اجتماعات ألاسكا:

تصعيد حذر محتمل في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين
اجتماعات ألاسكا:
17 أبريل، 2021

شهدت ولاية “ألاسكا” الأمريكية، منتصف مارس 2021، انعقاد الاجتماع الأول لكبار المسؤولين الأمريكيين مع نظرائهم الصينيين منذ تولي الرئيس الأمريكي “جو بايدن” منصبه. وقد تمخضت هذه الاجتماعات عن اتفاق الجانبين على عقد قمة افتراضية في أبريل الجاري بين الرئيس “جو بايدن” والرئيس الصيني “شي جين بينج”، لبحث مسألة تغير المناخ، دون الوصول إلى “حد أدنى” من الاتفاق حول أي مسائل أخرى، أو حتى الخروج بإعلان رئيسي. وإذا ما وُضع ذلك بجانب التراشق الذي حدث بين الجانبين في ثنايا الاجتماعات، فإن هذا السياق يشي بكم التوتر والاضطراب الذي باتت تشهده العلاقات بين الجانبين، ويمكن تناول أبرز التطورات المرتبطة بالعلاقات الأمريكية–الصينية في ضوء الاجتماعات الأخيرة التي عُقِدت بين الجانبين في ولاية “ألاسكا”؛ وذلك على النحو التالي:

1– محادثات في ظل حقبة جديدة يطغى عليها التوتر والحذر: جاءت اجتماعات “ألاسكا” في ظل حقبة جديدة تشهدها الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس “جو بايدن”، الذي بدأ عهده بمجموعة من التحركات حملت إشارة إلى “مزيد من التصعيد” مع الصين؛ فقد تم تعيين “كورت كامبل” منسق البيت الأبيض للعلاقات مع الصين، وهو الرجل المعروف بمواقفه المتشددة والحازمة إزاء الصعود الصيني.

ثم جاءت مشاركة “بايدن” في الحوار الأمني الرباعي (الولايات المتحدة – الهند – اليابان – أستراليا)، وهي الدول التي يجمعها القلق المشترك من تهديدات الصين ورغباتها التوسعية في المحيطين الهندي والهادي، وأتبع ذلك الاجتماع بزيارة وزير الخارجية “أنتوني بلينكن”، ووزير الدفاع الجنرال “لويد أوستن” إلى كوريا الجنوبية واليابان.

ولكن التحرك الأهم تمثَّل في إصدار الإدارة الأمريكية، في مارس الماضي، وثيقة “التوجيه الاستراتيجي المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي”، التي تضمنت توجهات الإدارة الجديدة لوكالة الأمن القومي في مواجهة التحديات العالمية، وجاء ذكر الصين في الوثيقة 15 مرة. وأشارت الوثيقة إلى ضرورة تأهُّب الولايات المتحدة لمخاطر الصين، خصوصًا مع كونها “المنافس الوحيد” القادر على الجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية، وتحدي النظام الدولي المنفتح والمستقر.

2– قلق أمريكي إزاء بعض القضايا المشتركة: عبَّرت الولايات المتحدة، في الاجتماعات على لسان وزير خارجيتها ومستشار الأمن القومي الأمريكي، عن قلقها إزاء سلوك بكين تجاه هونج كونج وشينجيانغ وتايوان وفي مجال الفضاء الإلكتروني، كما تم تأكيد استعداد واشنطن للتشاور مع بكين حول عدة قضايا؛ منها كوريا الشمالية وأفغانستان وإيران وحقوق الإنسان في الصين، وأن مصالح البلدين تتقاطع عند ملفات إيران وكوريا الشمالية، مع وجود الاختلافات الشديدة بين الجانبين.

3– تأكيد صيني لأولوية الحوار بين البلدين: أكد الجانب الصيني، في الاجتماعات التي مثَّله فيها وزير الخارجية “وانغ يي”، و”يانغ جيه تشي”، رئيس الشؤون الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني؛ أن الصين عازمة على حفظ أمنها وسيادتها ومصالحها، وأن نمو الصين وتطورها لا يكبحهما جماح، “وعلى الجانب الأمريكي عدم الاستهانة بعزم الصين على حماية سيادتها ومصالحها”، كما أشار الجانب الصيني إلى الأمل في “التلاقي مع الولايات المتحدة في منتصف الطريق”، وأن باب الحوار بين الجانبين سيكون مفتوحًا دائمًا.

4– مقاربة أمريكية حازمة تجاه بكين: يشي نهج الإدارة الأمريكية الجديدة إزاء الصين، منذ وصولها إلى الحكم حتى اليوم، بأن هذه الإدارة سوف تستمر في السياسات “الحازمة” تجاه الصين، مع إدخال وتوظيف ملف حقوق الإنسان والتركيز عليه كأحد دعائم المقاربة الأمريكية المركَّبة في التعامل مع بكين، بالإضافة إلى الطموحات والأطماع الجيوسياسية للصين، وتهديدها الأمن والاستقرار العالمي، خصوصًا في منطقتي المحيط الهادي–الهندي.

فضلًا عن التهديدات المرتبطة بالصعود الصيني المتزايد في مجال الذكاء الاصطناعي والمجالات السيبرانية والتقنية، وبطبيعة الحال الحرب الاقتصادية بين البلدين. وفي هذا الإطار، يبدو أن الولايات المتحدة سوف تتجه إلى الاعتماد بقدر أكبر على الحلفاء الذين تتقاطع مواقفهم معها إزاء “التهديد الصيني”.

5– استمرار الصين في سياساتها الاقتصادية والتنموية: يبدو أن الإدارة الصينية بدأت حتى قبل تتسلم إدارة “بايدن” مقاليد الحكم، في تنفيذ رؤيتها للتعامل مع المرحلة المقبلة؛ وذلك عبر تأكيد رفض “التدخل” في شؤونها الداخلية من قبل واشنطن، واستمرارها في الصعود الاقتصادي والتنموي، وعدم الرغبة في دخول “مواجهة أو صراع” مع الولايات المتحدة.

وبالفعل، استبقت الصين وصول “بايدن” إلى الحكم باتفاق “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” الذي وقعته الصين مع 14 دولة من منطقة آسيا والمحيط الهندي في 15 نوفمبر 2020، وهو الأمر الذي وضع الولايات المتحدة في مواجهة أكبر تكتل تجاري يمثل 30% من الاقتصاد العالمي، وهو التطور الذي حمل إشارات أكدتها التصريحات الصينية في اجتماعات “ألاسكا”؛ حيث العزم على مواصلة الصعود العالمي باعتباره حقًّا أصيلًا وأساسيًّا للصين.

وختامًا، يُوحي نهج الإدارة الأمريكية الجديدة إزاء الصين، منذ وصولها إلى الحكم حتى اليوم، بأن هذه الإدارة سوف تستمر في السياسات التصعيدية تجاه الصين بسبب تحفظها على سلوك بكين. ومن غير المرجح أن تنصاع الصين للجانب الأمريكي، خاصةً مع توجه بكين مؤخرًا إلى خلق تكتل اقتصادي عالمي مناوئ لواشنطن، وهو الأمر الذي يعني أن الجانبين سيحرصان على التصعيد المتبادل.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d9%84%d8%a7%d8%b3%d9%83%d8%a7/