إعادة التوطين:

لماذا تُقلِّل شركات التكنولوجيا الأمريكية اعتمادها على الصين؟
إعادة التوطين:
13 سبتمبر، 2022

تخطط بعض الشركات التكنولوجية الأمريكية الرائدة لتقليل اعتمادها على الصين، وهو ما يتضح – على سبيل المثال – في شركة “أبل” التي أنتجت بالفعل أجزاءً صغيرة من جهاز “أيفون 14” في الهند (ثاني أكبر سوق للهواتف الذكية في العالم)، ونقلت إنتاج أجهزة “أيباد” إلى شمال فيتنام، كما شحنت شركة “مايكروسوفت” أجهزة ألعاب “إكسبوكس” هذا العام من مدينة (Ho Chi Minh) الفيتنامية، كما تُصنِّع “أمازون” أجهزة “فاير تي في” في مدينة تشيناي بالهند، وتسعى شركة “جوجل” إلى إنتاج جزء من هاتف “بيكسل” في فيتنام. وتتصدَّر شركة “ديل” هذا الاتجاه بعد أن بدأت تنقل بالفعل معظم مصانعها خارج الصين منذ أكثر من أربع سنوات، لتحذو جميع شركات التكنولوجيا الكبرى الأخرى تقريباً حذوها.

معضلة بكين

تعدَّدت العوامل التي دفعت الشركات التكنولوجية الأمريكية إلى البحث عن بدائل محتملة للصين، وهي العوامل التي يمكن الوقوف عليها في النقاط التالية:

1- السياسات الصينية الصارمة ضد “كوفيد–19”: تسببت الجائحة في توترات جيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد عالمياً، وبجانب ذلك تسببت السياسات الصينية في مواجهة الجائحة، بما تشمله من عمليات الإغلاق والحجر الصحي والاختبارات الجماعية، إلى إغلاق عدد من المصانع الصينية في أوائل عام 2020، وهو ما أثَّر بالسلب على خطط مبيعات عدد من الشركات الأمريكية الرائدة، بما في ذلك شركة “أبل” التي اضطرت إلى خفض توقعات مبيعاتها الفصلية؛ لأنها لم تتمكن من صنع أجهزة “أيفون”. ومنذ ذلك الحين، بدأ فريق عمليات الشركة يبحث عن مواقع تصنيع بديلة للتحوُّط من عمليات الإغلاق الصينية المستقبلية.

2- تجنُّب النزاعات التجارية بين واشنطن وبكين: تتزايد مخاطر الشركات التكنولوجية الأمريكية في الصين من جراء الحرب التجارية المشتعلة بين الولايات المتحدة والصين، لا سيما في ظل التعريفات الجمركية المتبادلة التي تسببت في ارتفاع تكاليف التصنيع في بكين؛ ما دفع الشركات الأمريكية – وعلى رأسها شركة “جوجل” – إلى البحث عن بدائل محتملة؛ حيث تُخطِّط لنقل التصنيع من منشآت (Foxconn) في جنوب الصين إلى فيتنام، وستبدأ في تجميع أحدث طراز لها من هواتف “بيكسل”. وتتوقَّع الشركة أن تُنتِج فيتنام ما يصل إلى نصف هواتفها المُتطوِّرة في العام المقبل.

3- توتُّر العلاقات السياسية الأمريكية–الصينية: بدأت الشركات التكنولوجية الأمريكية تبحث عن بدائل محتملة للصين منذ عام 2020، وقد ازداد هذا التوجه في الفترة الأخيرة، لا سيما عقب زيارة رئيسة مجلس النواب “نانسي بيلوسي” إلى تايوان الشهر الماضي؛ إذ تتزايد المخاوف من التعويل على سلاسل الإمداد الصينية في خضم صراع الصين المتصاعد مع الولايات المتحدة بشأن تايوان. وعليه، يمكن أن يساعد الإنتاج الهندي والفيتنامي في مواجهة الاضطرابات المحتملة في المصانع الصينية التي ستنصرف عن الشركات الأمريكية بالضرورة، والتي قد تجد نفسها في خضم صراع مشتعل بين الصين وتايوان؛ إذ يجدر القول إن شركة “أبل” كانت حريصة على عدم استعداء الحزب الشيوعي الحاكم في الصين؛ لأن الغالبية العظمى من منتجاتها لا تزال تُصنَّع هناك؛ ولذا ذكَّرت مورديها التايوانيين بملصق المكونات الموجهة إلى الصين ليُكتَب عليه: مصنوع في “تايبيه الصينية” أو “تايوان، الصين”.

4- تحجيم القوانين الأمريكية الاستثمارَ في الصين: أقرت إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” قانوناً جديداً يمنع الشركات التي تقبل تمويلاً أمريكياً من إنشاء مرافق تصنيع متقدمة في الصين لمدة 10 سنوات، وهو القانون الذي يأتي استجابةً لنقص أشباه الموصلات الذي أثر بالسلب في سلاسل التوريد العالمية أثناء الجائحة من ناحية، ولمواجهة تهديد الأمن القومي المتصور الذي يمثله الافتقار إلى تصنيع أشباه الموصلات المحلية من ناحية ثانية. إذ تستهلك الولايات المتحدة 30% من أشباه الموصلات، لكنها تصنع 13% فقط منها، ولا شك في تزايد أهميتها بالنظر إلى استخدامها في السلع الاستهلاكية وأنظمة الأسلحة وغير ذلك من التقنيات ذات الأهمية؛ إذ تأتي نسبة كبيرة من الرقائق التي تستوردها الولايات المتحدة من تايوان التي تتعرض لتهديد خطير متزايد من الصين، لا سيما مع التدريبات العسكرية الصينية حولها.

تقييم الجدوى

لا يمكن المقارنة بين الصين – التي لطالما اتجهت إليها أكبر مصانع الإلكترونيات العالية التقنية في العالم، ولديها جحافل من العمال ذوي المهارات العالية، والقدرة الإنتاجية – وبين بدائل أخرى. ومع ذلك، يمكن الدفع بتزايد فرص نجاح مساعي الشركات التكنولوجية الأمريكية في البحث عن بدائل محتملة؛ وذلك بالنظر إلى النقاط التالية:

1- تعاون متزايد من الدول البديلة للصين: لقد تزايدت أهمية الهند والمكسيك وفيتنام لدى الشركات التكنولوجية الأمريكية. وقد استخدمت الحكومة الهندية، على سبيل المثال، وسائل ضغط متعددة على شركاتها المحلية لدعم التصنيع، وأعادت النظر في قواعد الاستثمار التي تتطلب مكونات محلية بنسبة 30%، وفي رسوم الاستيراد المرتفعة التي تزيد تكلفة المنتجات بالمقارنة بينها وبين المنتجات المنافسة المُصنَّعة في الهند، كما تسعى الحكومة الهندية إلى مواجهة تحديات العمال ممن سبق أن اشتكوا في أواخر عام 2020 من عدم دفع الأجور وساعات العمل الزائدة وظروف العمل الصعبة.

2- انخفاض أجور العمالة في الدول البديلة: تزايد الطلب على العمال ذوي الأجور المنخفضة في الهند وفيتنام. ومؤخراً، وقَّعت شركة (Foxconn) التايوانية صفقة بقيمة 300 مليون دولار للتوسع في شمال فيتنام بمصنع جديد سيوفر 30 ألف وظيفة، كما استثمرت الشركة بالفعل في مقاطعتَي باك جيانج وباك نينه في شمال شرق فيتنام التي يتوجَّه إليها مئات العمال بحثاً عن وظائف جديدة. وعليه، تتطلَّع الشركة إلى توظيف 5000 عامل بشكل عاجل بأجر يصل إلى 300 دولار شهرياً، وهو أقل من نصف الأجر الشهري الذي تقدمه الشركة لتعيينات جديدة في خطوط التجميع الخاصة بها في شنتشن بجنوب شرق الصين؛ إذ يُعَد التفاوت في الأجور سبباً آخر وراء بحث الشركات الأمريكية عن خيارات تصنيع جديدة، لا سيما مع تضاعف الدخل السنوي لعمال التصنيع الصينيين ثلاثة أمثال، إلى أكثر من 9300 دولار.

3- تفادي اضطراب سلاسل الإمداد الصينية: لا شك في طول أمد وصعوبة انتقال الشركات التكنولوجية الأمريكية من الصين إلى دول أخرى كليةً؛ وذلك في ظل حاجتها الدائمة إلى القرب من الموردين الرئيسيين في الصين، وتحديداً موردي الأسلاك والأزرار والآلات الضرورية لتجميع الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، على نحو يقلل تكاليف الشحن ويسهل إصلاح الأجزاء المعيبة. بيد أن التكاليف المتكبدة تقل بكثير عن مثيلتها التي قد تنجم عن غزو الصين لتايوان أو اضطراب سلاسل الإمداد التي تعتمد اعتماداً كبيراً على دولة واحدة، في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية والمحتملة، واستمرار تبعات جائحة “كوفيد-19” التي كشفت عن هشاشة سلاسل التوريد العالمية، والمخاطر العالية المرتبطة بتركُّز القدرة التصنيعية في دولة واحدة فحسب.

4- المشاركة في تحمل تكلفة بناء مرافق جديدة: على الرغم من التكلفة العالية لبناء مرافق جديدة لتصنيع الرقائق والأجهزة الإلكترونية، تتجه الشركات الأمريكية إلى أن تُشارِك بجزء من الأعباء المادية مع الشركاء المحليين والحكومات المحلية، في ضوء نموذج البناء والتشغيل والتوطين الذي يتأسس على إمكانية إشراك السلطات والشركات المحلية في جزء من الفاتورة المتكبدة نظير الاستثمارات الأجنبية وتوفير فرص العمل. وعلى صعيد آخر، تنظر الشركات الأمريكية في التهديدات الصينية المحتملة التي باتت تستهدف مستقبلها التكنولوجي، وتتحسَّب من بعض السيناريوهات التي ينبغي الاستعداد المسبق لها على الرغم من تزايد التكلفة المادية لهذا الاستعداد.

ختاماً، لا تزال الصين هي الدولة المهيمنة على صناعة الإلكترونيات، وإن دفعت بعض التحليلات باهتزاز إمبراطوريتها التصنيعية مع تعدد رؤوس الأموال التي انسحبت منها بالفعل على مدار العامين الماضيين، فضلاً عن رؤوس الأموال التي ستنسحب منها في المستقبل القريب لتظل الهند وفيتنام وماليزيا والمكسيك من أكثر الدول المستفيدة من توتر العلاقات الأمريكية–الصينية، في ظل رغبة تلك الدول في تحفيز الصناعة الوطنية وتوفير المزيد من فرص العمل.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%b7%d9%8a%d9%86/