اختلال التوازن:

مستقبل التحولات الجيواستراتيجية في أسواق الطاقة العالمية (حلقة نقاشية)
اختلال التوازن:
17 أكتوبر، 2021

عقد “إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية” حلقة نقاشية بعنوان “أزمة الطاقة: التحولات الاستراتيجية لأسواق الغاز العالمية”، حيث استضاف خلالها د. سيريل ويدرسهوفن، مؤسس شركة Verocy للاستشارات ومستشار أمن الطاقة في العديد من مراكز الفكر الدولية وشركات الطاقة الغربية. يركز تخصص د. سيريل على المخاطر السياسية المرتبطة بقطاع الطاقة في الشرق الأوسط، وقد قام برئاسة تحرير دوريات متخصصة في مجال الطاقة، منها مجلة “شمال إفريقيا” للنفط والغاز، والنشرة الإخبارية للنفط والغاز في الشرق الأوسط.

تناولت الحلقة النقاشية عدة قضايا يتمثل أهمها في: ملامح أزمة الطاقة العالمية الراهنة، والاختلال المتزايد بين العرض والطلب على الطاقة عقب جائحة كورونا في ظل التعافي السريع من الجائحة، ومعضلة أمن الطاقة في أوروبا، والاتجاهات المستقبلية لأسواق الطاقة في العالم، والمسارات المقترحة للحفاظ على توازنات العرض والطلب في ظل التحول نحو الطاقة المتجددة.

ملامح أزمة الطاقة العالمية

ركّزت الحلقة النقاشية على دراسة أزمة الطاقة العالمية الراهنة، وتمثلت التفسيرات التي تم تقديمها خلال النقاش فيما يلي:

1- انتشار “المرض الهولندي 2.0”: حذر المشاركون دول منطقة الشرق الأوسط من حدوث المرض الهولندي 2.0، حيث تخطط هولندا لوقف إنتاج الغاز الطبيعي من حقل غاز خرونينجن الذي تم اكتشافه في 1959 وبلغ إنتاجه في ذروة الإنتاج 88 مليار متر مكعب، مما جعل هولندا من القوى الرئيسية المنتجة للغاز. حيث ينبغي إيجاد بدائل للوقود الحفري قبل استبداله بمصادر الطاقة المتجددة حتى لا تقع الدول تحت رحمة تغيرات العرض والطلب في الأسواق العالمية.

2- طفرة الطلب العالمي على الغاز: يُشير تقرير “توقعات الطاقة العالمية” الصادر عن “وكالة الطاقة الدولية”، في أكتوبر 2021، إلى أن الطلب على الطاقة تزايد بقوة خلال عام 2021، وتأتي الزيادة من جانب الدول الآسيوية وخاصةً الصين وكذلك أوروبا بسبب التعافي أسرع من المتوقع من جائحة كورونا، والطلب على التدفئة في فصل الشتاء. ومن المهم أيضاً التركيز على تزايد طلب الهند على الطاقة بسبب طلب متزايد من 1.2 مليار مواطن هندي على الكهرباء لأغراض المعيشة والتصنيع.

3- التراجع الخادع للطلب على الطاقة في 2020: لم تدرك الدول الأوروبية أن التراجع في استهلاك الطاقة عالمياً خلال عام 2020 كان مؤقتاً بسبب جائحة كورونا، وهو ما دفعها لتقليل الطلب على الطاقة في الوقت الذي اتجهت فيه الصين والدول الآسيوية لزيادة مخزوناتها من الطاقة في وقت انخفاض الأسعار وهو ما سبب الأزمة.

4- عودة سريعة للأنشطة الصناعية: وفقاً لتوقعات أسواق الطاقة العالمية فإن الصناعة ستشكل القوة الدافعة لتزايد الطلب على الطاقة في ظل تزايد الطلب على السلع، والتعافي السريع للأنشطة الاقتصادية خلال العام الجاري.

5- تراجع حاد في عرض البترول والغاز: تشهد الأسواق العالمية ثباتاً أو تراجعاً في إمدادات الغاز والنفط العالمية بسبب تعطل الإنتاج من بعض الحقول وعمليات الصيانة ومشكلات التشغيل في بعض حقول الغاز في بعض الدول مثل روسيا.

6- سعي منتجي الغاز لزيادة الأسعار: يسعى منتجو الغاز الرئيسيون في العالم، وفي صدارتهم روسيا، لزيادة أسعار الغاز، وهو ما يجعل الدول المستوردة توجه اتهامات لهم بعدم زيادة الإمدادات للأسواق، إلا أن السبب الأهم يتمثل في تعطل مرافق الإنتاج في روسيا والعديد من الدول بسبب عمليات الصيانة والوصول للطاقة القصوى للتشغيل.

تعقيدات أمن الطاقة في أوروبا

تضمنت الحلقة النقاشية تحليلاً لحالة أمن الطاقة في القارة الأوروبية، حيث تتصاعد التهديدات لأمن الطاقة الأوروبي والتي تتمثل فيما يلي:

1- محفزات مستدامة لأزمة الغاز الأوروبي: تتمثل أبرز أسباب أزمة الغاز الأوروبية في: تحرير أسواق الغاز والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وضعف تخزين الغاز في أوروبا، وتوقف الإنتاج من الحقول الأوروبية القديمة مثل حقل غاز خرونينجن في هولندا، وتوظيف أوروبا للغاز كسلاح ضد أوروبا.

2- تحكّم روسيا والنرويج في إمدادات الطاقة: تزايد الطلب على الغاز في الفترة الراهنة يتوقع أن يستمر حتى 2024، وهو ما يجعل روسيا والنرويج يتحكمان في إمدادات الطاقة لأوروبا، ولو لم تقم روسيا بزيادة الإنتاج فسيؤدي ذلك لتفاقم الأزمة وزيادة أكبر في أسعار الغاز.

3- توظيف روسيا للغاز كسلاح ضد أوروبا: يتسبب اعتماد أوروبا على الغاز الروسي وتراجع الإمدادات من مصادر الجنوب الأوروبي مثل ليبيا والجزائر ومصر في انكشاف أمن الطاقة الأوروبي أمام روسيا. وتسببت العقوبات الأوروبية على روسيا والمعارضة لخط السيل الشمالي من روسيا إلى الدول الأوروبية في تزايد الضغوط الروسية على أوروبا في مجال الغاز.

4- مخاطر التحول غير المدروس للطاقة المتجددة: يتسبب التحول السريع للطاقة المتجددة في الوقوع تحت رحمة الصين وبعض الدول المنتجة للمعادن والمعادن الأرضية النادرة، بسبب الاحتياج للمعادن والمعادن الأرضية النادرة وتوريد المعدات اللازمة لتصنيع البطاريات وخلايا الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح.

5- تزايد اضطرابات توريد الغاز الجزائري لإسبانيا: تصاعدت حدة أزمات توريد الغاز الجزائري بسبب تهديد الأخيرة بوقف توريد الغاز عبر الخط الواصل عبر المغرب بسبب التوترات بين الدولتين، وهو ما يدفع مدريد للبحث عن بدائل للغاز من دول شمال إفريقيا.

6- توقعات عدم الاستقرار السياسي بسبب أسعار الطاقة: يتوقع أن تُسبب أزمات الطاقة والارتفاع المتزايد في أسعار الغاز والنفط اضطرابات واحتجاجات في الدول الأوروبية بسبب أزمات نقص المعروض من الطاقة قبل فصل الشتاء، مما يتسبب في معضلة في نظم التدفئة المنزلية.

التحولات المستقبلية المتوقعة

استخلصت الحلقة النقاشية عدة توقعات لمستقبل أسواق الطاقة العالمية يتمثل أبرزها فيما يلي:

1- عدم دقة توقعات “قمة النفط”: أشار المشاركون إلى عدم دقة توقعات “قمة النفط” (Oil Peak)، حيث ظهرت هذه السيناريوهات في عام 1970، ويتم تغيير العام المتوقع لبلوغ قمة الطلب على النفط التي يتراجع بعدها الطلب إلى فترة تالية، حيث تم وضع عام 2050 لهذه التوقعات حالياً، ويعتقد د. سيريل أننا قد لا نصل لقمة النفط وقمة الغاز بحلول هذه الفترة.

2- تحفيز زيادة السكان للطلب على الطاقة: بحلول عام 2050 سيتزايد عدد السكان في العالم ليصبح ما بين 10 و11 مليار نسمة، وهو ما يجعل الطلب على الطاقة يتزايد بقوة. ويعني ذلك أن الطاقة المتجددة لن تكون كافية لتلبية الطلب المتزايد، وهو ما يزيد أهمية التمسك بمصادر الطاقة الأخرى.

3- تزايد صعوبات تحقيق “الحياد الكربوني”: يعتقد المتحدث الرئيسي أن تحقيق الحياد الكربوني بتقليل الانبعاثات سيكون صعباً للغاية حتى عام 2050، والمستهلكون لن يكونوا قادرين على تحمل التكلفة.

4- إمكانية إنتاج الهيدروجين الأزرق والرمادي: يرى المتحدث أن الضجة حول إنتاج الهيدروجين من الضروري أن تتحول لإنتاج حقيقي في أسرع وقت عبر استثمارات كبيرة، مؤكداً أن الهيدروجين الأزرق والرمادي قابل للإنتاج بكميات كبيرة لاعتمادهما على المرافق الحالية لإنتاج الغاز الطبيعي والبترول وتوظيف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الإنتاج.

5- صعوبات تعترض التقدم في إنتاج الهيدروجين الأخضر: يتوقع أن يعترض إنتاج الهيدروجين الأخضر صعوبات كبيرة بسبب اعتماده على توافر موارد مائية ضخمة، وفي ظل الشح المائي العالمي يصبح الاستثمار في هذا النوع من الطاقة غير مجدٍ للتوسع في إنتاجه على نطاق واسع.

6- تزايد استهلاك الغاز في الدول النامية: تتحول الدول المنتجة للغاز تدريجياً للاستهلاك المحلي من الغاز خاصة في الدول النامية، حيث يتم استبدال النفط بالغاز في توليد الكهرباء بسبب انخفاض التكلفة وتخصيص النفط للتصدير، وهو ما يقلل من الكميات المخصصة للتصدير من الغاز، ويضغط على أسواق الغاز العالمية.

7- تسبب التحول للطاقة المتجددة في أزمات الطاقة: يضغط داعمو التحول السريع للطاقة المتجددة للتخلي عن مصادر الطاقة التقليدية، مثل النفط والغاز، ويؤدي ذلك لأزمات في العرض وتزايد الطلب وارتفاع أسعار الطاقة.

8- استمرار ارتفاع أسعار الطاقة المتجددة: لا تزال أسعار إنتاج الطاقة المتجددة متزايدة، ولا يمكن للمستهلكين القبول بها، وهو ما يجعل الاعتماد عليها غير ممكن في المرحلة الراهنة، حيث يرتفع السعر التقديري لإنتاج اللتر الواحد من الهيدروجين، ويجعل ذلك الطلب على بعض مصادر الطاقة المتجددة أقل بكثير من العرض بسبب ارتفاع الأسعار.

مسارات استعادة التوازن

اقترحت الحلقة النقاشية اتّباع عدة مسارات لتحقيق الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، يتمثل أبرزها فيما يلي:

1- التدريجية في الاستجابة للنشطاء البيئيين: من الضروري التروي في الاستجابة الكاملة للنشطاء البيئيين بالتحول الكامل إلى الطاقة النظيفة وترك مصادر الطاقة الأخرى بسبب تهديد ذلك لأمن الطاقة العالمي وتسببه في أزمات متتالية. وينبغي تحقيق التوازن بين حماية البيئة والحفاظ على أمن الطاقة، لأن التركيز على البيئة فقط يؤدي لتفاقم أزمات الطاقة بصورة سريعة.

2- أهمية تأسيس “أوبك الطاقة المتجددة”: سوف تدفع التحولات المستقبلية لتأسيس تكتل لمنتجي الطاقة المتجددة يقوم بتحديد الأسعار والعرض والطلب وعمليات نقل الطاقة عبر الحدود، وتنظيم العلاقة بين العرض والطلب.

3- احتياجات متزايدة لتأمين مرافق إنتاج الطاقة النظيفة: تتطلب مرافق إنتاج الطاقة النظيفة عمليات مكلفة للتأمين ضد التهديدات الأمنية، مثل: العمليات الإرهابية، والاستهداف من جانب المليشيات، وتهديدات الأمن السيبراني؛ حيث تُعتبر محطات توليد الكهرباء وخطوط نقلها وتوربينات الرياح أهدافاً سهلة للتنظيمات الإرهابية.

4- الاستثمار في التوظيف المثالي للانبعاثات الكربونية: من الضروري التركيز على كيفية توظيف الانبعاثات الكربونية وليس التخلص منها تماماً، حيث يمكن توظيفها صناعياً في العديد من الصناعات، ومنها إنتاج الهيدروجين الرمادي، كما تستخدم في الصوب الزراعية لإنتاج المحاصيل، ويتزايد الطلب عليها بقوة.

5- الانتقال من تقليل الانبعاثات إلى نظم التخلص منها: يجب أن تركز دول العالم على وضع آليات للتخلص من الانبعاثات الكربونية واستثمارها وليس تقليلها من خلال عدم الاعتماد على الوقود الحفري، لأن اقتصادات الطاقة تتطلب التوسع في توظيف كافة مصادر الطاقة.

6- الاحتياج لاستراتيجية الدمج بين كافة مصادر الطاقة: العالم يحتاج كافة مصادر الطاقة لتلبية التزايد على الطلب، ومن الضروري الدمج بين المصادر المتجددة وغير المتجددة، ولا يمكن استبعاد أي مصدر للطاقة في الوقت الراهن أو استبدال مصدر بآخر.

7- أهمية التركيز على كفاءة الطاقة (Energy Efficiency): من الضروري التركيز على كفاءة استخدام الطاقة ووقف استنزافها، حيث يتم وضع ضوابط لاستخدام التكييف في المناطق الحارة، ووضع حدود لدرجات الحرارة داخل المنازل لتصبح مناسبة ولا تسبب هدراً للطاقة، والتخلص من بعض الممارسات الفردية الخاطئة مثل نظم التدفئة في المناطق الدافئة، ويعني ذلك تغيير العادات اليومية للبشر، والحفاظ على الطاقة من الهدر والاستنزاف.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%a7%d8%b2%d9%86/