إصلاح جزئي:

هل يوقف تقنين حيازة السلاح العنف في الولايات المتحدة؟
إصلاح جزئي:
28 يونيو، 2022

كشفت حوادث إطلاق النار الجماعي، التي تزايدت وتيرتها كثيراً خلال السنوات الأخيرة، عن أوجه قصور في تقنين حيازة السلاح، خاصةً مع تزايد العنف بشكل ملحوظ، وبما مثَّل عاملاً من عوامل الضغط على الإدارة الأمريكية الحالية، وفي ضوء هذا وقَّع الرئيس الأمريكي جو بايدن، في 25 يونيو 2022 – في خطوة وصفها بإنجاز هائل – قانوناً لتنظيم حيازة السلاح في البلاد، في أول إصلاح اتحادي من نوعه منذ ثلاثة عقود بعد تعدد حالات إطلاق النار الجماعي. وينص القانون، الذي وافق عليه مشرعون ديمقراطيون وجمهوريون، على التحقق من السجلَّين الجنائي والنفسي لكل من يرغب في شراء سلاح ناري ممن تراوح عمره بين 18 و21 عاماً، بجانب صرف أموال فيدرالية للولايات التي تسن قوانين تسمح للمحاكم بسحب الأسلحة موقتاً من أفراد تعتبرهم تهديداً على الآخرين، وتخصيص مزيد من الأموال لبرامج الصحة النفسية وتأمين المدارس.

عنف محلي

يرجع توقيع الرئيس الأمريكي على قانون تقييد حيازة السلاح المدعوم من الحزبين إلى جملة من الأسباب يمكن إجمالها في النقاط الآتية:

1– تعدد حوادث إطلاق النار الجماعي: شهدت الولايات المتحدة عدداً من حوادث إطلاق النيران الجماعي التي شغلت الرأي العام الأمريكي؛ ففي شهر مايو الماضي، وقع حادثا إطلاق نار بمركز تسوق في بافالو بنيويورك، وفي مدرسة “روب” الابتدائية في أوفالدي بولاية تكساس؛ ما تسبب في مقتل 31 شخصاً. ويعتقد أن المسلح الذي أطلق النار في تكساس قد اشترى السلاحين بعد يومين من بلوغه 18 عاماً، كما قُتل صبي يبلغ من العمر 15 عاماً، وأصيب ثلاثة أشخاص بينهم شرطي بالرصاص بعد حفل موسيقي في حادثة أخرى.

وعلى إثر تلك الحوادث مجتمعة، دعا الرئيس بايدن أعضاء الكونجرس إلى الإسراع في التصويت على مشروع قانون مشترك من الحزبين الديمقراطي والجمهوري وإرساله إلى البيت الأبيض، كما قالت رئيسة مجلس النواب “نانسي بيلوسي” إن “التشريع يتضمن عدة خطوات قوية لإنقاذ الأرواح؛ ليس فقط من الجرائم المروعة المتمثلة في إطلاق النار، بل من المجازر اليومية لجرائم حمل السلاح والانتحار والحوادث المأساوية أيضاً”. جدير بالذكر أن أكثر من نصف عمليات إطلاق النار في الولايات المتحدة خلال العقود الأربعة الأخيرة أظهر الجناة فيها أن لديهم مشاكل في الصحة العقلية.

2– اتساع مدى ظاهرة العنف المسلح: يكفل الدستور الأمريكي للمواطنين حمل وحيازة السلاح للدفاع عن النفس. وعليه فإن ثمة ما لا يقل عن 393 مليون قطعة سلاح ناري في الولايات المتحدة التي تتصدر معدلات الوفيات العالمية من جراء العنف المسلح الذي يسقط بسببه أكثر من 20 ألف شخص في البلاد سنوياً. وتشمل تلك الإحصائيات حوادث القتل والانتحار بحسب منظمة أرشيف العنف المسلح، كما تعالت الأصوات المحذرة من تزايد جرائم العنف في ست مدن أمريكية كبرى، هي: بالتيمور، ولوس أنجلوس، وفيلادلفيا، وواشنطن، وأتلانتا، ونيويورك لتتجاوز المستويات التاريخية لجرائم العنف في العام الماضي، كما شهدت مدينة نيويورك قفزة بنسبة 25.8% في جرائم العنف في منتصف العام الجاري مقارنة بالفترة المناظرة من العام الماضي، كما ارتفعت جرائم العنف في واشنطن بنسبة 12% في العام الجاري بالمقارنة بالعام الماضي.

3– ارتدادات سلبية على الإدارة الأمريكية: لا يعد ارتفاع حوادث إطلاق النار الجماعي ظاهرة اجتماعية بطبيعة الحال؛ إذ يمكن النظر إليها باعتبارها أحد التحديات السياسية أمام الإدارة الأمريكية. وما يدلل على ذلك تشجيع “بايدن” للولايات على استخدام أموال خطة الإنقاذ الأمريكية لتعزيز أقسام الشرطة قبل بدء موجة الجرائم الصيفية. وفي هذا الإطار، قال الرئيس الأمريكي في مايو 2022 لحكام الولايات المتحدة: “استخدموا هذه الأموال التي وفرناها لكم لإعطاء الأولوية للسلامة العامة.. افعلوا ذلك بسرعة، قبل الصيف، عندما ترتفع معدلات الجريمة عادةً. اتخاذ الإجراءات اليوم سينقذ الأرواح غداً. لذا، استخدموا المال. وظفوا ضباط الشرطة. ابنوا أنظمة الاستجابة للطوارئ”.

4– تصاعد ضغوط الرأي العام الأمريكي: تشير استطلاعات الرأي إلى تأييد الغالبية العظمى من الأمريكيين تقييد حرية حيازة السلاح، لا سيما في الولايات ذات الأغلبية الجمهورية. وعادةً ما يقف نواب الولايات الجمهورية بالكونجرس في وجه الإصلاحات التشريعية الداعية إلى تقييد حيازة السلاح في الولايات المتحدة، بيد أنه مع تزايد حوادث القتل الجماعي، اجتاحت التظاهرات الشوارع الأمريكية؛ ما فرض ضغوطاً شعبية على صانع القرار. كما حظي مشروع القانون بدعم من المنظمات المحسوبة على التيار المحافظ، مثل “جمعية ضباط الشرطة الوطنية” و”الجمعية الدولية لقادة الشرطة”.

5– تباين وجهات النظر القانونية: قضت المحكمة العليا الأمريكية، في 23 يونيو 2022، بتوسيع حقوق حيازة وحمل الأسلحة، لتلغي قانوناً يقيد حق حمل السلاح في ولاية نيويورك بعد أن وجدت المحكمة أن القانون الذي يطالب السكان بإثبات “سبب مناسب” لحمل أسلحة نارية في الأماكن العامة، ينتهك دستور الولايات المتحدة، وهو أمر قوبل برفض من جانب بعض القضاة أنفسهم؛ إذ اعترض القضاة الثلاثة الليبراليون في المحكمة العليا على القرار، وخالفوا رأي الغالبية. ومن جانب آخر، قال الرئيس بايدن إنه يشعر “بخيبة أمل” إزاء ذلك القرار.

خطوة أولى

يكشف توقيع “بايدن” على قانون لتقييد حيازة الأسلحة عن جملة من الدلالات يمكن إجمالها فيما يأتي:

1– توافق حزبي واسع على تقييد حيازة الأسلحة: أقر مجلس الشيوخ الأمريكي أول مشروع قانون لتقييد حيازة الأسلحة في الولايات المتحدة منذ 30 عاماً بعد سلسلة من حوادث إطلاق نار دامية شهدتها البلاد؛ فقد صوت لصالح المشروع جميع الأعضاء الديمقراطيين – وعددهم 50 عضواً – بمن فيهم “جو مانشين” و”كريستن سينما”، وانضم إليهم أعضاء من الحزب الجمهوري، على رأسهم زعيم الأقلية الجمهورية في المجلس “ميتش ماكونيل”؛ فقد حظي مشروع القانون – بوجه عام – بدعم الحزبين الديمقراطي والجمهوري فيما يعد أول إصلاح لقانون حيازة السلاح على نحو يلقي بظلاله على مدى الدعم الحزبي له، لا سيما أن الحزب الجمهوري قد دأب تاريخياً على تعطيل المشروعات ذات الصلة.

2– خطوة إصلاحية لتحجيم العنف المحلي: يأتي توقيع الرئيس على القانون في إطار خطوة إصلاحية هي الأقوى منذ نحو ثلاثين عاماً. وعلى الرغم من إقرار “بايدن” بأن مدى هذه الإصلاحات لم ترْقَ إلى ما كان يتطلع إليه، فإنه أشار إلى دورها في حماية كثير من الأرواح الأمريكية، كما أعلن عن تنظيم حدث في شهر يوليو المقبل لضحايا العنف الناجم عن حيازة السلاح احتفالاً بالتوقيع على مشروع القانون. وقال الرئيس الأمريكي: “رسالتهم إلينا كانت: اچفعلوا شيئاً … وها نحن اليوم نفعل”. وفي إشارة إلى أن الأسلحة أصبحت هي القاتل الرئيسي للأطفال في الولايات المتحدة، قالت رئيسة مجلس النواب “نانسي بيلوسي” إنه يتعين على الكونجرس الآن أن يذهب إلى أبعد من ذلك، وأن يسن المزيد من التغييرات بشأن التحريات المتعلقة ببيع الأسلحة والقيود المفروضة على حيازة أسلحة ذات قدرات فتاكة.

3– هزيمة نادرة لمصنعي الأسلحة الأمريكيين: يمثل إقرار القانون هزيمة للجمعية الوطنية للبنادق، لا سيما مع صدور آخر تشريع فيدرالي مهم لمراقبة الأسلحة في عام 1994، ليحظر تصنيع البنادق الهجومية ومشابك الذخيرة ذات السعة الكبيرة للاستخدام المدني، بيد أنه انتهى بعد عقد من الزمن. وقد سبق أن أعاق الجمهوريون الجهود السابقة التي قادها الديمقراطيون لتعزيز قوانين مراقبة الأسلحة الأمريكية.

ومنذ ما يقرب من عقد من الزمان، فشلت محاولات تشديد قوانين السيطرة على الأسلحة في البلاد بعد حادثة إطلاق النار على مدرسة “ساندي هوك” في ولاية كونيتيكت (التي قُتل فيها 20 طفلاً و6 بالغين) في الحصول على عدد كافٍ من الأصوات في الكونجرس. ومن الجدير بالذكر أن الجمهوريين رفضوا محاولة الاتفاق على إجراءات أكثر شمولاً، مثل حظر البنادق الهجومية أو مخازن الذخيرة العالية السعة، وهو ما كان يفضله الديمقراطيون بمن فيهم الرئيس “بايدن”.

ختاماً، على الرغم من أهمية القانون الأمريكي، فإنه لا يشمل كثيراً مما دعا إليه الديمقراطيون والنشطاء عقب عدد من عمليات إطلاق النار الجماعي. ولكن وسط انقسامات سياسية عميقة بشأن كيفية معالجة العنف المسلح، سيُسجل لإدارة “بايدن” إقرار قانون لتقييد حيازة السلاح في البلاد على الرغم من محدوديته الجزئية، وإن تطلب بالتوازي له جهوداً مجتمعية وسياسية لمجابهة العنف والقتل الجماعي؛ فقد يستخدم السلاح من قِبل أشخاص عقلاء وأصحاء لتحقيق أهدافهم الشخصية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a5%d8%b5%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%ac%d8%b2%d8%a6%d9%8a/