إقليم مضطرب:

خريطة التهديدات في جنوب شرق آسيا (حلقة نقاشية)
إقليم مضطرب:
12 أكتوبر، 2021

عقد “إنترريجونال” للتحليلات الاستراتيجية حلقة نقاشية بعنوان “إقليم مضطرب: خريطة التهديدات في جنوب شرق آسيا”، استضاف خلالها د. روزالي أركالا هول، أستاذة العلوم السياسية بجامعة الفلبين فيساياس- إيلويو الفلبين، ورئيس الجمعية الفلبينية للعلوم السياسية.

تقلص الحضور الأمريكي

رأت الحلقة النقاشية أن الحضور الأمريكي في جنوب شرق آسيا تقلص بدرجة كبيرة، ومؤشرات ذلك ما يلي:

1- انحسار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة: لا تمتلك واشنطن تواجداً عسكرياً داخل جنوب شرق آسيا بعد إغلاق قواعدها العسكرية في الفلبين من جانب الرئيس رودريغو دوتيرتي في عام 2020، حيث تتواجد القوات الأمريكية على أطراف الإقليم في جوام وإيكوناوا وكوريا الجنوبية، وهو ما يترك فراغاً لحركة الصين العسكرية في الإقليم.

2- نظرة واشنطن للمنطقة كإقليم فرعي هامشي: تحولت منطقة جنوب شرق آسيا لإقليم فرعي هامشي وفقاً لرؤية الولايات المتحدة لمنظومة الأمن في منطقة الإندوباسيفيك، بحيث أصبح التحالف الرباعي بين الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والهند في مواجهة الصين، والمسمى “كواد”، يقع ضمن التهديدات الرئيسية للأمن الإقليمي.

3- غياب الثقة في التزامات واشنطن تجاه المنطقة: لا تثق دول جنوب شرق آسيا في الالتزامات الدفاعية الأمريكية حيال المنطقة. فعلى سبيل المثال، على الرغم من وجود معاهدة دفاع مشترك بين الولايات المتحدة والفلبين، إلا أن المسؤولين الفلبينيين لا يتوقعون دعماً أمريكياً في مواجهة أي عدوان صيني محتمل.

نفوذ صيني متصاعد

أكدت الحلقة النقاشية على أن النفوذ الصيني يتصاعد في جنوب شرق آسيا رغم مقاومة بعض دول المنطقة لهذا الأمر، وملامح ذلك ما يلي:

1- صعود نظام إقليمي متمركز حول الصين: يتحول النظام الإقليمي في جنوب شرق آسيا من نظام متمركز حول الولايات المتحدة US Centric إلى نظام متمركز حول الصين China Centric بسبب التوسعات الصينية في الإقليم، وانسحاب الولايات المتحدة اقتصادياً وعسكرياً من قلب المنطقة إلى الأطراف.

2- تنامي حضور بكين الاقتصادي في الإقليم: ساهمت مشروعات “الحزام والطريق”، والبنك الآسيوي لاستثمارات البنية التحتية الذي أنشأته الصين في عام 2014 برأس مال 50 مليار دولار أمريكي، في زيادة حضور بكين الاقتصادي في الإقليم، وتعزيز مكانة الصين كفاعل مهيمن فيه.

3- تحدي الفلبين للصين عبر القضاء الدولي: لا توجد دولة في منطقة جنوب شرق آسيا قامت بتحدي الهيمنة الصينية باستثناء الفلبين، التي قامت برفع قضية ضد بكين في المحكمة الدائمة للتحكيم الدولي بشأن الانتشار الصيني في بحر الصين الجنوبي والذي تطلق عليه الفلبين بحر غرب الفلبين.

مخاطر بحرية متنامية

شددت الحلقة النقاشية على تنامي المخاطر البحرية في جنوب شرق آسيا، ويرتبط بذلك ما يلي:

1- خلافات قائمة بشأن ترسيم الحدود البحرية: تعد الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية بين دول الإقليم من أبرز تهديدات الأمن الإقليمي، خاصةً بحر الصين الجنوبي والجزر الواقعة بين الدول، وقد تمكنت بعض دول المنطقة من حسم خلافاتها بشأن ترسيم الحدود البحرية، على غرار إندونيسيا والفلبين بعد توصلهما لاتفاق لترسيم الحدود البحرية في وقت سابق.

2- ارتباط كبير بين عمليات القرصنة والإرهاب: تقوم الجماعات الإرهابية في الفلبين وإندونيسيا بعمليات قرصنة لجمع الأموال التي تحتاجها لتمويل أنشطتها، حيث تقوم تلك الجماعات باعتراض حركة السفن في المياه الإقليمية لماليزيا، كما تقوم بعمليات اختطاف في المنتجعات السياحية في إندونيسيا.

3- تعاون إقليمي للتصدي لتهديدات القرصنة: تقوم دول الإقليم بعمليات تنسيق مشتركة من أجل تعزيز القدرة على مراقبة ورصد تهديدات القرصنة وتأمين الجزر، وتنتشر مواقع المراقبة على طول السواحل، وذلك بالتوازي مع تبادل المعلومات الاستخباراتية بين دول المنطقة.

4- توسيع بكين لنفوذها في بحر الصين الجنوبي: تتبع الصين استراتيجية توسعية في بحر الصين الجنوبي تقوم على بناء الجزر الصناعية وإنشاء قواعد بحرية. وتقوم بكين كذلك بنشر فرق من حرس الحدود وسفن الصيد ومجموعات شبه عسكرية هدفها السيطرة على بحر الصين الجنوبي ومنع سفن الصيد التي تنتمي للفلبين وإندونيسيا من الوصول للمنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بهم.

5- اكتشاف متأخر لأهمية أمن الجزر والسواحل: لم تنتبه دول جنوب شرق آسيا إلى أهمية الجزر والسواحل إلا في وقت قريب، وذلك بعدما بدأت بكين مساعيها للهيمنة على بحر الصين الجنوبي ورسم خطوط افتراضية للمناطق الخاضعة لسيطرتها. ويرجع تأخر دول المنطقة في الاهتمام بهذا الملف لانشغالها بمواجهة تهديدات داخلية مثل الإرهاب.

6- دور أمريكي في تعزيز قدرات الفلبين البحرية: ساهمت الولايات المتحدة في تعزيز قدرات الجيش الفلبيني للقيام بمهام الدفاع البحري الخارجي، وذلك عبر نشر منصات المراقبة الساحلية والإنذار المبكر، وتحديث الأسطول البحري، والاستثمار في الوعي البحري، وإعادة تأهيل حرس السواحل لمواجهة تهديدات القرصنة وسفن الصيد الصينية. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الدعم الأمريكي للقدرات البحرية الفلبينية في بدايته ولم يتطور بعد للمستوى المأمول.

تهديدات مناطقية وجغرافية

نوهت الحلقة النقاشية إلى أن هناك تهديدات لها طبيعة مناطقية وجغرافية تواجه دول جنوب شرق آسيا، ويتضح ذلك من خلال ما يلي:

1- إشكاليات ضعف الحكم في المناطق الطرفية: تعاني الفلبين من ضعف حضور السلطة المركزية في المناطق الطرفية والجزر البعيدة عن المركز، وهو ما يؤدي لانتشار عصابات التهريب والجماعات الإرهابية.

2- انتشار التهديدات غير التقليدية العابرة للحدود: تواجه دول الإقليم تهديدات غير تقليدية عابرة للحدود، مثل: استنزاف الثروة السمكية، والصيد الجائر غير المنظم، وتدهور النظام البيئي البحري، والتلوث والكوارث الطبيعية مثل حرائق الغابات.

3- سيولة وانكشاف الحدود بين دول المنطقة: تتسم الحدود بين دول جنوب شرق آسيا بأنها هشة وسائلة بدرجة كبيرة، وهو الأمر الذي يسهل من انتقال العناصر الإرهابية وعصابات التهريب والقرصنة عبر الحدود، والتمركز في المناطق الطرفية البعيدة عن المركز. ويدلل على ذلك تصاعد مخاطر مثلث “سابا – مينداوناو – كاليمانتان” الواقع بين الفلبين وإندونيسيا وماليزيا.

تزايد خطر الإرهاب

تطرقت الحلقة النقاشية إلى تزايد الخطر الإرهابي في جنوب شرق آسيا بالتطبيق بصورة أساسية على حالة الفلبين، ويرتبط بذلك ما يلي:

1- نشاط متزامن لثلاث جماعات إرهابية في الفلبين: ثمة نشاط لافت لثلاث جماعات إرهابية في الفلبين، وهي جماعة أبو سياف التابعة لتنظيم داعش، وجماعة موتي المرتبطة بداعش أيضاً، وكذلك جماعة مناضلي بانغسامورو الإسلاميين في سبيل الحرية، والتي تضم مقاتلين من إندونيسيا يقومون بتدريب الكوادر في الفلبين على المتفجرات البدائية والعمليات الانتحارية.

2- قدرة الجماعات الإرهابية على استقطاب الشباب المتعلم: كشفت دراسات استطلاعية أُجريت مؤخراً أن الجماعات الإرهابية في جنوب شرق آسيا لديها القدرة على استقطاب الشباب المتعلم من الطبقات الوسطى والعليا من المتخصصين في مجالات مثل الهندسة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

ختاماً، خلُص المشاركون في الحلقة النقاشية إلى أن دول جنوب شرق آسيا تواجه العديد من التهديدات المتزامنة على المستوى الوطني والإقليمي، بالإضافة لانعكاسات التوترات بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي والتهديدات العابرة للحدود مثل القرصنة والإرهاب. وأكدت الحلقة النقاشية كذلك على أن دول جنوب شرق آسيا أصبحت تهتم بتهديدات الأمن غير التقليدي، مثل: الأمن البحري، والأمن البيئي للسواحل وحرائق الغابات.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a5%d9%82%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%85%d8%b6%d8%b7%d8%b1%d8%a8/