استراتيجية الهند:

كيف تواجه نيودلهي التمدد الصيني في عمقها الحيوي؟
استراتيجية الهند:
11 أبريل، 2021

شهدت السنوات القليلة الماضية زيادة متدرجة لافتة في اهتمامات الدولة الهندية بالهندوباسفيك (Indo-Pacific)، حيث ازداد الاعتراف بالربط بين الهند وتلك المنطقة كنموذج استراتيجي يربط بين شواطئ غرب المحيط الهادئ والمحيط الهندي، مع التحول في مركز الثقل الجيوسياسي إلى الهند والصين. وفي هذا الإطار اعتمدت الهند استراتيجية شاملة تسمي “النظر شرقاً” لبناء تحالفات وتنمية شراكات فعالة لمجابهة التهديدات الصينية المتصاعدة، على المستويين الإقليمي والدولي، إلى جانب رفع شعار “الأمن والتنمية للجميع في المنطقة” كمرتكز رئيسي لحركة تفاعلاتها الإقليمية بشكل أساسي.

ملامح “النظر شرقاً”:

جاءت “سياسة النظر شرقاً” (Look East Policy) لتعزيز الشراكات مع الاقتصادات النشطة في جنوب شرق آسيا، وقد مهدت الطريق لتأسيس منطقة بديلة تنافس منطقة آسيا-الباسفيك (Asia- Pacific)، وهو ما يمكن رصده من خلال عدد من النقاط العملية على النحو التالي:

1- قيام الهند بدعم شراكاتها الاستراتيجية مع العديد من الجهات الفاعلة الرئيسية في تلك المنطقة، باعتبارها جزءاً من سياستها تجاه الصين؛ المنافس الأكبر للدولة الهندية إقليمياً ودولياً.

2- تأثر سياسة الهند في منطقة المحيطين؛ الهندي والهادئ (Indo-Pacific)، بمخاوف دلهي المشروعة  جراء الصعود الصيني المتنامي في المنطقة بشكل مقلق، ما دفعها إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين كاليابان وأستراليا لبناء جبهة فاعلة إزاء تحديات الصعود الصيني.

3- انتهاج الهند سياسة “النظر شرقاً” (Look East Policy) بالمشاركة الاقتصادية مع دول منطقة جنوب شرق آسيا، ثم توسيع مظلة التعاون الاستراتيجي لتمتد خارج تلك المنطقة بهدف التعامل مع الصعود الصيني وتبعاته.

4- تبنت الهند سياسة مناورة تضمن لها تحقيق توازن القوي مع الصين من جهة، والحفاظ على علاقات الحد الأدنى مع هذا الجار اللدود من جهة أخرى.

5- مراعاة اعتبارات العولمة والاعتماد المتبادل للتجارة والعوالم البحرية المتكاملة، وطبيعتها المتغيرة من حيث العديد من التهديدات الأمنية، والتي أضعفت الحدود المادية، وأدت إلى زيادة الرغبة في خلق ما يعرف بالمناطق البحرية الآمنة (Secure maritime areas) من أجل التجارة والاقتصاد دون عوائق.

6- توسيع الهند النطاق الجغرافي لإقليم المحيطين الهندي الهادئ (Indo-Pacific)، لتشمل القارة الأفريقية والأميركتين، مما يوسع الرابطة الاستراتيجية للهند من المحيط الهندي إلى المحيط الهادئ.

7- تبني نيودلهي منظور يقوم على إدماج الحلفاء، والانفتاح على السوق العالمية ومركزية الآسيان، حيث قطعت الهند طريقاً طويلاً لاكتشاف هذه السياسة باعتبارها بناءاً شاملاً ومنظوراً متكاملاً للمنطقة ككل.

8- اشتملت المبادرة الهندية على دعم الاتصال القاري والإقليمي، وتعزيز الأمن البحري، ومكافحة الأنشطة الإرهابية، ونزع السلاح، والقضايا السيبرانية، والأهم من ذلك الأمن البيئي الذي أقرته الهند كمتغير نشط في سياستها الإقليمية.

“الأمن والنمو للجميع”:

في الطريق إلى استراتيجية الهند الجديدة لإقليم المحيطين الهندي والهادئ؛ أقامت الهند تحالفاً رباعياً قوياً يضمها إلى جانب الولايات المتحدة وأستراليا واليابان، لإعادة تأكيد الالتزام المشترك لتعزيز دعم القانون الدولي وحرية الملاحة والتحليق والتنمية المستدامة، في اجتماع نوفمبر 2018 في سنغافورة. كما تبنت الهند مفهوم “SAGAR” “الأمن والنمو للجميع في المنطقة”، لتشكيل منطقة حرة ومفتوحة وشاملة للمحيطين الهندي والهادئ، تم إنشائها على أساس نظام تعاوني قائم على القواعد.

وفي هذا الإطار؛ تعد المشاريع الحصرية للهند “SAGAR” و “SAGARMALA”، مصدراً لاستكشاف الإمكانات للبلاد والحلفاء في المنطقة، عند تعزيزها بشكل متبادل، وقد قدمت نيودلهي هذه المشاريع لتعزيز تحالف الدول الأعضاء ضد أي اضطراب محتمل في منطقة الهند والمحيط الهادئ.

وقد أعربت الهند عن رغبتها في المضي قدماً في طريق تحقيق الترابط القوي في المنطقة، من خلال تعزيز الترابط البحري، مع رسم خارطة طريق توضح الخطوات التي سيتم اتخاذها في هذا الصدد للحفاظ على منطقة حرة ومفتوحة للهندوباسفيك (Indo-Pacific free and open)

توسيع نطاق التعاون:

لقد آمنت الهند بالنهج الإقليمي المتقدم، لتغيير المنطقة من الاقتصاد “البني” الحالي إلى الاقتصاد “الأزرق”، كنظرة اقتصادية مستقبلية للقارة الآسيوية الصاعدة،وتتطلع الهند إلى تعزيز موطئ قدمها ومضاعفة نطاق أنشتطها في المنطقة، وهو ما يتضح من خلال تعزيز التعاون والشراكات بين الهند وباقي دول الهندوباسفيك في إطار سياستها الخارجية لتعزيز التعاون في مجالات: التجارة والاستثمار والدفاع والأمن، التعليم والعلوم والتكنولوجيا والأمن السيبراني والتكنولوجيا العالية والطاقة النووية المدنية وتكنولوجيا الفضاء وتطبيقاته والطاقة النظيفة، والبيئة، والزراعة، والصحة.

كما تميل الهند إلى بناء شراكات جديدة من منظور أوسع للمصالح المشتركة، بدلاً من التحالفات الأيديولوجية، وهو ما يمكن تحقيقه بشكل أفضل من خلال سياستها (Act East Policy) وسياسة الهندوباسفيك (Indo-Pacific).

ولهذا الغرض؛ قامت نيودلهي بمزيد من تعزيز العلاقات مع رابطة أمم جنوب شرق آسيا “الآسيان” (ASEAN) في إطار استراتيجيتها (Indo-Pacific)، كما أن سياسة الهند “التحرك شرقًا” (Act East Policy)، توفر طريقاً استراتيجياً للمبادرات الرامية لتعزيز تعاونها مع أعضاء رابطة “الآسيان” (ASEAN)، واليابان، وتحاول الهند تطوير شراكاتها الدفاعية والتعاون في مجال حماية البيئة والتجارة والاستثمار مع شركائها في الآسيان (ASEAN) وأعضاء BIMSTEC أيضاً.

وأخيراً؛ تميل الهند نحو زيادة قدراتها الخاصة لتوسيع نطاق أنشطتها في المحيط الهندي والمحيط الهادئ، من خلال تحسين شبكة المراقبة الساحلية التابعة لها، وهي عبارة عن سلسلة من الرادارات توفر الرصد الحي الشامل لتحركات السفن في منطقة المحيط الهندي وتربط الرادارات الهندية بأنظمة مماثلة في سريلانكا والمالديف وموريشيوس وسيشيل لحماية المنطقة بآلية دفاع قوية.

لذلك، كانت الهند دائماً مهتمة بمنطقة الهندوباسفيك (Indo-Pacific)، من خلال تدابيرها السلمية وسياساتها الشاملة التي تميل إلى ضمان منطقة آمنة وخالية من الإرهاب مع شراكة اقتصادية واستراتيجية في المنطقة، وهو أمر تعتبره دلهي لا مفر منه للنمو الشامل للدول الأعضاء وكذلك أصحاب المصلحة الآخرين، وفقاً لما تقتضيه المرحلة الراهنة، لكن هذه التوجهات تواجه تحديات متعددة بسبب استراتيجية “خيط اللؤلؤ”  (String of Pearls)التي تنتهجها الصين، بالإضافة إلى تبني العديد من الآليات للضغط على الصين ومع ذلك ، فإن الهند بسياساتها السلمية القوية القائمة على الاحتواء واللاعنف، مستعدة لمواجهة هذا التحدي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%86%d8%af/