إرباك الحسابات:

كيف انعكست الحرب الأوكرانية على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
إرباك الحسابات:
28 يونيو، 2022

عرض: عبد الرحمن عاطف

حملت الحرب الأوكرانية تداعيات عديدة على مختلف أقاليم العالم، وكانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأكثر تأثراً بهذه الحرب، بالنظر إلى مدى ارتباط دولها بأطراف الحرب، وتحديداً على صعيدي الطاقة والغذاء. وقد ظهرت تداعيات الحرب على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بصورة كبيرة على المستوى الاقتصادي. وفي هذا الإطار، نشرت “خدمة أبحاث الكونجرس” تقريراً حمل عنوان “الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية لعام 2022″، في 15 يونيو 2022. تطرق التقرير إلى تداعيات الحرب الأوكرانية على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية للمصالح الأمريكية.

فراغ روسي

أشار التقرير إلى أن الحرب الأوكرانية انعكست على الحضور الروسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويتضح ذلك عبر ما يأتي:

1– تقلص الحضور العسكري الروسي في المنطقة: وفقاً للتقرير، سحبت روسيا منذ فبراير 2022 بعض قواتها من سوريا للاستفادة منها في الحرب، كما نقلت موسكو قوات بحرية كبيرة من أساطيلها الموجودة في شرق البحر المتوسط إلى البحر الأسود؛ ما دفع القوات الإيرانية وحلفاءها إلى الاستفادة من هذا الفراغ لزيادة حضورهم في سوريا، كما أفادت تقارير بأن روسيا نقلت عناصر “فاجنر” من ليبيا ومناطق صراع أخرى للاستفادة من جهودهم في الحرب الأوكرانية.

2– تضرر مبيعات الأسلحة الروسية لعدة دول: أوضح التقرير أن مبيعات الأسلحة الروسية تضررت بسبب العقوبات الغربية؛ وذلك في ظل الحظر الغربي على تصدير تقنيات ومكونات معينة تدخل في الصناعات العسكرية الروسية، كما أن عدم قدرة روسيا على تحقيق أهدافها العسكرية في أوكرانيا بسرعة، قد يدفع بعض الشركاء العسكريين لروسيا مثل الجزائر ومصر إلى التشكيك في كفاءة المعدات العسكرية الروسية ومن ثم إعادة النظر في علاقات شراء الأسلحة المستمرة من روسيا، التي تعتبر ثاني أكبر مصدر رئيسي للأسلحة في المنطقة بعد الولايات المتحدة.

3– زيادة التواصل مع دول المنطقة بشأن الغذاء: لفت التقرير إلى أن الأزمة الغذائية التي نتجت عن الحرب في دول المنطقة، دفعت هذه الدول ٱلى التواصل مع روسيا بكثافة لإيجاد حل لها. وطبقاً للتقرير، عبرت الحكومة الروسية عن استعدادها لتسهيل زيادة الصادرات الزراعية التي تفرض موسكو نفوذها عليها في روسيا وأوكرانيا، مقابل تخفيف بعض العقوبات المفروضة عليها، بالإضافة إلى ذلك، طالبت موسكو بإزالة الألغام من ممرات الشحن المطلة على الموانئ التابعة لأوكرانيا، بجانب مطالبة موسكو بالحصول على حق تفتيش السفن المغادِرة من أوكرانيا، وهو الأمر الذي تخشي أوكرانيا من استغلاله في أغراض عسكرية.

4– تصلب في مواقف روسيا تجاه بعض الملفات: أكد التقرير أن روسيا تصلبت تجاه بعض الملفات في المنطقة، مشيراً إلى أن التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا أضاف تعقيدات جديدة إلى محادثات إحياء الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015؛ حيث إن موسكو ضغطت على الولايات المتحدة للحصول على ضمانات بعدم تأثر العلاقات التجارية والاقتصادية والعسكرية بين موسكو وطهران بالعقوبات المفروضة على روسيا باعتبار ذلك جزءاً من أي اتفاق. وفي ذلك السياق، جادل أعضاء في الكونجرس بأن إحياء الاتفاق الإيراني سيكون انتصاراً لروسيا.

مواقف متباينة

شدد التقرير على أن الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبنت مواقف متباينة تجاه العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا. ويمكن توضيح هذه المواقف عبر ما يأتي:

1– إدانة بعض الدول روسيا في الأمم المتحدة: أكد التقرير أن بعض الدول مثل إسرائيل أدانت علناً التدخل العسكري الروسي، لافتاً إلى تصاعد التوترات السياسية بين موسكو وتل أبيب في أوائل مايو 2022؛ بسبب تصريحات لمسؤولين روس أشارت إلى أن إسرائيل تدعم النازيين الجدد في أوكرانيا.

2– دعم بعض الدول لروسيا في الأمم المتحدة: نوه التقرير أن طهران دعمت موسكو دبلوماسياً وألقت باللوم على واشنطن وحلف الناتو في الصراع الأوكراني، لافتاً إلى استمرار التوترات بين طهران وكييف بشأن إسقاط إيران طائرة ركاب أوكرانية في عام 2020. وأضاف التقرير أنه من بين الدول العربية، صوتت سوريا فقط لصالح روسيا في الأمم المتحدة. وأشار التقرير إلى أن بعض دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا امتنعت عن التصويت على إدانة روسيا أو تعليق عضويتها في مجلس الأمن مثل المغرب.

3– تذبذب مواقف دول تجاه التدخل الروسي: وفقاً للتقرير، اختارت دول أخرى التعامل بأسلوب متباين تجاه التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، على غرار الجزائر التي صوتت ضد قرار تعليق عضوية روسيا في الأمم المتحدة، كما أن معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تسن عقوبات اقتصادية ضد الحكومة الروسية.

ضغوط الطاقة

بحسب التقرير، ساهم نقص واردات النفط الروسية في ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بأسلوب انعكس على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويمكن توضيح ذلك عبر ما يأتي:

1– إرباك أزمة الطاقة ميزانيات بعض دول المنطقة: نوه التقرير إلى أن استمرار أزمة الطاقة العالمية، بجانب الضغوط المالية المتعلقة بالأزمة الأوكرانية، تزيد احتمالية خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية في العديد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك خفض الدعم على السلع الرئيسية والوقود؛ ما يهدد بحدوث اضطرابات داخلية؛ ففي تونس مثلاً كشفت الحكومة عن خطط لزيادة أسعار الوقود المحلية شهرياً خلال عام 2022؛ ما يضع ضغوطاً إضافية على الأسر.

2– استفادة الدول المصدرة للنفط من ارتفاع أسعاره: وفقاً للتقرير، زادت أزمة ارتفاع أسعار النفط من أعباء الدول المستوردة للطاقة في المنطقة، بينما استفادت الدول المصدرة للنفط من ارتفاع أسعاره مثل السعودية والعراق. وفي السياق نفسه، توقع بعض المراقبين عودة النفط الإيراني في الفترة المقبلة إلى السوق لتعويض نقص النفط الروسي على نحو جزئي. وقد استفادت إيران بوجه عام من ارتفاع أسعار النفط، وزادت الصين من وارداتها النفطية من إيران بقدر ملحوظ.

3– تزايد إنتاج النفط وفتح أسواق لتصدير الطاقة: أكد التقرير أن كلاً من السعودية والإمارات دعمتا قرار “أوبك +” بزيادة حجم الإنتاج المخطط لشهري يوليو وأغسطس 2022، بما في ذلك توسيع حصة الإنتاج الروسية بموجب الاتفاقية، كما التزمت الجزائر وقطر بالتوسع قدر الإمكان في إمدادات الغاز الطبيعي لتصديره إلى أوروبا. علاوة على ذلك، وقعت مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي اتفاقية ستسمح بتصدير الغاز الطبيعي المسال الإسرائيلي إلى أوروبا عبر مصنع للمعالجة في مصر.

معضلة الغذاء

وفقاً للتقرير، أدت الحرب الأوكرانية إلى تعطيل عملية تصدير المواد الغذائية، وتحديداً القمح، من روسيا وأوكرانيا إلى الأسواق العالمية؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وازدياد حدة أزمة الغذاء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد تفاوت تأثر دول المنطقة بأزمة الغذاء. وتتضح التأثيرات السلبية لأزمة الغذاء على دول المنطقة من خلال ما يأتي:

1– مفاقمة أزمة الغذاء للأزمات الإنسانية في المنطقة: أشار التقرير إلى أن سوريا واليمن كانتا أكثر دول المنطقة تأثراً بأزمة الغذاء؛ لارتباطهما بصراعات داخلية ومعدلات فقر مرتفعة؛ حيث صرح برنامج الأغذية العالمي بأن المستوى الحالي لانعدام الأمن الغذائي في اليمن – الذي يستورد أكثر من 50% من إمدادات القمح من منطقة البحر الأسود – غير مسبوق منذ بداية الصراع في عام 2015. أما بالنسبة إلى سوريا، فنحو 60% من سكانها يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي منذ بداية عام 2022، كما أن تكاليف المساعدات الإنسانية زادت حدة الأزمة داخل البلدين.

2– حدوث اضطرابات وعدم استقرار في بعض الدول: بحسب التقرير، ارتبطت الاحتجاجات التي اندلعت في إيران منذ مايو 2022 بخفض طهران الدعم الحكومي على السلع الأساسية في الشهر نفسه؛ ما أدى إلى زيادة الأسعار في اقتصاد يعاني من التضخم، أما بالنسبة إلى تونس ذات الدخل المتوسط أيضاً، ففي حالة عدم تمكن الحكومة التونسية من الحد من تضخم الأسعار الحالي والضغوط الاقتصادية الأخرى، فسيؤدي ذلك إلى حدوث اضطرابات داخلية، قد تؤدي بدورها إلى تعميق حالة عدم الاستقرار الموجودة بالفعل في البلاد.

3– احتواء أزمة الغذاء في العديد من الدول في المنطقة: وفقاً للتقرير، احتوت عدة دول ذات دخل متوسط في المنطقة أزمة الغذاء، مثل مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، التي حافظت على دعم المواد الغذائية واتجهت إلى تقليل تصديرها القمح وإيجاد مصادر بديلة له. وفي حالة الجزائر، فهي لم تتأثر كثيراً؛ لأنها لا تعتمد اعتماداً أساسياً على القمح الروسي والأوكراني، كما أن عائداتها المرتفعة من الطاقة قللت من ارتفاع التكاليف. أما دول المنطقة ذات الدخل المرتفع مثل إسرائيل، فقد تمكنت من الوصول بسهولة إلى موردين آخرين بأسعار أعلى.

وختاماً.. شدد التقرير على أن روسيا قد تسعى إلى تعويض تراجع مكانتها العالمية من خلال استخدام نفوذها الإقليمي في صراعات مثل سوريا وليبيا لمناكفة الولايات المتحدة، بجانب تكثيف محاولاتها للبحث عن شراكات مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصةً خصوم الولايات المتحدة مثل إيران أو شركاء يجدون أنفسهم على خلاف مع الولايات المتحدة حول قضايا معينة. وأكد التقرير أن الضغوطات الناتجة عن الحرب الأوكرانية تزيد احتمالية استجابة دول المنطقة لدعوات الولايات المتحدة إلى التعاون مع الغرب فيما يتعلق بالحرب الأوكرانية أو غيرها من القضايا.

ولفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة قد تراجع أوضاع وشروط المساعدات الأمنية ومبيعات الأسلحة لشركائها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ضوء تراجع جاذبية روسيا بوصفها شريكاً أمنياً، بالإضافة إلى ذلك، أوضح التقرير أن من المتوقع أن يدرس الكونجرس آليات مختلفة لمحاولة التعاون مع دول المنطقة بقدر أكبر ومساعدة الدول التي تعاني من أزمات طاقة وغذاء.

المصدر:

Middle East and North Africa: Implications of 2022 Russia–Ukraine War, Congressional Research Service, June 15, 2022.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a5%d8%b1%d8%a8%d8%a7%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa/