إيران نموذجاً:

كيف تتعامل الصين مع قضايا الشرق الأوسط؟ (حلقة نقاشية)
إيران نموذجاً:
15 نوفمبر، 2022

نظَّم مركز إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية حلقة نقاشية بعنوان “إيران نموذجاً: كيف تتعامل الصين مع قضايا الشرق الأوسط؟”، استضاف خلالها، كمتحدث رئيسي، د. جاكوبو سيتا زميل السياسة بمركز بورصة آند بازار في المملكة المتحدة الحاصل على دكتوراه العلوم السياسية من جامعة دورهام. وسلَّط المشاركون، خلال الجلسة، الضوء على سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط مع التركيز على العلاقات الصينية–الإيرانية؛ حيث أكدوا أن العلاقات الصينية-الإيرانية تنفرد عن باقي العلاقات بين الصين ودول الشرق الأوسط مع تحديد بعض العوامل الرئيسية التي تُشكِّل التعاون الثنائي بين الطرفين، والتحديات التي تقف أمام تطوير آفاق التعاون بينهما.

روابط قوية:

احتفلت الصين وإيران العام الماضي بمرور خمسين عاماً من العلاقات الدبلوماسية بينهما، لكن آفاق التعاون بين الدولتين لم تقتصر على المجال الدبلوماسي؛ حيث جمعتهما روابط تعاون طويل، سواء قبل الثورة الإيرانية أو بعدها، كما أن الدولتين لم تنخرطا في أي صراعات أو مواجهات مباشرة على مر تلك السنوات، وتتمثل أبرز تلك الروابط فيما يلي:

1– رؤية الصين لإيران كموازن ناعم (Soft Balancer): أكد المشاركون أن الصين اعتبرت إيران، تحت حكم الشاه، موازناً للقوة الناعمة في مواجهة الاتحاد السوفييتي وخططه التوسعية، وعليه أدركت الصين أهمية بناء علاقة جيدة بإيران، وأن ذلك سيكون له مردود إيجابي للحد من التوسع السوفييتي في ذلك الوقت.

2– استمرار العلاقات القوية بعد الثورة الإيرانية: أشار المشاركون إلى أن العلاقات الإيرانية–الصينية لم تتأثر بعد الثورة الإسلامية، واحتفظت طهران بمكانتها في الاستراتيجية الصينية عقب عام 1979؛ حيث اعتبرتها الصين في هذا الوقت أيضاً موازناً للقوة الناعمة لكن ضد الولايات المتحدة؛ فقد كانت واشنطن هي الدولة المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط؛ لذا رأت الصين أن استمرار علاقتها القوية بإيران ضروري لدعم مصالح بكين في المنطقة، ومواجهة الولايات المتحدة كقطب أوحد.

3- استقرار علاقات بكين بطهران رغم تباين القوة: ذهب المشاركون إلى أن الصين وإيران كانتا إمبراطوريتَين كبيرتَين على طريق الحرير الدولي، ولم تتصارعا على مدار التاريخ، إلا أن هناك عدم تماثل في القوة بينهما في الوقت الحالي؛ حيث ازدهرت الصين لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وواحدة من ضمن القوى العظمى الناشئة، على عكس إيران التي تُعتبر قوة إقليمية متوسطة، وعلى الرغم من ذلك لم تتدهور العلاقات الثنائية بينهما.

4- تعويل صيني على عودة الاتفاق النووي الإيراني: بحسب المتحدث الرئيسي، فإن للاتفاق النووي تأثيرات محتملة على التقارب الصيني الإيراني؛ حيث لا يزال الاتفاق هو الترتيب الأمني الأفضل للمنطقة – من وجهة النظر الصينية – انطلاقاً من فكرة أن أي تحرك عسكري ضد إيران بسبب برنامجها النووي سيشكل أزمة كبيرة للصين وأمنها الداخلي؛ لذا فإن الاتفاق النووي سيضمن عدم تحول إيران إلى دولة نووية، وسيمنع أي هجوم عليها. ومن ناحية أخرى ستكون الصين سعيدة بإعادة إحياء الاتفاق لتخفيف العقوبات وتدفق الاستثمارات الصينية مرة أخرى، والوصول إلى السوق الإيرانية.

أهداف الشراكة:

أكد المشاركون أن إيران تتمتع بمكانة خاصة في الاستراتيجية الصينية، لكن بالمقارنة بينها وبين دول الخليج أو دول المنطقة الأخرى، تَعتبر بكين طهران شريكاً صغيراً (Junior Partner). وعلى الرغم من الجدل المُثار حول تعاون الصين مع إيران نظراً إلى العقوبات الدولية المفروضة على الأخيرة، فإن الصين ترى منافع محددة من تلك الشراكة، يمكن تلخيصها فيما يلي:

1– بناء علاقات متوازنة بين دول الخليج وإيران: تعتقد الصين أن بناء علاقات قوية ومستقرة مع منطقة الخليج، يتطلب تعزيز التعاون مع ثلاث دول رئيسية: الإمارات والسعودية وإيران، وإن كان تعاون الصين مع الإمارات والسعودية يفوق بكثير تعاونها مع طهران. وأرجع المشاركون السبب وراء ذلك إلى محورية هذه الدول الثلاثة في المنطقة.

2- تعظيم مصالح بكين الاقتصادية وتأمين النفط: أوضح المشاركون أنه على الرغم من كون إيران قوة متوسطة وشريكاً صغيراً للصين، فإنها دولة كبيرة ولديها اقتصاد مُركَّب، كما أن الصين تستورد معظم احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، وإيران واحدة من الدول التي تتمتع باحتياطيات نفطية ضخمة على مستوى العالم؛ فالنفط هو المحرك الرئيسي للعلاقات بين طهران وبكين. وفي هذا السياق، أشار المشاركون إلى أن استيراد الصين النفط الإيراني أصبح محفوفاً بالمخاطر بسبب العقوبات المفروضة على إيران، إلا أن ذلك، وفقاً للمشاركين، لم يمنع الصين من استيراد النفط الإيراني؛ وذلك عن طريق دول أخرى وسيطة كماليزيا. ويتضح ذلك من خلال الأرقام المعلنة في الصين التي تشير إلى أن ماليزيا أصبحت مصدر النفط الرئيسي للصين، وسط ترجيحات بأن يكون هذا النفط إيرانياً.

3– توظيف موقع إيران الحيوي بمبادرة الحزام والطريق: أكد المشاركون أن إيران تتمتع بموقع استراتيجي في خريطة مبادرة الحزام والطريق، بما فيها خرائط البنية التحتية؛ حيث إن الطريق البري الوحيد بين الصين والشرق الأوسط وأوروبا هو عن طريق إيران، وهو ما يوضح الأهمية الجيواستراتيجية لطهران. وفي السياق، أوضح المشاركون أن هناك مشاريع تَعبُر عن طريق إيران، لكن طهران ليست مستفيدة من المبادرة بسبب التخوف الصيني الأمني والاقتصادي من الاستثمار في إيران في إطار هذه المبادرة، وهو الأمر الذي قد يتغيَّر عند إحياء الاتفاق النووي فقط.

4– استخدام العلاقات مع إيران ورقةَ تفاوض مع واشنطن: يتماشى تعزيز التعاون مع إيران مع مصالح الصين في المنطقة ضد وجود الولايات المتحدة. وذكر المشاركون أن الصين تستخدم إيران أداةً للتفاوض مع الولايات المتحدة في أمور تخص تايوان أو بحر الصين الجنوبي، بحيث تعرض الصين على واشنطن تخليها عن التعاون مع إيران مقابل تحقيق مكاسب أخرى.

تحديات مستقبلية:

أكد المشاركون أن استمرار العلاقات بين الصين وإيران تحدده عدة عوامل؛ فعلى الرغم من أهمية إيران للصين، هناك العديد من التحديات التي تحول دون تعزيز هذا التعاون الثنائي، ويمكن تلخيص هذه التحديات فيما يلي:

1– استمرار العقوبات المفروضة على إيران: تسبب الحظر الاقتصادي المفروض على إيران، تحديداً منذ تعطُّل خطة العمل الشاملة المشتركة للاتفاق النووي في تراجع الصادرات الإيرانية للصين؛ حيث لم تعُد الصين تعلن عن استيراد أي نفط إيراني، وكان لهذا الأمر تأثير على الميزان التجاري بينهما، وبدأت الصين تُنوِّع مصادرها النفطية مع دول أخرى مثل السعودية. وبالنظر إلى الاستثمارات الصينية في إيران، أوضح المشاركون أنها كانت مرتفعة للغاية خلال سنوات الاتفاق النووي، ثم تراجع مرة أخرى بعد قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الخروج من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات. وأشار المشاركون إلى أنه كلما خفَّت تلك العقوبات استطاعت الصين الاستثمار في السوق الإيرانية وشراء النفط الإيراني الزهيد الثمن.

2- تراجُع أهمية النفط باستراتيجية أمن الطاقة الصينية: على الرغم من تراجُع أهمية النفط في استراتيجية أمن الطاقة الصينية، فإنه لا يزال – وفقاً للمشاركين – أداة سياسية مُهمَّة لبكين. وربما يُهدِّد أحياناً الحرس الثوري الإيراني بغلق مضيق هرمز إذا لم يُسمَح لإيران باستخدامه لتصدير النفط، إلا أن هذا الأمر لا يمثل أي جديَّة على أرض الواقع بحسب المشاركين؛ فإيران ليس لديها إمكانية لتحمُّل تكلفة هذا الأمر؛ لأنه سيضر كثيراً بمصالحها ومصالح الصين التي تُمثِّل شريكها الاقتصادي الوحيد.

3- تضاؤل أهمية إيران بالنسبة إلى الصين مقارنةً بالهندو–باسفيك: بالمقارنة بين أهمية قضايا منطقة الهندو-باسيفيك بالنسبة إلى الصين وأهمية إيران، رأى المشاركون أن إيران تمثل أهمية ثانوية للصين؛فإذا تعارضت المصالح المتحققة من التعاون مع إيران مع تعزيز النفوذ الصيني في الهندو-باسيفيك، فإن الصين ستُولي أهمية قصوى لمناطق مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي والاحتكاك مع الولايات المتحدة في هذه المنطقة، وفي سبيل ذلك، قد تتخلَّى عن العلاقات مع إيران مقابل تحقيق مصالحها في الهندو-باسيفيك.

4- مُنافَسة القوى العظمى وتأثيرها على التعاون بين البلدين: رأى المشاركون أن مُنافَسة القوى العظمى وتحوُّل النظام الدولي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، مع ظهور عدة قوى أخرى ناشئة أهمها الصين، ألقى بظلاله على التعاون الصيني-الإيراني، وظهر ذلك في انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وحصولها على العضوية الكاملة داخل المنظمة بعد سنوات من تشكك إيران من هذه الخطوة. يأتي هذا فيما يظهر أن هناك تسارُعاً للتعاون العسكري بين روسيا وإيران في الحرب الأوكرانية الحالية، كما أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الصين وإيران انطلقت عام 2016، ولم تهتم إيران ولا الصين منذ ذلك الوقت بتطوير تلك الشراكة، ولا تزال معالم هذه الاتفاقية غير واضحة.

5- التعاون العسكري بين موسكو وطهران بالحرب الأوكرانية: أوضح المشاركون أن الصين ليست سعيدة بالتقارب العسكري الإيراني الروسي خلال الحرب الأوكرانية الحالية؛ وذلك لأن الصين حاولت، منذ اندلاع الحرب، أن تتبنى موقفاً حيادياً. ويُهدِّد هذا التعاون المتسارع بين طهران وموسكو موقف بكين “المحايد” تجاه الحرب. وأشار المشاركون إلى أن دول الخليج تُوازِن بذكاء شديد في علاقاتها بين واشنطن وبكين؛ فالصين تستثمر بقوة في منطقة الخليج، وهو ما يضعها في موقف قوة، لكن هذا ليس كافياً مقارنة بما توفره الولايات المتحدة في الناحية الأمنية؛ حيث أوضح المشاركون أن الصين لا تنوي لعب دور أمني في المنطقة، ولا تريد أن تحل بدلاً من الولايات المتحدة في هذا المجال على الأقل في المستقبل القريب؛ لأنها ليس لديها إمكانية ذلك كما أنها تُولِي منطقة الهندو–باسيفيك أهمية أكبر.

6- تأثير سياسات إيران الضارَّة على الداخل الصيني: لفت المشاركون إلى أن الصين تسعى للحد من تصرُّفات إيران الضارَّة؛ ليست التصرفات الضارة بالمنطقة فحسب، بل أيضاً الضارة بالصين نفسها؛ حيث إن الصين قلقة من نشاط الأقلية المسلمة في أراضيها. وأوضح المشاركون أن الصينيين يهتمون بالأمن الإيراني، ويخشون من أي حرب في إيران أو هجوم على أي من منشآتها النووية؛ الأمر الذي قد يخلق عراقاً جديداً أو أفغانستان جديدة مع وجود احتمالات لانتشار الإسلاميين في الغرب الصيني.

وفي الختام، أكد المشاركون أن الروابط الصينية–الإيرانية راسخة منذ عقود، إلا أن المنافسة الحالية بين القوى العظمى في المنطقة هي المُحرِّك الرئيسي للعلاقات الحالية بينهما. وبالرغم من أن إيران ذات أهمية ثانوية في الاستراتيجية الصينية فإن هناك أسباباً جيوسياسية قوية تدفع الصين نحو تعزيز التعاون مع إيران مع قابلية توسيع آفاق هذا التعاون عند تخفيف العقوبات الدولية على طهران، كما أن الصين تسعى إلى تكوين تكتل شرقي بعيداً عن العالم الغربي؛ لكيلا تُخاطر بالتعرض لعقوبات كالتي تتعرَّض لها روسيا حالياً.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a5%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d8%a7%d9%8b/