إسرائيل نموذجاً:

كيف تُقيّم الدول التهديدات في منطقة الشرق الأوسط؟ (حلقة نقاشية)
إسرائيل نموذجاً:
24 يونيو، 2022

تحتل إسرائيل موقعاً بارزاً في التفاعلات الإقليمية الديناميكية خلال السنوات الأخيرة، في وقت تواجه فيه تل أبيب العديد من التحديات الداخلية لاسيما السياسية منها، جنباً إلى جنب مع التحديات الخارجية، والتي يأتي على رأسها الملف الإيراني، وفي ضوء هذا، فقد استضاف “إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية” حلقة نقاش بعنوان “الأمن أولاً: كيف تُقيِّم إسرائيل التهديدات في الشرق الأوسط؟”، وقد تحدث فيها “د. بي آر كوماراسوامي” مدير معهد الشرق الأوسط بنيودلهي، وأستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة جواهر لال نهرو بالهند. ويمكن تناول الاتجاهات الرئيسية للنقاش على النحو الآتي:

تنوُّع التحديات

سلَّطت الحلقة النقاشية الضوء على الدوائر المرتبطة بتقييم المخاطر الإسرائيلية، وألقت الضوء على بعض التحديات التي واجهت وتواجه تل أبيب، سواء داخلياً أو خارجياً، وهو ما يمكن توضيحه على النحو الآتي:

1– ثلاث دوائر لتقييم المخاطر الإسرائيلية: وفق الحلقة النقاشية فإن إسرائيل لديها دوائر ثلاث للمشكلات بحسب تقييمها للمخاطر – هذا التقييم يعتمده مركز هاري ترَومان لإسرائيل والعديد من مراكز الأبحاث الهامة – الأولى على المستوى العالمي الإسلام، والثانية على المستوى الإقليمي العرب، والثالثة على المستوى الداخلي الفلسطينيون. كما أن من أبرز نقاط التماس بين اليهودية والإسلام عدم الفصل بين الدولة والدين؛ فالديانتان تعتقدان أنه لا تعارض بين الدين والدولة، بل الدين هو محور وجود الدولة. وليس لدى إسرائيل مشكلة حقيقية مع الإسلام، ولكن مشكلتها الحقيقية مع العرب؛ فحتى عام 1979 كانت إسرائيل صديقة لإيران، كما كانت تتمتع بعلاقات وثيقة مع تركيا، وهما دولتان إسلاميتان.

2– تقييم حالة إسرائيل خلال عام 2022: لفتت الحلقة النقاشية إلى أنه بالنسبة إلى التقييم العام لإسرائيل في عام 2022، فإن إسرائيل باتت أكثر قوة سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً، كما أن المستوى الأمني فيها جيد للغاية، وتحرص الدولة على الانفتاح بقدر أكبر على العالم واكتساب أصدقاء جدد.

3– تزايد الهجمات في الداخل الإسرائيلي: سلطت الحلقة النقاشية الضوء على مواجهة إسرائيل تهديدات داخلية كبيرة تُقلق السلطات الحاكمة في تل أبيب باستمرار، ويأتي على رأسها مسألة الصراع الوجودي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومسألة الهوية والصراع بين الهويتين الإسرائيلية والعربية والمشاعر المناهضة للسامية التي ظهرت في قضايا عديدة، وخلقت مشاكل داخل للجيش الإسرائيلي.

4– معضلة أزمة القبول الإقليمي لإسرائيل: لفتت الحلقة النقاشية إلى معاناة إسرائيل الوجودية من أزمة القبول والاعتراف الإقليمي، سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى الحكومي. وفي عام 1973 تزايدت عزلة إسرائيل الدولية وخاصةً في أفريقيا بعد أزمة النفط الشهيرة خلال حرب أكتوبر، بينما توطدت علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة منذ عام 1967.

5–أهمية تسوية الصراع مع الفلسطينيين: تعتبر مسألة التوصل إلى تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين أمراً هاماً للغاية؛ ليس فقط من أجل حسم هذا الصراع الممتد، بل لتعزيز قدرة إسرائيل على تدشين علاقات مع عدد أكبر من الدول؛ حيث قد تقود التسوية المحتملة إلى تدشين علاقات بين السعودية وإسرائيل، خاصةً أن الرياض سبق أن أكدت أن هذا الأمر شرط ضروري قبل الحديث عن أي تقارب مع إسرائيل.

الخصم الإيراني

شكَّلت إيران أحد المحاور الرئيسية خلال الحلقة النقاشية، خاصةً في ظل تصاعد العداء بين طهران وتل أبيب، التي وصلت إلى حد الاستهداف المباشر. ويمكن تناول أبرز ما تم تسليط الضوء عليه خلال النقاش، وذلك على النحو الآتي:

1– اتساع دائرة العداء الإقليمي للنظام في إيران: لفتت الحلقة النقاشية إلى أنه منذ عام 2000 لم تعد إسرائيل نفسها هي فقط التي تعادي إيران، بل أصبحت الدول العربية المجاورة لإيران تخشى طموحاتها التوسعية؛ ما خلق عدواً مشتركاً أو تهديداً مشتركاً للعرب والإسرائيليين تجاه إيران ذات السياسات العدائية؛ الأمر الذي قاد في الأخير إلى اتفاقيات إبراهام.

2– ضرورة تنسيق الموقف الإسرائيلي الخليجي: وفق الحلقة النقاشية، فإنه لا يمكن لإسرائيل وحدها أن توقف الطموحات النووية الإيرانية؛ فالاتفاق النووي السابق كان يحظى بشعبية ودعم أوروبي وحتى أمريكي، ومن ثم يجب أن تمارس تلك الدول ضغوطاً أكبر على طهران التي رفعت نسب تخصيب اليورانيوم. ويمكن لدول الخليج العربي أن تلعب دوراً أكبر في مواجهة طموحات إيران النووية.

3– خلق تهديد طهران تضامناً عربياً إسرائيلياً: وفق الحلقة النقاشية، فإنه على الرغم من المشاكل التي واجهتها إسرائيل على مدار تاريخها فيما يتعلق بالاعتراف الدولي وتدشين علاقات قوية مع جيرانها، فإن التهديد الإيراني لكل من إسرائيل وجيرانها الإقليميين ساهم في خلق تكاتف عربي إسرائيلي ضد طهران.

4– تهديد إيران لإسرائيل على مستويات ثلاثة: بحسب الحلقة النقاشية، تشكل إيران تهديداً لإسرائيل على ثلاثة مستويات رئيسية: أولها على المستوى الأيديولوجي؛ حيث مثلت التحولات التي تشهدها إيران منذ عام 1979 تهديداً للجانب الإسرائيلي وفق رؤية تل أبيب التي ترى أن تركيبة الحكم الإيرانية لا تتوافق مع المصالح الإسرائيلية، فيما يتمثل المستوى الثاني في نظرة إيران إلى نفسها على أنها ليست قوة مركزية في منطقة الخليج فقط، بل قوة لها طموحات في محيط البحر المتوسط.

ويتضح ذلك من خلال نفوذها في بعض الدول المطلة عليه، كلبنان وسوريا؛ وذلك بجانب توظيف وكلائها، خاصةً ميليشيا الحوثي وحزب الله اللبناني وحركة حماس، لخدمة مصالحها. ويتمثل المستوى الثالث من التهديد في طموحات طهران النووية؛ حيث تسعى إيران إلى الهيمنة النووية على المنطقة.

5– دفع واشنطن للعب دور أكبر في المنطقة: لفتت الحلقة النقاشية إلى أن إسرائيل تريد أن تلعب واشنطن دوراً أكبر في المنطقة، وأن تعيد انخراطها بعد انسحابها تدريجياً منها ومن مناطق أخرى. وقد أثر ذلك على تقارب تل أبيب مع دول أخرى مثل الصين وروسيا، وهو ما تجلَّى في الموقف الإسرائيلي الذي كان به حياد نسبي مع بداية التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا.

أفق التعاون

ركزت الحلقة النقاشية على مستقبل التعاون بين الإمارات وإسرائيل، خاصةً في ظل الوضع السياسي الحالي داخل تل أبيب، وهو ما يمكن توضيحه على النحو الآتي:

1– عدم تأثر العلاقات مع أبو ظبي بالحكومة الجديدة: بحسب الحلقة النقاشية، فإنه من غير المعروف حتى الآن ما السيناريو الذي يمكن أن ينتج عن الانتخابات المقبلة في إسرائيل، في ظل التوجه إلى حل الكنيست، ولا يمكن القدرة على التنبؤ بشأن إمكانية عقد تحالف قوي بعد هذه الانتخابات من أجل تشكيل الحكومة.

وبحسب الحلقة النقاشية، فإن هناك حالة من عدم الاستقرار السياسي الداخلي في إسرائيل، بيد أن ذلك لن يؤثر على سياسة تل أبيب الخارجية. وأن نتنياهو يقدم نفسه باعتباره مرشحاً أكثر قوةً في مواجهة إيران، لكن ليس هناك فارق كبير وجوهري بين الشخصيات الموجودة في المشهد السياسي. ولذا فإن من غير المتوقع أن تؤثر حالة عدم الاستقرار السياسي الحالية في إسرائيل على السياسة الخارجية الإسرائيلية، بما يعني أن هذا الوضع لن يؤثر على علاقات تل أبيب وأبو ظبي. ويتسق مع ذلك أن الحكومة الحالية يُتوقع أن تستمر حتى مارس المقبل بقيادة لابيد حتى إقامة الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة.

2– إمكانية خلق تعاون ثلاثي (إماراتي هندي إسرائيلي): يمكن لكل من الإمارات والهند وإسرائيل، وفق الحلقة النقاشية، خلق شراكة ثلاثية نموذجية وتكاملية من خلال توظيف الإمكانات والميزة النسبية لكل طرف، والتركيز على البعد الاقتصادي في العلاقات. حيث تمتلك إسرائيل التكنولوجيا المتطورة، فيما تمتلك الهند رأس المال البشري الوفير، وتتمتع الإمارات بميزة الموارد. ولا شك أن تحقيق هذا الأمر سيعزز مصالح الأطراف الثلاثة والمنطقة. وتمتلك كل من الإمارات وإسرائيل ميزة الاهتمام بالوقت والسعي إلى تحقيق الأهداف بسرعة.

وختاماً، أكدت الحلقة النقاشية أن الإمارات تمتلك قدرة كبيرة على تدشين علاقات أفضل مع إسرائيل باستخدام مواردها والتكنولوجيا المميزة التي تمتلكها. ويمكن للإمارات أن تقوم باستثمارات في مجال البنية التحتية في إسرائيل، خاصةً أن هذا المجال محط تنافس قوى كبرى كالصين.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7%d9%8b/