني، والحد من الانتشار النووي، وغير ذلك من قضايا وتحديات عالمية.

كما قال الرئيس بايدن إن على الدولتين مسؤولية ضمان أن المنافسة لن تضل طريقها لتتحول إلى صراع مفتوح. كما أكد الرئيسان على مسؤوليتهما تجاه مصير العالم لتجنب نشوب أي صراع محتمل. ووصف الرئيس الصيني نظيره الأمريكي بأنه “صديق قديم”، وقال إنه يجب على الجانبين تعزيز الاتصالات والتعاون لحل التحديات الكثيرة التي تواجه الدولتين بالنظر إلى تأثير علاقتهما الثنائية على العالم أجمع. وقال الرئيس الأمريكي إنه يجب على الزعيمين ضمان عدم انحراف العلاقات بين البلدين إلى صراع مفتوح.

ومن جانبه، أكد الرئيس الصيني على ضرورة التعاون وزيادة الاتصالات بين البلدين باعتبارهما أكبر اقتصادين في العالم، وعضوين دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وأضاف الرئيس الأمريكي: “دائماً ما كنا نتواصل معاً بصدق وصراحة متناهية. ولم نترك بعضنا البعض وأحدنا يتساءل ما الذي يفكر فيه الآخر”. وقال بينج: “إن هناك حاجة لدى الدولتين لتحسين الاتصال ومواجهة التحديات معاً”. كما قال: “إن البشرية تعيش في قرية عالمية، ونواجه تحديات عدة معاً. وتحتاج الصين والولايات المتحدة إلى زيادة التواصل والتعاون فيما بينهما”.

3- المخاوف الأمريكية بشأن السياسات الصينية الداخلية والخارجية: أثار بايدن مجدداً المخاوف بشأن ممارسات حقوق الإنسان في الصين، وأوضح أنه سعى إلى حماية العمال والصناعات الأمريكية من الممارسات التجارية والاقتصادية غير العادلة لجمهورية الصين الشعبية. ومن الجدير بالذكر تصاعد حدة التوترات بين البلدين عقب وصول بايدن إلى البيت الأبيض في يناير الماضي، حيث سارع إلى انتقاد انتهاكات بكين لحقوق الإنسان شمال غرب الصين ضد الإيجور، وقمع الاحتجاجات الديمقراطية في هونج كونج، والعدوان العسكري على تايوان، إلى جانب عدد من القضايا الأخرى، في الوقت الذي انتقد فيه الرئيس الصيني تدخل البيت الأبيض فيما اعتبره شؤوناً صينية داخلية.

4- تجاوز التحديات الأمريكية والصينية الداخلية: مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، يجد كلا الزعيمين نفسيهما تحت وطأة تحديات داخلية متزايدة. ففي الداخل الأمريكي، تراجعت شعبية بايدن في استطلاعات الرأي وسط مخاوف من جائحة فيروس كورونا، والتضخم، ومشاكل سلسلة التوريد. وفي غضون ذلك، يواجه الرئيس الصيني عودة ظهور فيروس كورونا، ونقص الطاقة، وأزمة الإسكان التي تلوح في الأفق وسط تداعيات محتملة على الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، قال بينج: “في الوقت الحالي، تمر الصين والولايات المتحدة بمراحل حرجة من التنمية، وتعيش البشرية في قرية عالمية، ونحن نواجه تحديات متعددة سوياً”.

5- إعادة هيكلة الإطار الحاكم للعلاقات الصينية-الأمريكية: أكد بايدن أنهناك حاجة لعلاقات مستقرة ومنطقية بين الولايات المتحدة والصين. كما أكد على ضرورة احترام البلدين لبعضهما على نحو يدفع العلاقات الصينية-الأمريكية باتجاه إيجابي. وفي هذا الإطار، قال بايدن إن الولايات المتحدة ستتمسك بقيمها دائماً في إطار الالتزام بالقواعد الدولية، مع التشديد على حاجة واشنطن وبكين إلى ترتيبات “منطقية” تؤطّر العلاقة بين كلٍّ منهما على نحو يجنب الصدام. كما قال بايدن: “إننا بحاجة إلى وضع بعض الحواجز الوقائية المنطقية، كي نكون واضحين وصادقين عندما نختلف ونعمل معاً، حيث تتقاطع مصالحنا، ولا سيما في القضايا العالمية الحيوية مثل تغير المناخ”. وأضاف: “لدينا مسؤولية تجاه العالم، وكذلك تجاه شعبنا”.

6- التعامل مع جائحة (كوفيد-19): أكد بايدن مجدداً على أهمية الشفافية في منع تفشي الأمراض في المستقبل، في إشارة إلى عدم رغبة الصين في السماح بإجراء تحقيق دولي في أصول الوباء الحالي، وفي ظل تضارب التقارير الدولية وانقسام الأوساط الاستخبارية إزاء منشأ الفيروس. وقد سبق أن قيّمت أربع وكالات استخبارية “بثقة متدنية” أن المرض نشأ من حيوان مصاب أو فيروس على صلة به، لكن وكالة واحدة قالت إن لديها “ثقة متوسطة” بأن أول إصابة بشرية كانت على الأرجح نتيجة لحادث وقع بأحد المختبرات، يتعلق ربما بإجراء التجارب أو التعامل مع الحيوانات من قبل معهد ووهان لعلم الفيروسات.

7- ضمان حرية الملاحة والتحليق الآمن: ناقش بايدن أهمية منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، وأبلغ نظيره الصيني بعزم الولايات المتحدة المستمر على الوفاء بالتزاماتها في المنطقة، وجدد التأكيد على أهمية حرية الملاحة والتحليق الآمن من أجل ازدهار المنطقة.

8- مناقشة قضايا المناخ والطاقة وحقوق العمال: ناقش الزعيمان الطبيعة الوجودية لأزمة المناخ في العالم والدور المهم الذي تلعبه واشنطن وبكين. كما ناقشا أهمية اتخاذ تدابير لمعالجة إمدادات الطاقة العالمية، بجانب حماية العمال والصناعات الأمريكية من الممارسات التجارية والاقتصادية غير العادلة لجمهورية الصين. وفي هذا السياق، دعا الرئيس الصيني إلى احترام الأنظمة الاجتماعية ومسارات التنمية لكل من الصين والولايات المتحدة، واحترام المصالح الجوهرية، والشواغل الرئيسية لبعضهما بعضاً واحترام حق كل منهما في التنمية.

ختاماً، أتى هذا اللقاء الافتراضي في وقت تتراكم فيه الخلافات بين واشنطن وبكين، حيث يتمسك كل طرف بموقفه بشأن تايوان والتبادل التجاري وحقوق الإنسان، بيد أنه ومنذ الإعلان عنها لم يعول أحد على نتائجها، وقد كان من المستبعد أن تتوصل إلى نتائج ملموسة، وقد انتهت بالفعل بعد ثلاث ساعات ونصف دون الاتفاق على أي إجراء ملموس. كما لم تسبقها أي اتفاقيات أو مبادرات ملموسة أو محاولة لإصدار بيان مشترك، وإن برزت أهميتها كونها وسيلة لتقريب وجهات النظر والتأكيد على تجنب الصدام بين الجانبين، لا سيما بالنظر إلى عددٍ من القضايا الخلافية التي تأتي تايوان في مقدمتها، وإن تجنبت المحادثات طرح بعض القضايا التي كانت مصدر تكهنات قبل القمة، بما في ذلك الخلافات حول: التأشيرات، ودعوة حضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين، والرد العسكري الأمريكي إن هاجمت بكين تايوان.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a5%d8%af%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d8%a7%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%aa/