حالة طهران:

تحولات الداخل والسياسة الخارجية الإيرانية (حلقة نقاشية)
حالة طهران:
18 مايو، 2022

عقد “إنترريجونال” للتحليلات الاستراتيجية حلقة نقاشية، يوم 11 مايو الجاري، بعنوان “حالة طهران: تحولات الداخل والسياسة الخارجية الإيرانية”، استضاف خلالها د. محمد عباس ناجي الخبير بالشؤون الإيرانية ورئيس تحرير دورية “مختارات إيرانية” بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. وقد تناولت الحلقة النقاشية المداخل الرئيسية لفهم الطريقة التي تفكر بها طهران، والتحوُّلات الحالية والمُتوقَّعة في الداخل الإيراني، والتحوُّلات المتوقعة في السياسة الخارجية الإيرانية.

محددات حاكمة

استهل د. ناجي حديثه في الحلقة النقاشية بتأكيد أنه يمكن فهم الطريقة التي تفكر بها إيران من خلال بعض المداخل التي يمكن توضيحها عبر ما يأتي:

1– السعي إلى تحقيق هدف “القوة الإقليمية الرئيسية”: تسعى إيران، عبر جميع تحركاتها التي تقوم بها في المنطقة أو حتى في تفاعلاتها مع القوى الدولية، وخصوصاً قوى مجموعة 4+1 التي تتفاوض طهران معها حالياً في فيينا حول الاتفاق النووي إلى أن تكون “القوة الإقليمية الرئيسية” في المنطقة، لا إلى أن تكون “قوة إقليمية رئيسية” من بين قوى متعددة، على اعتبار أن قبول طهران بأن تكون مجرد قوة إقليمية رئيسية يعني أن هناك قوى أخرى منافِسة لها، وربما تتفوَّق عليها هذه القوى في الهيمنة. وتحاول إيران تحقيق هذا الهدف عبر مجموعة من الآليات، أبرزها الانخراط في مفاوضات جديدة مع القوى الدولية بدلاً من قوى المنطقة.

2– ثبات في الاستراتيجية مع إمكانية تغيير التكتيكات: لا تُغير إيران سياستها بسهولة مهما كانت الظروف. وقد تُغيِّر التكتيكات فقط، لكن لا تغير استراتيجيتها بطريق مباشر. وربما يكون السبب الوحيد الذي قد يدفع إيران إلى إحداث تغيير جذري في سياستها، هو وجود خطر خارجي عليها، وأن يكون هذا الخطر قريباً منها. ويدلل على ذلك – على سبيل المثال – أن تنشيط إيران لبرنامجها النووي في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تكن بالقدر الحالي؛ بسبب شعور طهران بتهديد جادٍّ من جانب واشنطن حينها؛ حيث كانت تتحسَّب لإمكانية الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

3– التمدد في الخارج لوجود شعور تاريخي بالانكماش: لدى إيران شعور تاريخي بالانكماش؛ حيث كانت في السابق إمبراطورية كبيرة وحدودها واسعة، لكن التدخلات الخارجية أدت إلى تراجع حدود إيران بالشكل القائم حاليّاً. وعلى سبيل المثال، دخلت إيران في حربَين ضد روسيا في عهد القاجار، وخسرت طهران الحربين واقتطعت روسيا خلالهما أجزاء كبيرة من إيران. ودائماً ما يدفع شعور إيران بالانكماش إلى الإصرار على سياسة التمدد في الخارج، في ضوء وجود قناعة لديها بأهمية إدارة الصراعات ضد الخصوم بعيداً عن أراضيها.

4– تجاوز الخطاب الأيديولوجي للنظام حدود البلاد: لا تستوعب حدود إيران الحالية الخطاب الأيديولوجي للنظام الإيراني العابر لهذه الحدود. ويتسق مع ذلك وجود هلال شيعي، رغم أن هذا الهلال مبسط للغاية؛ لأنه لا يمتد إلى مناطق تتمتع إيران بنفوذ فيها. ويمتد الهلال الشيعي من إيران ويمر بالعراق إلى سوريا ولبنان وينتهي في اليمن. وبات قادة النظام الإيراني يعتبرون أن “النموذج الثوري” يجب أن يصل إلى كل منطقة فيها شيعة أو فقراء بوجه عام. ولذلك يوجد حضور لإيران في بعض الدول في أمريكا اللاتينية وداخل بعض الدول الآسيوية وفي دول إفريقية مثل نيجيريا وموزمبيق والصومال على سبيل المثال.

5– اتباع آليات متعددة للتصدي للأخطار الخارجية: يدفع تخوف إيران الدائم من الخطر الخارجي طهران إلى اتباع أكثر من آلية، يأتي على رأسها تطوير برنامج الصواريخ الباليستية. ويعتبر هذا البرنامج هو الأداة الرئيسية في استراتيجية الردع الإيرانية ضد الخصوم. وتتمثل الآلية الثانية في الإصرار على رفع مستوى الأنشطة النووية للاقتراب من مرحلة “العتبة النووية”. ودائماً ما تقول إيران إن برنامجها النووي للأغراض السلمية، لكن هناك إشكاليات كثيرة تُضفي نوعاً من الشكوك على هذه المقاربة.

تحولات الداخل

تطرَّق د. عباس ناجي إلى مجموعة من التحوُّلات التي شهدها الداخل الإيراني في الفترة الأخيرة، كما قدَّم توقُّعاته للتحوُّلات المتوقَّعة داخل طهران في الفترة المقبلة. وتتمثل هذه التحولات فيما يأتي:

1– سيطرة مؤقتة لتيار المحافظين الأصوليين: توجد سيطرة حالية لتيار سياسي واحد على دوائر صنع القرار في إيران، وهو تيار المحافظين الأصوليين الذي يقوده الرئيس إبراهيم رئيسي ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف. ورغم أن هذا التيار نجح في تعزيز نفوذه في كل دوائر صنع القرار في النظام، فإن سيطرته على المشهد مؤقتة. وهنا يجب الانتباه إلى أن إيران توجد فيها ظاهرة الثنائيات؛ حيث يوجد لكل شيء اثنان؛ حيث يوجد إصلاحي ومحافظ، كما يوجد جيش وحرس ثوري، وتوجد جمهورية وإسلامية. وتوجد أسباب كثيرة لهيمنة تيار المحافظين الحالية على المشهد، منها اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني، وتزايد الضغوط الأمريكية على إيران؛ إذ إنه عندما يعزز اليمين الأمريكي نفوذه في الولايات المتحدة فإنه يعزز نفوذ اليمين الإيراني.

2– احتمال انقسام تيار المحافظين الأصوليين: تتزايد احتمالات انقسام تيار المحافظين الأصوليين إلى أكثر من جناح سياسي، ومن المتوقع أن يكون هناك تيار تابع للرئيس، وتيار تابع لأقطاب التيار المحافظ داخل مجلس الشورى. كما يُتوقَّع سماح النظام الإيراني لهذا التيار بالانقسام؛ وذلك في إطار حرص النظام على عدم الاعتماد على خيار أو تيار سياسي واحد، على اعتبار أن هذا الأمر سيسمح بحدوث عملية فرز سياسي داخل التيار المسيطر لتتأسس أجنحة سياسية متنافسة. ويُفضِّل المرشد الأعلى سياسة الازدواجية والثنائيات في التعامل مع التيارات السياسية.

3– إمكانية تشكُّل تيار باسم “المحافظين الجدد”: تتزايد احتمالات تشكُّل تيار جديد في إيران في الفترة المقبلة تحت اسم “المحافظين الجدد”، يُحتمل أن يضم المحافظين التقليديين وبعض المحافظين الأصوليين الذين تم تهميشهم، مثل علي لاريجاني الذي رُفض ترشيحه لرئاسة الجمهورية، رغم أنه من الشخصيات النافذة في إيران؛ حيث كان رئيساً لمجلس الشورى ومستشاراً للمرشد، ومع ذلك رفض مجلس صيانة الدستور ترشيحه لرئاسة الجمهورية. ومن المتوقع أن يضم التيار الجديد المحتمل الرئيس السابق حسن روحاني الذي لم يظهر بعدُ منذ خروجه من منصبه، بما يعني أنه تم تهميشه بسبب تحميل النظام له مسؤولية انهيار الاتفاق النووي.

4– محاولة الإصلاحيين العودة إلى السلطة مجدداً: يحاول الإصلاحيون العودة مجدداً إلى السلطة وعباءة النظام عبر استثمار الأزمات الحالية التي تواجه إيران. ورغم أنه يُقال إن الرئيس الأسبق محمد خاتمي يتعرَّض لقيود شديدة منعته – على سبيل المثال – من السفر لخارج إيران لأكثر من عقد، فإنه قام بتحرُّكات في الفترة الأخيرة، على غرار لقائه أعضاء مجمع روحانيون مبارز، وهي منظمة سياسية تابعة لتيار الإصلاحيين، وهو ما يعني وجود محاولة لتوجيه رسائل مفادها أن هذا التيار موالٍ للنظام ومؤمن بولاية الفقيه. ويتعرض بعض قادة هذا التيار كذلك لضغوط وإقامات جبرية، مثل مهدي كروبي ومير حسين موسوي. وقد تدفع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية النظام إلى تقليص القيود المفروضة على الإصلاحيين مرة أخرى، خاصةً في حالة الوصول إلى صفقة نووية في فيينا.

5– استياء الجيش من تصاعد نفوذ الحرس الثوري: برز استياء من جانب الجيش الإيراني في الفترة الأخيرة بسبب تصاعد نفوذ الحرس الثوري. ويأتي تصاعد نفوذ الحرس الثوري بسبب الطريقة التي تشكَّل من خلالها؛ حيث شكَّله رجال الدين بعد ثورة عام 1979 لوجود شكوك لديهم في ولاء الجيش، ولحماية النظام من الجيش. وتوسَّع الحرس الثوري بعد ذلك تدريجياً ليقوم بمعظم المهام التي كان من المفترض أن يقوم بها الجيش. كما توسَّع دور الحرس الثوري ليطال العديد من المجالات داخل إيران. ورغم حرص النظام الإيراني على توجيه رسائل بأن هناك تنسيقاً مشتركاً بين الجيش والحرس الثوري، فإن الجيش بدأ يُبدي استياءه من نفوذ الأخير، ويدلل على ذلك تصريحات صدرت مؤخراً بهذا الخصوص من جانب مساعد الشؤون التنسيقية للقائد العام للجيش الإيراني الأدميرال حبيب الله سياري بهذا الخصوص.

6– استمرار الاحتجاجات على الأوضاع المعيشية: تصاعدت حدة الأزمات التي تفرضها ظواهر مثل الجفاف والتصحُّر والأزمة الاقتصادية، ومنها الاحتجاجات التي برزت بدرجة لافتة في الفترة الأخيرة. وفي ضوء وجود توقُّعات بتزايد تأثيرات هذه الظواهر البيئية على إيران، فإن ذلك سيؤدي بالتبعية إلى استمرار الاحتجاجات المعيشية داخل إيران خلال المرحلة القادمة؛ بسبب تزايد معدلات الفقر والبطالة. وسوف تؤثر المسارات المحتملة للمفاوضات في فيينا على قدرة الحكومة على احتواء تلك الأزمات.

7– تراجع قدرة قوى المعارضة على تهديد النظام: نجحت المعارضة الإيرانية التي تتزعَّمها زعيمة منظمة مجاهدي خلق مريم رجوي في الخارج في لفت انتباه القوى الدولية إلى ما يحدث في الداخل الإيراني، مثل انتهاكات حقوق الإنسان والبرنامج النووي الإيراني. ورغم ذلك، لا يمكن القول إن المعارضة تمكَّنت من تشكيل تهديد للنظام الإيراني من الداخل بسبب عدم تمتُّعها بوجود كبير على الأرض في إيران. ومن الواضح أن القوى الدولية منتبهة لذلك، وربما تستخدم هذه القوى المعارضة وتوظفها لممارسة ضغوط على المعارضة في الفترة الماضية وربما في الفترة اللاحقة.

سياسات الخارج

أكد د. عباس ناجي أن أبرز التحولات المتوقعة في السياسة الخارجية الإيرانية المقبلة ستدور حول مجموعة من الاتجاهات التي يمكن استعراض أبرزها من خلال ما يأتي:

1– تزايد السياسة التصعيدية الإيرانية بالمنطقة: سوف تتزايد السياسة التصعيدية من جانب إيران في المنطقة أياً كان السيناريو الذي سوف تنتهي إليه مفاوضات فيينا. وستواصل إيران دعم وكلائها في المنطقة، سواء نظام الأسد أو الميليشيات المسلحة في دول الأزمات. ويمكن القول إنه في حال التوصُّل إلى اتفاق نووي، فإن الدعم الإيراني للميليشيات في الإقليم سيتزايد، على اعتبار أن التوصل إلى صفقة سيترتب عليه رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران ومن ثم ستحصل طهران على أموال بالعملة الصعبة، ومن ثم سيُمكِّن هذا الوضع إيران من زيادة الدعم لحلفائها.

2– رفض تقديم تنازلات في الخلافات مع الجوار: لا توجد لدى إيران نية لتقديم تنازلات في ملفات خلافية رئيسية مع دول الجوار. ويأتي توقُّع حدوث هذا الأمر في ضوء عدم تقديم إيران تنازلات في المفاوضات مع القوى الدولية، على غرار رفضها امتداد القيود المفروضة عليها لفترة بعيدة، ونجاحها في منع مد الحظر المفروض على الأنشطة الخاصة بالصواريخ الباليستية الإيرانية إلى ما بعد 18 أكتوبر 2023. ولا يُتوقَّع أن تستجيب إيران لمطالب تسوية الملف اليمني إلا إذا أدت إلى تمكين ميليشيا الحوثي من الحكم. ويُشار في هذا الصدد إلى أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان صدَّر أزمة كبيرة لإيران في ضوء الخصومة التاريخية بين طهران وحركة طالبان.

3– تَمَاهٍ تكتيكي مع اتجاهات التهدئة في المنطقة: تعتبر سياسة الحوار التي تتبناها إيران تكتيكية للتماهي مع اتجاه التهدئة في الإقليم ولخدمة أهدافها في المفاوضات النووية؛ حيث تحاول طهران أن تُظهر أنها متوافقة مع السياسات والتحرُّكات التي تُجرَى من جانب العديد من دول المنطقة لإصلاح علاقات بعضهم ببعض، على غرار التحرُّكات التي تقوم بها تركيا في الفترة الحالية من أجل تطبيع علاقاتها بالعديد من دول المنطقة. وتعود هذه السياسة في المقام الأول إلى حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي، ولا يوجد ما يؤشر على أنها تُعبِّر عن توجُّهات المرشد أو الحرس الثوري.

4– رفع كلفة حضور واشنطن العسكري بالمنطقة: ستواصل إيران ممارسة ضغوط على الوجود والمصالح الأمريكية في المنطقة، وستبقى هذه الضغوط مهما كانت نتائج مفاوضات فيينا. ولن تتنازل إيران عن رفع كلفة العملية العسكرية الأمريكية التي أدت إلى مقتل قاسم سليماني. ومن المتوقع استمرار المساعي التي يقوم بها الحرس الثوري الإيراني لرفع كلفة الوجود الأمريكي في المنطقة.

وختاماً.. توقع د. عباس ناجي استمرار مسار التصعيد بين إيران وإسرائيل، سواء تم التوصُّل إلى اتفاق نووي أم لا. وأوضح أنه في حالة التوصل إلى اتفاق نووي، ستركز إسرائيل على تحييد خطر البرنامج النووي الإيراني بشن عمليات نوعية في الداخل الإيراني عبر هجمات سيبرانية أو اغتيال علماء نوويين أو غيرها. وأكد أنه رغم أن إيران كانت تحرص دائماً على تجنُّب المواجهات المباشِرة مع إسرائيل، فإن من الملاحظ بروز اتجاه جديد داخل طهران للدخول في مواجهات مباشِرة على غرار هجوم إيران الأخيرة على مصالح إسرائيلية في أربيل كما تقول.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%ab%d8%a7%d8%a8%d8%aa%d8%a9/