احتواء الضغوط:

كيف تتعامل الصين مع احتجاجات "صفر كوفيد"؟
احتواء الضغوط:
5 ديسمبر، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial

شهدت الصين في الفترة الأخيرة موجة من الاحتجاجات اعتراضاً على سياسة “صفر كوفيد” التي تطبقها الحكومة المركزية، واستمرار إجراءات الإغلاق المشددة في الصين، رغم توافر اللقاحات. وفي حين أن سياسة “صفر كوفيد” خلقت تحديات وتسببت في تأثيرات سلبية، خاصةً على الاقتصاد الصيني، فإن الاحتجاجات الأخيرة تعمق بعض هذه التحديات. وتعتبر هذه الاحتجاجات الأكثر اتساعاً وانتشاراً منذ عقود، متجاوزةً الطابع المحلي للاحتجاجات التي اتسمت به التظاهرات في الصين خلال العقدين الماضيين، فضلاً عن توسع مطالبها لتطال أبعاداً سياسية. ويأتي ذلك فيما أعلنت الصين، في 4 ديسمبر 2022، عن 35775 حالة إصابة جديدة، 31607 منها بدون أعراض، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 336165 حالة مع 5235 حالة وفاة.

طبيعة مقلقة

ثمة مجموعة من الخصائص المميزة للاحتجاجات في الصينية ضد سياسة “صفر كوفيد”، وهي الخصائص التي تجعلها مقلقة للسلطات الحاكمة. ويمكن استعراض هذه الخصائص عبر ما يلي:  

1- اتساع الاحتجاجات لتشمل نطاقاً جغرافياً واسعاً: اتسعت دائرة الاحتجاجات في الصين لتشمل مساحات جغرافية واسعة؛ حيث شهدت عدة مدن صينية احتجاجات على القيود الصحية المفروضة بسبب سياسة “صفر كوفيد”، وتظاهر مئات الطلاب من جامعة تسينجهوا في بكين، فضلاً عن تنظيم وقفات احتجاجية أخرى في معهد الاتصالات في نانجينج، وفي شيان، وفي ووهان، وجوانجتشو.

2- اعتبار حريق “أورومتشي” المحفز على الاحتجاج: هناك قناعة في أوساط صينية عديدة بأن حريق أورومتشي في شينجيانج هو المحفز الرئيسي للموجة الاحتجاجية الحالية؛ حيث ربطت منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي في الصين بين إجراءات مكافحة وباء كوفيد 19، ووفاة 10 أشخاص في الحريق، معتبرين أن الإجراءات المتخذة لمواجهة كوفيد 19 فاقمت هذه الكارثة، في ظل وجود سيارات متوقفة منذ أسابيع بسبب الإغلاق في الحي الصغير الضيق المؤدي إلى المبنى المشتعل؛ ما أعاق وصول رجال الإنقاذ، فيما اتهمت الخارجية الصينية من وصفتهم بـ”قوى ذات دوافع مبيتة” بإقامة رابط بين هذا الحريق وسياسة الاستجابة المحلية لفيروس كوفيد 19.

3- ترديد هتافات ضد الرئيس شي والحزب الشيوعي: أظهرت مقاطع الفيديو التي جرى تصويرها للاحتجاجات، ترديد المتظاهرين هتافات تطالب الرئيس شي جين بينج بالاستقالة، وتهاجم الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، ومنها “لا نريد اختبار كوفيد، نريد حرية”، و”لا نريد دكتاتورية، نريد ديمقراطية”، و”الديمقراطية وسيادة القانون! حرية التعبير!”، و”شي جين بينج! تنحَّ عن المنصب”، و”الحزب الشيوعي، تنحَّ عن المنصب”. وتثير الهتافات التي رددها المحتجون ضد الرئيس الصيني والحزب الشيوعي الصيني مخاوف من أن يتحول الغضب من الإغلاق العام إلى دعوات لإحداث إصلاحات سياسية أوسع.

تداعيات اقتصادية

خلفت الاحتجاجات الصينية عدداً من التداعيات الاقتصادية المباشرة والسريعة، التي كانت في أغلبها تداعيات مؤقتة، ويمكن توضيح هذه التداعيات عبر ما يلي:

1- حدوث تراجع لبعض الأسهم الأوروبية والآسيوية: تراجعت بعض الأسهم الأوروبية والآسيوية بالتزامن مع الاحتجاجات الصينية؛ حيث تراجعت الأسهم الأوروبية، في 28 نوفمبر الماضي، من أعلى مستوياتها في ثلاثة أشهر مدفوعة بانخفاضات في أسهم الطاقة والتجزئة والتعدين بعد أن تسببت احتجاجات الصين في إطلاق موجة بيع في الأسواق العالمية. وعلى سبيل المثال، تراجع المؤشر “ستوكس 600” لأسهم الشركات الأوروبية 0.5%، بعد الانخفاضات الحادة في الأسهم الآسيوية. وتراجعت أسهم “كريدي سويس” 0.3% إلى مستوى قياسي منخفض جديد، كما انخفض المؤشر “نيكاي” الياباني، وهبط المؤشر “توبكس” 0.68%، وانخفض مؤشر “سي إس آي 300” الصيني بما يصل إلى 2.5%، وهو ما يعني تأثر معنويات المستثمرين بالاحتجاجات الصينية، مع الأخذ في الاعتبار أن الأسهم عادت مرة أخرى للارتفاع، خاصةً مع وجود توقعات بتخفيف قيود كورونا بالبلاد.

2- تراجع الذهب واليوان والنفط مقابل الدولار: تراجعت أسعار الذهب، بعد ارتفاع الدولار، بعدما عززت الاحتجاجات الصينية الطلب عليه باعتباره ملاذاً آمناً. وأدى الغموض المتزايد جراء الاضطرابات المتزايدة في الصين إلى حدوث انخفاض لليوان ودفع المستثمرين نحو الدولار بصورة أكبر، كما انخفض سعر النفط إلى أدنى مستوى منذ ديسمبر 2021 في ضوء موجة الاضطرابات في الصين، التي أثرت على توقعات الطلب على الطاقة، وزادت من الضغوط التي تخيم على المشهد العالمي لسوق الطاقة. يُذكر أن هذه التراجعات كانت تراجعات لحظية تحت وطأة المخاوف من مستقبل الاحتجاجات، قبل تعافي العملات والسلع وعودتها مرة أخرى للارتفاع، خاصةً مع توقعات تخفيف القيود.

3- تهديد صورة بكين على الصعيد الإنتاجي العالمي: تهدد الاحتجاجات والاضطرابات الصينية الرافضة لسياسة “صفر كوفيد” في الصين، بحدوث عجز في إنتاج هواتف “آيفون برو” يصل إلى 6 ملايين وحدة هذا العام؛ إذ تثير احتجاجات العمال والموظفين الرافضين للقيود التي تفرضها السلطات الصينية مخاوف حول استمرار عمل مصنع شركة “فوكسكون” التايوانية في مدينة تشنجتشو الصينية، الذي تعرض بالفعل لعمليات إغلاق واسعة وإضرابات عمالية استمرت لأسابيع. ومن المتوقع استمرار وتزايد هذا العجز في إنتاج الهواتف إذا استمرت عمليات الإغلاق في الأسابيع المقبلة. ويأتي ذلك بعدما فر الآلاف من الموظفين العاملين في الشركة خلال شهر أكتوبر الماضي بعد نقص مزمن في الغذاء، ليحل محلهم موظفون جدد ثاروا على الأجور وممارسات الحجر الصحي. وتشير تقارير إلى أن احتجاجات ومشكلات “فوكسكون” تهدد صورة الصين على الصعيد الإنتاجي العالمي، وتدفع بعض الشركات إلى التفكير في دول أخرى كخيارات بديلة.

استغلال غربي

عملت دول ومنصات غربية على استغلال الاحتجاجات الصينية لتوظيفها ضمن خطابها الدعائي ضد بكين، ويتضح ذلك على النحو التالي:

1- تحذير أمريكي لبكين من تبعات العنف ضد المتظاهرين: انتقدت الولايات المتحدة استراتيجية “صفر كوفيد”، وقال متحدث باسم مجلس الأمن القومي إنه سيكون من الصعب جداً على الصين أن تكون قادرة على احتواء فيروس كورونا من خلال استراتيجيتها المتبعة، فضلاً عن تأكيد دعم واشنطن حق التظاهر السلمي في كل دول العالم بما يشمل الصين، كما أكد 42 عضواً بمجلس الشيوخ الأمريكي، في 2 ديسمبر الجاري، في رسالة إلى سفير الصين في الولايات المتحدة تشين جانج، أنهم يراقبون عن كثب رد فعل بكين على الاحتجاجات، وحذروا الحكومة الصينية من “القيام مرة أخرى بحملة قمع عنيفة ضد المتظاهرين الصينيين”، مهددين بحدوث ضرر غير عادي للعلاقات بين البلدين إذا ما لجأت الحكومة الصينية إلى الخيارات العنيفة.

2- انتقادات أوروبية لتعامل الصين مع وسائل الإعلام: ذكرت هيئة “بي بي سي” البريطانية أن أحد مراسليها في الصين أُوقف خلال تغطية الاحتجاجات في شنجهاي وتعرض للضرب من قبل عناصر الشرطة الصينية. وندد وزير الشركات البريطاني جرانت شابس، بممارسات الشرطة الصينية التي اعتبرها غير مقبولة ومثيرة للقلق، مؤكداً أن حرية الصحافة يجب أن تكون مقدسة مهما حدث. كما أدان اتحاد البث الأوروبي للإذاعة والتلفزيون، ما وصفه بـ”أعمال الترهيب والاعتداءات غير المقبولة التي يقع ضحيتها الصحفيون وفرق إنتاج أعضاء اتحاد البث الأوروبي في الصين”.

3- مطالبة بريطانيا حكومة الصين بالاستماع لشعبها: أبدت الحكومة البريطانية تفهماً ودعماً لمطالب المحتجين الصينيين، ودعت الحكومة الصينية إلى الالتفات لها وتفهمها. وهو ما برز في تصريح وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي الذي قال فيه إنه يجب على الحكومة الصينية الاستماع إلى أصوات شعبها عندما يقولون إنهم غير راضين عن القيود المفروضة عليهم.

4- إبداء ألمانيا تضامنها مع مطالب المحتجين الصينيين: أعربت ألمانيا عن تضامنها وتفهمها مطالب المحتجين الصينيين؛ حيث قال الرئيس الألماني فرانك شتاينماير إنه “يمكن تخيل مدى ثقل العبء على الناس في الصين، بسبب استمرار الإجراءات الأكثر صرامة والمطبقة منذ فترة طويلة”، مطالباً في الوقت ذاته السلطات الصينية باحترام حقوق حريات التعبير والتظاهر.

تحركات متعددة

اتخذت الحكومة الصينية جملة من التحركات في مواجهة الاحتجاجات ضد سياسة “صفر كوفيد”، وهو ما يتضح عبر ما يلي:

1- التمسك بسياسة “صفر كوفيد” رغم التعهد بتقليصها: على الرغم من إعلان الحكومة الصينية أنها ستقلص بعض القواعد والقيود الخاصة بسياسة “صفر كوفيد”، بتخفيف قيود الحجر الصحي للمسافرين في الخارج، وكذلك نظام العقوبات لشركات الطيران التي تجلب المسافرين المصابين، وإلغاء اختبارات كورونا الجماعية في العديد من المدن، لم تقم بذلك مع استمرار التزام الحكومة الصينية بالسياسة نفسها. وبررت بكين التزامها بسياسة “صفر كوفيد” بأنها حافظت على عدد ضحايا الوباء الرسميين في الصين بما يزيد عن 5 آلاف فقط، مقابل أكثر من مليون حالة وفاة في الولايات المتحدة، حتى لو كان ذلك على حساب بعض الاستياء والاضطرابات؛ حيث تخشى بكين أن يؤدي التراجع عن السياسة إلى أزمة صحية وتكدس المستشفيات وازدياد معدلات الوفاة.

2- تأكيد أمني لمواجهة الاحتجاجات بصرامة وحزم: أكدت لجنة الشؤون السياسية والقضائية التابعة للحزب الشيوعي الصيني المسؤولة عن قوى الأمن، ضرورة قمع نشاطات التخريب والإخلال بالأمن التي تقوم بها القوى المعادية، بحسب القوانين الصينية المعمول بها. كما تعهد رئيس الأمن الداخلي الصيني بالحفاظ بشكل فعال على الاستقرار الاجتماعي الشامل في البلاد، وحث مسؤولي إنفاذ القانون على “أن يضربوا بقوة أنشطة التسلل والتخريب والأعمال غير القانونية والإجرامية التي تعطل النظام الاجتماعي”.

3- توظيف السلطات الصينية للتقنيات التكنولوجية: عملت الحكومة الصينية على تعزيز مستويات الرقابة للاستجابة لحالات الطوارئ، عبر محاولة مواجهة أساليب تجاوز الرقابة عبر الإنترنت، ومواجهة أساليب مواجهة الحظر والحجب التي يلجأ إليها الصينيون. وأشارت تقارير صحفية إلى صدور تعليمات لتعزيز إدارة المحتوى عبر الإنترنت. وعملت الأجهزة الأمنية على الاستفادة من التكنولوجيا في تعزيز رقابتها الأمنية والوصول إلى المحتجين؛ حيث ذكرت تقارير إعلامية وحقوقية استخدام الشرطة الصينية أساليب مرتفعة التقنية، والاعتماد على لقطات المراقبة والتعرف على الوجه، واستخدام بيانات موقع الهاتف الملتقطة بواسطة ماسحات ضوئية في مواقع التجمعات.

4- التخفيف النسبي للقيود المفروضة في مدن صينية: تشير تصريحات المسؤولين الصينيين إلى وجود تفكير في مرحلة جديدة من سياسة “صفر كوفيد” في ظل انخفاض خطورة متغير “أوميكرون” وتزايد اللقاحات وتزايد الخبرة الصينية المتراكمة في مواجهة الوباء، وهو ما يظهر باعتباره تراجعاً نسبياً صينياً أمام مطالب المحتجين. وثمة مؤشرات على تراجع نسبي في تطبيق سياسة “صفر كوفيد” وتخفيف بعض القيود؛ فقد أعلنت مدن صينية كبرى مثل بكين، في 3 ديسمبر الجاري، أنها لن تفرض تقديم نتيجة سلبية لاختبار فيروس كورونا كشرط كانت قد وضعته قبل ذلك حتى يتمكن السكان من ركوب وسائل النقل العام. يُذكر أن بنك “جولدمان ساكس” توقع أن تُنهي الصين سياسة “صفر كوفيد” قبل الربع الثاني من عام 2023.

سياسة ممتدة

وختاماً، تدافع الصين عن سياسة الرئيس “شي جين بينج” المسماة “صفر كوفيد” باعتبار أن هدفها إنقاذ الأرواح ومواجهة الوباء، وباعتبارها كذلك ضرورية لعدم الضغط على نظام الرعاية الصحية. وعلى الرغم من الاضطرابات التي سببتها تلك الاحتجاجات، والاعتراضات التي برزت سابقاً على السياسة الصينية في أكثر من موقف، والخسائر الاقتصادية التي ترجعها العديد من التقارير إلى السياسة الصينية الصارمة، فإن المسؤولين الصينيين يؤكدون الاستمرار في انتهاج سياسة “صفر كوفيد”، خاصة مع تصاعد حالات الإصابة الجديدة في الأسابيع الأخيرة. إلا أن ثمة إشارات على اضطرار الصين إلى التخفيف النسبي لسياستها من أجل احتواء الضغوط الداخلية والاقتصادية والخارجية عليها المتعلقة بتلك السياسة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%88%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%ba%d9%88%d8%b7/