إسلام أباد 2026:

ما الذي تكشفه وثيقة "سياسة الأمن القومي" الباكستانية؟
إسلام أباد 2026:
2 فبراير، 2022

أطلق رئيس الوزراء الباكستاني “عمران خان” نسخة عامة من وثيقة سياسة الأمن القومي الباكستاني (2022–2026) في 14 يناير 2022؛ وذلك بعد الموافقة عل النسخة الأصلية والسرية من هذه الوثيقة من قبل مجلس الوزراء في شهر ديسمبر الماضي. وبقدر ما تضمنت الوثيقة عدداً من المبادئ والتوجهات الرئيسية للسياسة الباكستانية داخلياً وخارجياً، فإن إصدارها في الوقت الراهن يثير عدداً من التساؤلات الرئيسية حول مغزى إصدارها، وانعكاسات الوثيقة على السياسة الباكستانية، لا سيما أنها تتزامن معش عدد من المتغيرات.

وتتمثل أهم هذه المتغيرات في تزايد المشكلات التي تواجهها حكومة “عمران خان”، وتصاعد نفوذ قوى المعارضة، سواء عبر الانتخابات المحلية الأخيرة أو حتى عبر قدرتها على توظيف الأزمة الاقتصادية التي تعيشها باكستان من أجل تحريك الشارع وتأليب الرأي العام ضد الحكومة، بالإضافة إلى تنامي التهديدات الإرهابية التي أصبحت تواجهها باكستان في الشهور الماضية. وبالتزامن مع هذه المعضلات الداخلية، باتت إسلام آباد تواجه سياقاً خارجياً محتدماً بالعديد من المتغيرات في ظل الشكوك التي تحيط بالمستقبل الأفغاني بعد سيطرة طالبان على مقاليد السلطة هناك، واستمرار حالة الصراع مع الهند، ناهيك عن محاولات باكستان للحفاظ على سياسة خارجية وعلاقات متوازنة مع القوى الدولية، وخاصةً الولايات المتحدة والصين.

اتجاهات رئيسية

يكشف استقراء وثيقة سياسة الأمن القومي، التي أخرجتها الحكومة الباكستانية إلى العلن يوم 14 يناير 2022، عن عدد من الاتجاهات الرئيسية بشأن الفرص والتهديدات التي تواجهها الدولة الباكستانية، وتتمثل هذه الاتجاهات فيما يلي:

1– المقاربة الشاملة لمفهوم الأمن: يشير الإطار العام للأمن القومي الباكستاني إلى مفهوم شامل للأمن؛ فوفقاً لنص الوثيقة يتم الاعتماد على مفهوم الأمن القومي الشامل الذي يعترف بالترابط بين العناصر التقليدية وغير التقليدية للأمن القومي؛ ففيما يركز الأمن التقليدي على مجالات الدفاع وسلامة أراضي الدولة والأمن الداخلي والجوانب الدبلوماسية، يتناول الأمن غير التقليدي عدداً من الأبعاد الأوسع نطاقاً التي تؤثر على الوضع الاقتصادي للدولة ورفاهية المواطنين.

وفي هذا الإطار، تستدعي الوثيقة فكرة السياسة الخادمة لمصالح المواطنين؛ حيث إن الهدف الرئيسي للسياسات الرسمية هو تحقيق رفاهية الأفراد. وعطفاً عل ما سبق، تشير الوثيقة إلى عدد من المبادئ الهامة لتنفيذ سياسة الأمن القومي الشامل؛ وذلك على غرار النهج الحكومي الشامل Whole–of–Government Approach، المتضمن عمل جميع الأجهزة الحكومية بتنسيق وثيق لمعالجة القضايا المعقدة والمتداخلة. وكذلك الشمولية Inclusivity التي تعني –بحسب الوثيقة– ضرورة إشراك جميع شرائح المجتمع في السياسات المتعلقة بالمسائل والقضايا ذات الأهمية الوطنية؛ حيث يمكن أن يولد مثل هذا النهج ارتباطاً إيجابياً بين الدولة والمواطن، ويجعل السياسات الحكومية سريعة الاستجابة.

2الأهمية المركزية للأمن الاقتصادي: تفرد الوثيقة مساحة هامة للأمن الاقتصادي باعتباره محدداً هاماً للأمن القومي الباكستاني ورفاهية الأفراد. وفي هذا السياق، يعتمد الأمن الاقتصادي الباكستاني على مواجهة التحديات المتعلقة باختلال التوازن الخارجي، وكذلك زيادة عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والتفاوتات الاقتصادية بين المناطق المختلفة. وتتم معالجة هذه الاختلالات، بحسب الوثيقة، من خلال عدد من السياسات؛ في مقدمتها التركيز على نمو الصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر الموجه للتصدير، والإصلاحات الضريبية المستمرة، والتوسع في برامج الرعاية الاجتماعية للفئات الأكثر ضعفاً، وتعزيز الفرص الاقتصادية المتاحة للأفراد والأسر ذات الدخل المنخفض، والتوازن في توزيع المخصصات المالية على المشروعات التنموية في المناطق المختلفة، والاهتمام بتطوير النظام التعليمي بهدف تزويد الشباب بالقدرات والمهارات اللازمة والمطلوبة لسوق العمل، سواء داخل باكستان أو خارجها.

3محاولة تحجيم التهديدات الداخلية: تسعى سياسة الأمن القومي الباكستاني إلى مواجهة وتحجيم التهديدات الداخلية للأمن الباكستاني، التي يتم تحديدها في الوثيقة بأربعة مهددات رئيسية؛ هي: الإرهاب والقوميات الفرعية العنيفة والتطرف والطائفية وكذلك المخدرات والجريمة المنظمة. وتشير الوثيقة إلى عدد من الإجراءات العامة لمواجهة هذه التهديدات، على غرار تأكيد سيادة الدولة في كافة أراضيها تجنب منح مساحة لتحرك التنظيمات الإرهابية، وكذلك تنفيذ مشروعات تنموية في الأجزاء التي كانت تعاني من الأنشطة الإرهابية المكثفة في السنوات الماضية، وتعزيز القوات الشرطية والأمنية والاستخباراتية، والعمل على مواجهة السرديات المجتمعية والاقتصادية التي تستند إليها الجماعات القومية الفرعية العنيفة، وإمكانية الحوار والانفتاح على بعض الجماعات القومية التي يمكن التفاوض معها، وكذلك تبني سياسات لتعزيز الانسجام والتسامح بين أتباع الديانات والطوائف المختلفة.

4– إدارة العلاقات مع الجوار المتوتر: بالرغم من أن الوثيقة تشير إلى رغبة باكستان في تحسين العلاقات مع الهند، فإنها تربط هذا التحسن بعدد من المحددات الرئيسية؛ في مقدمتها التسوية العادلة والسلمية لقضية جامو وكشمير، والتوقف عن حملات التشويه والتضليل المعلوماتي، واستغلال القيادة الهندية حالة العداء بين الدولتين في التهديد بعمل عسكري ضد باكستان، وكذلك التوقف عن مواصلة تطوير الأسلحة، بما في ذلك الأسلحة النووية، على اعتبار أن ذلك يقوض إمكانات الاستقرار الإقليمي.

وفي سياق التعاطي مع قضايا الجوار المتوتر، استعرضت الوثيقة الرؤية الباكستانية العامة تجاه الملف الأفغاني التي ترتكن إلى التزام إسلام أباد بتسهيل ودعم السلام والاستقرار في أفغانستان بالتعاون مع المجتمع الدولي، من خلال معالجة القضايا الاقتصادية والإنسانية والأمنية. وتجدر الإشارة إلى أن الوثيقة حاولت الربط بين هذا الدور وبين المصالح الباكستانية؛ حيث تقول الوثيقة “تعتبر إمكانات أفغانستان كبوابة للتواصل الاقتصادي مع دول أسيا الوسطى محركاً رئيسياً لدعم باكستان للسلام في أفغانستان”.

5العلاقات الخارجية المتعددة: أعادت الوثيقة تأكيد مقاربة العلاقات الخارجية المتعددة لباكستان، ولعل النموذج الأبرز على ذلك العلاقات الباكستانية مع كل من الولايات المتحدة والصين؛ ففيما تؤكد الوثيقة أهمية التعاون مع الولايات المتحدة، الذي يجب أن يتجاوز البعد الأمني الخاص بمحاربة الإرهاب ليشمل جوانب التجارة والاقتصاد والطاقة وغيرها؛ لم تستثنِ روسيا أو بكين من شبكة العلاقات الخارجية الباكستانية؛ حيث أكدت استمرارية التعاون مع الدولتين في المجالات الاقتصادية والدفاعية.

6تعزيز القدرات الدفاعية: صحيح أن الوثيقة ركزت بصورة جوهرية على مدخل الدبلوماسية والانفتاح الخارجي المتوازن كأداة للحصول على المزيد من المكاسب الاقتصادية، بيد أنها أكدت أيضاً ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية الباكستانية من خلال التحديث المستمر للقوات الباكستانية، والتوسع في توطين الإنتاج الدفاعي، وتدعيم نظام الردع النووي الباكستاني، وتطوير القدرة على مواجهة التهديدات غير التقليدية، مثل التهديدات السيبرانية، والحروب المعلوماتية، والتصاعد في عسكرة الفضاء الخارجي.

السياق المحفز

يستدعي توقيت إصدار وثيقة سياسة الأمن القومي الباكستاني عدداً من الدلالات الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1– مساندة الحزب الحاكم: يكشف الاحتفاء الكبير من قبل الحكومة الباكستانية بإصدار الوثيقة عن محاولات استخدامها أداةً لمساندة الحزب الحاكم وتعزيز شرعيته؛ فرئيس الوزراء الباكستاني “عمران خان” أكد، في تعليقه على إصدار الوثيقة، أنها أول وثيقة أمن قومي لباكستان تكون شاملة، ووصفها بأنها “معلم هام في تطور السياسة الباكستانية”، كما أشار إلى أن سياسة الأمن القومي “تنبثق من رؤية حكومته التي تؤمن بأن أمن باكستان يكمن في أمن مواطنيها”.

وفي هذا السياق، ربما تستخدم الحكومة الباكستانية الوثيقة لدعم فرصها السياسية، لا سيما مع الأزمات التي بات الحزب الحاكم (حركة الإنصاف) يواجهها، والتي تجلت ملامحها في الصعود السياسي لقوى المعارضة؛ فخلال المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية في إقليم خيبر بختونخوا، التي أجريت في شهر ديسمبر 2021، تعرض الحزب الحاكم لهزيمة كبيرة لصالح قوى المعارضة بقيادة جمعية علماء الإسلام، وهي الهزيمة التي دفعت “عمران خان” إلى الإعلان عن حل الهيكل التنظيمي للحزب وإعادة تشكيله استعداداً للمرحلة الثانية من الانتخابات، التي من المزمع أن تجري في شهر مارس القادم. وعلاوةً على هذا التراجع الانتخابي، فإن قوى المعارضة لجأت خلال الشهور الماضية إلى حشد الشارع ضد الحزب الحاكم؛ إذ يحشد التحالف الديمقراطي المعارض في الوقت الراهن لمسيرة في شهر مارس المقبل تستهدف إسقاط حكومة “عمران خان”.

2– العمل على تسكين الأزمة الاقتصادية: تعبر وثيقة سياسة الأمن القومي، التي يستحوذ المحور الاقتصادي فيها على مساحة ملحوظة، عن وجود محاولة من جانب الحكومة الباكستانية لتسكين الأزمة الاقتصادية، وإرسال رسالة إلى الأفراد أن الحكومة لديها استراتيجية لتحسين الأوضاع الاقتصادية المتأزمة، التي تجلت أبرز ملامحها في تراجع سعر العملة الباكستانية (الروبية) بصورة واضحة خلال الشهور الماضية، وارتفاع مستويات التضخم. ودفعت هذه المؤشرات الحكومة إلى طلب المساعدات الخارجية من دول أخرى، على غرار السعودية التي أعلنت في شهر أكتوبر الماضي، على خلفية زيارة رئيس الوزراء الباكستاني “عمران خان” إلى السعودية، إيداع ثلاثة مليارات دولار في البنك المركزي الباكستاني، وتقديم 1.2 مليار دولار لتمويل التجارة لدعم ميزان المدفوعات لباكستان. كما أعلنت الحكومة الباكستانية، في شهر نوفمبر الماضي، عن التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لمنح باكستان مليار دولار كجزء من قرض تقدر قيمته بستة مليارات دولار.

3استمرارية الصراع مع الهند: بالرغم من تراجع احتمالات الصدام العسكري بين الهند وباكستان في الشهور الأخيرة؛ لا تزال العلاقات بين الدولتين محكومة بإطار الصراع، وجاءت وثيقة سياسة الأمن القومي الباكستانية لتؤكد استمرارية مسار الصراع بين الدولتين، خاصةً أن الوثيقة ربطت تحسن العلاقات مع الهند بعدد من القضايا المعقدة التي يصعب تسويتها، وفي مقدمتها قضية إقليم كشمير. وعلاوة على ذلك، أعادت الوثيقة تأكيد أهمية تطوير القدرات العسكرية لمواجهة التهديدات الهندية. وتستبطن الوثيقة محاولة من الحكومة الباكستانية لحشد الرأي العام اعتماداً على مقولات وجود مؤامرة خارجية تسعى إلى إذكاء التوترات والانقسامات داخل المجتمع الباكستاني.

4– الاستفادة من تصاعد التنافس الدولي: لا تنفصل وثيقة سياسة الأمن القومي الباكستاني عن طموحات إسلام أباد للاستفادة من تصاعد التنافس الدولي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا؛ وذلك عبر سياسات الانفتاح المتعدد. ويرتبط هذا الأمر بمدركات صانع القرار الباكستاني ورؤيته للموقع الجيواستراتيجي للدولة. ويلاحظ هنا أن السياسة الخارجية الباكستانية اتسمت عبر السنوات الماضية بالقدرة على التمركز بين مختلف مراكز القوة الإقليمية والدولية، وتكوين شبكة معقدة من العلاقات الخارجية بصرف النظر عما تنطوي عليه الشبكة من تناقضات؛ ففيما ترتبط باكستان بعلاقات تحالف مع الولايات المتحدة، لم تتوان إسلام أباد في إقامة علاقات مع روسيا، وتعزيز التعاون العسكري معها كورقة يمكن من خلالها المناورة في علاقاتها مع واشنطن التي استمرت خلال السنوات الماضية في توجيه الانتقادات إلى إسلام أباد على خلفية ملف الإرهاب والصراع في أفغانستان.

كما سعت إسلام أباد إلى التقارب مع بكين وتوطيد علاقاتها بها على النحو الذي يخدم مصالح باكستان، وخصوصاً مع تبني بكين مقاربة اقتصادية في علاقاتها بباكستان، وطرح مشاريع من قبيل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يربط بين مقاطعة شينجيانج الصينية وميناء جوادر الباكستاني، عبر شبكة من الطرق، وقيام الصين بإدارة ميناء جوادر ذي الأهمية الاستراتيجية لها، فضلاً عن الاستثمارات الصينية في مشاريع الطاقة والبنية التحتية والصناعية بباكستان.

5المراهنة على الملف الأفغاني: تعكس وثيقة سياسة الأمن القومي الباكستاني مراهنة إسلام أباد المتصاعدة على دورها في الملف الأفغاني، بما تمتلكه من علاقات تاريخية ممتدة مع حركة طالبان. وهذا الدور يمكن أن يعزز المكانة الإقليمية والدولية لباكستان؛ لذا قد تعمل باكستان على تشجيع الدول الأخرى على الاعتراف بحركة طالبان، والمساهمة في الحوار بين الفصائل الأفغانية لتحقيق الاستقرار الداخلي. ولا يمكن إغفال أن باكستان قد تستخدم هذه التحركات لخدمة مصالحها، وخصوصاً أن أفغانستان بوابة للتواصل الاقتصادي الباكستاني مع دول آسيا الوسطى، ناهيك عن الدور الوظيفي الذي يمكن أن تقوم به حركة طالبان في تحقيق الاستقرار داخل باكستان. ولعل هذا ما ظهر في الاتفاق المبرم، في شهر نوفمبر 2021، بين الحكومة الباكستانية وحركة “طالبان باكستان” (تحريك طالبان) لوقف إطلاق النار لمدة شهر؛ إذ أشارت تقارير عديدة إلى قيام حركة طالبان الأفغانية بدور الوساطة في هذا الاتفاق.

6مواجهة التهديدات الإرهابية: صدرت الوثيقة بالتزامن مع تزايد التهديدات الإرهابية لباكستان؛ فالهدنة التي توصلت إليها الحكومة مع حركة طالبان باكستان في شهر نوفمبر 2021 لمدة شهر لم يتم تمديدها، وأعلنت الحركة، في 9 ديسمبر 2021 إنهاء اتفاقية وقف إطلاق النار، فاستأنفت عملياتها الإرهابية ضد الأهداف الحكومية، كما أظهرت بعض الجماعات الإرهابية العرقية، على غرار الجيش الوطني البلوشي، قدرة هائلة على تنفيذ هجمات مؤثرة، مثل الهجوم الذي نفذه التنظيم يوم 20 يناير 2022 في لاهور واستهدف موظفي مصرف في منطقة التسوق القديمة في أناركالي.

وفي هذا الإطار، أشار التقرير الأمني الصادر عن المعهد الباكستاني لدراسات السلام في يناير 2022 إلى أن باكستان شهدت خلال عام 2021 207 هجمات إرهابية، بزيادة بنسبة 42% عن الهجمات التي وقعت عام 2020. وأدت هذه الهجمات إلى مقتل نحو 335 شخصاً وإصابة نحو 555 آخرين. ومن الملاحظ أن هناك العديد من المجموعات التي تورطت في تنفيذ هذه الهجمات، سواء لدوافع دينية أو عرقية أو قومية، وإن كانت التنظيمات الإرهابية ذات الدوافع الدينية، على غرار طالبان باكستان وولاية خراسان التابعة لداعش، هي المسؤولة عن العدد الأكبر من الهجمات؛ حيث نفذت 128 هجوماً إرهابياً خلال عام 2021 مقارنة بـ95 هجوماً في عام 2020. وعطفاً على هذه المعطيات، تستبطن وثيقة سياسة الأمن القومي رسالة مفادها مواصلة الحكومة الباكستانية حربها ضد التهديدات الإرهابية.

الحضور الخليجي

ربما تؤدي وثيقة سياسة الأمن القومي الباكستاني إلى تعزيز الحضور الخليجي في باكستان، وخصوصاً أن الشهور الأخيرة شهدت تحسناً ملحوظاً في العلاقات بين باكستان والدول الخليجية، وخاصةً السعودية، بعد فترة من التراجع. وعليه، يُرجَّح أن تنعكس الوثيقة على العلاقات الخليجية الباكستانية من خلال الأبعاد التالية:

1تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين: تؤكد الوثيقة أهمية الأمن الاقتصادي لباكستان، الذي يستدعي الانفتاح على العديد من الدول، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، ناهيك عن تطوير قدرات العناصر البشرية كي تصبح قادرة على المنافسة في سوق العمل داخل باكستان وخارجها. وفي سياق كهذا، يبدو أن باكستان تعول على الدول الخليجية كداعم اقتصادي مهم، وكسوق رئيسية للعمالة الباكستانية. وقد دلل على هذا زيارة الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الدكتور “نايف فلاح الحجرف” إلى إسلام أباد في شهر يناير 2022، وعقده جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الباكستاني “شاه محود قريشي”، يوم 5 يناير 2022، تضمنت استعراض مستجدات ملف مفاوضات التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون وباكستان، وأكد حينها الدكتور “الحجرف” أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري وإقامة المشاريع الاستثمارية المشتركة بين الجانبين.

2تصاعد أهمية الصين كطرف متداخل: تتصاعد أهمية الصين كطرف متداخل في العلاقات الباكستانية الخليجية؛ فخلال العقود الماضية، عملت بكين على تطوير علاقاتها مع باكستان، لا سيما مع العلاقات المتوترة بين الهند والصين، وقد شكَّل البعد الاقتصادي محوراً هاماً في التقارب الباكستاني الصيني، وهو ما بلورته عدد من المشاريع المشتركة على غرار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يربط بين مقاطعة شينجيانج الصينية وميناء جوادر الباكستاني عبر شبكة من الطرق، كما تقوم الصين بإدارة ميناء جوادر ذي الأهمية الاستراتيجية لها، فضلاً عن الاستثمارات الصينية في مشاريع الطاقة والبنية التحتية والصناعية بباكستان.

وربما تخدم هذه العلاقات الجيدة بين بكين وإسلام أباد، التي تعيد وثيقة سياسة الأمن القومي الباكستاني تأكيدها، مصالح الدول الخليجية وخصوصاً أن الآونة الأخيرة شهدت تطورات رئيسية في العلاقات الصينية الخليجية. والمثير للانتباه أن هذه التطورات بدأت تتجاوز البعد التجاري والاقتصادي التقليدي في السياسة الصينية تجاه منطقة الشرق الأوسط؛ إذ كشفت العديد من التقارير عن دور صيني محتمل في تطوير الصناعات العسكرية الخليجية؛ ففي شهر ديسمبر 2021، عل سبيل المثال، أشارت تقارير إلى أن السعودية تطور منظومات تسليح متطورة بمساعدة الصين.

3المساهمة في تطوير الصناعات العسكرية: تضمنت وثيقة سياسة الأمن القومي تأكيد الاستراتيجية الباكستانية في تطوير القدرات الدفاعية التقليدية وغير التقليدية والتوسع في توطين الإنتاج الدفاعي الباكستاني. وعليه، يمكن أن يكون لهذه التوجهات الباكستانية انعكاس إيجابي على العلاقات الباكستانية الخليجية؛ وذلك في ضوء خطط التصنيع العسكري الوطني التي تبنتها دول خليجية، وبالأخص السعودية والإمارات، خلال السنوات الماضية. ومن ثم، يمكن أن تدخل الدول الخليجية وباكستان في مشروعات مشتركة للتصنيع العسكري. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تضطلع باكستان بدور ما في تطوير البرنامج النووي السعودي، وخصوصاً بعد تصريحات وزير الطاقة السعودي الأمير “عبد العزيز بن سلمان”، خلال مشاركته في مؤتمر التعدين العالمي الذي انعقد في الرياض في يناير 2022، بأن السعودية لديها كميات كبيرة من اليورانيوم التي سوف تستغلها تجارياً، وتأكيده أن السعودية تتطلع إلى تطوير برنامجها النووي، وأنها ستستعين بشركاء لاستغلال اليورانيوم وتطويره بأعلى معايير الشفافية.

4مدخل للانخراط الخليجي في أفغانستان: بقدر ما تكشف وثيقة سياسة الأمن القومي عن مواصلة الالتزام الباكستاني تجاه الملف الأفغاني، فإنها تعيد تأكيد المكانة المركزية لإسلام أباد في التفاعلات الأفغانية، وهو ما قد توظفه الدول الخليجية لتعزيز انخراطها في الملف الأفغاني، وربما أيضاً تنظر الدول الخليجية إلى علاقاتها بباكستان كأداة مهمة يمكن عبرها موازنة أي دور محتمل لإيران في أفغانستان، لا سيما أن هناك مؤشرات حول رغبة طهران في تطوير علاقات إيجابية مع حركة طالبان.

خلاصة القول: يبدو أن الحكومة الباكستانية تراهن على وثيقة سياسة الأمن القومي لتحقيق عدد من الأهداف؛ في مقدمتها إعادة صياغة صورة الحزب الحاكم، واستعادة فرصه السياسية التي تضررت كثيراً نتيجة الوضع الاقتصادي المتراجع، وكذلك التهديدات الأمنية المتواصلة. وربما تستخدم إسلام أباد أيضاً الوثيقة لإعادة تأكيد توجهاتها الخارجية، والتكريس لدورها في التفاعلات الإقليمية بحثاً عن تحالفات ممتدة يمكن أن تخدم المصالح الاقتصادية والسياسية الباكستانية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a3%d8%a8%d8%a7%d8%af-2026/