استراتيجية مفقودة:

مستقبل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في 2022 (حلقة نقاشية)
استراتيجية مفقودة:
5 مارس، 2022

عقد “إنترريجونال” للتحليلات الاستراتيجية في فبراير 2022 حلقة نقاشية بعنوان “استراتيجية مفقودة: السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في 2022″، استضاف خلالها كلاً من الدكتور/ جون كالابريس أستاذ السياسة الخارجية الأمريكية في الجامعة الأمريكية بواشنطن العاصمة، والبروفيسور/ ديفيد دي روش الأستاذ في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية في جامعة الدفاع، والدكتور/ ماثيو كرونيج وهو أستاذ علوم سياسية في جامعة جورج تاون ومدير مدير مبادرة سكوكروفت الاستراتيجية ومدير الدراسات بأتلانتيك كاونسل، والدكتورة/ آنا بورشيفسكايا، وهي وزميلة أولى في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى؛ وذلك بحضور باحثي المركز في أبو ظبي، وبمشاركة بعض باحثي المركز من القاهرة. .أدار حلقة النقاش ديل سبروسانسكي نائب مدير التحرير في مجلة تقرير واشنطن لشؤون الشرق الأوسط

محددات رئيسية

أشار المشاركون في الحلقة النقاشية إلى أن تحليل الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط يتعين أن ينطلق من ثلاثة مستويات تحليلية رئيسية، هي:

1- تصاعد تعقيدات السياق الدولي: خلق السياق الدولي الراهن ظروفاً معقدة أمام الإدارة الأمريكية الحالية، وهو ما فرض على أجندتها عدداً من القضايا، مثل جائحة كورونا، والتغير المناخي والصراع مع الصين والأزمة الأوكرانية الروسية وانعكاساتها على الأمن الأوروبي.

2- تزايد حالة عدم اليقين الإقليمي: لا تزل هناك حالة من عدم اليقين في منطقة الشرق الأوسط، خلقت تحديات كبيرة أمام صانعي القرار الأمريكيين؛ فهناك العديد من الصراعات القائمة. صحيح أن هناك إشارات إيجابية نحو تهدئة التوترات في المنطقة، إلا أن هذه المؤشرات غير كافية.

3- تنامي ضغوط الداخل الأمريكي: تشكل قضايا الداخل أولوية لإدارة بايدن؛ فالإدارة مطالبة بالتعامل مع عدد من الملفات مثل أزمة كورونا وتداعياتها، والمشكلات الاقتصادية التي يواجهها الأمريكيون، ويتم التعامل مع هذه الملفات في ظل بيئة تتسم بالاستقطاب حتى في داخل حزب الرئيس “بايدن”.

ملامح عامة

اتفق المشاركون في الحلقة النقاشية على أن الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط سوف يستمر، لكنه سيكون وفقاً لأنماط وأشكال مختلفة. وترتبط هذه الفرضية بعدد من الأبعاد الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- أهمية مصادر الطاقة على المديين القصير والمتوسط: أشار بعض المشاركين في الحلقة إلى أن الولايات المتحدة ستكون أقل اعتماداً على مصادر الطاقة (النفط والغاز) بالمنطقة على المدى الطويل، إلا أنه على المديين القصير والمتوسط ستظل الولايات المتحدة مهتمة بمصادر الطاقة في المنطقة لاعتبارات رئيسية، في مقدمتها الأزمة الحالية في أوكرانيا وانعكاساتها على إمدادات الغاز لأوروبا.  

2- إعطاء الأولوية التحولات الاستراتيجية الدولية: من المتوقع دخول مجتمع السياسة الأمريكي في فترة يُنظر فيها إلى التطورات الإقليمية من خلال عدسة التحولات الاستراتيجية الدولية؛ ففي المرحلة الأولى 1.0 كانت الولايات المتحدة تنظر إلى التطورات من منظور الحرب الباردة، وفي المرحلة الثانية2.0  فسرت واشنطن التطورات من خلال الحرب على الإرهاب، ولكن الآن يبدو أننا بصدد المرحلة 3.0 التي من خلالها سينظر السياسيون الأمريكيون إلى الشرق الأوسط من خلال المنافسة بين القوى العظمى.

3- قدرة الولايات المتحدة على القيادة في نظام تعددي: ربما لا تمتلك إدارة بايدن استراتيجية كبرى أو تسعى إلى تقديم أفكار أو وعود قصوى يمكن ألا يتم تنفيذها والوفاء بها، لكن الرئيس الأمريكي يعتبر ذا نهج دولي Internationalist ويؤمن بتعددية الأطراف Multilateralist، كما أن لديه اعتقاداً راسخاً أن الولايات المتحدة تستطيع ويجب عليها أن تلعب دوراً قيادياً في الشؤون الدولية.

4- تطوير أنماط جديدة للحضور العسكري الأمريكي: من غير الصحيح أن الولايات المتحدة ستغادر المنطقة عسكرياً. وتراهن واشنطن في الوقت الحالي على إيجاد أنماط جديدة للحضور العسكري في المنطقة، بعيداً عن نشر القوات بصورة كبيرة. ولا يمكن القول إن تراجع أعداد القوات الأمريكية في المنطقة دليل على الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط؛ فالدور الأمريكي ربما يتم قياسه بأدوات خاطئة، مثل عدد الجنود المتمركزين في دولة ما.

5- تجنب الدخول في الصراعات الإقليمية الممتدة: ثمة ملحوظة رئيسية يكشف عنها الدور الأمريكي الراهن في المنطقة في ظل إدارة بايدن، وهي متعلقة بتجنب الدخول في الصراعات الممتدة بالمنطقة، وترك مسؤولية تسوية هذه الصراعات لدول المنطقة. ويشكل الصراع اليمني نموذجاً هاماً على هذا التوجه.

معضلة بكين

أشار المشاركون في الحلقة إلى أن التنافس الصيني الأمريكي في المنطقة آخذ في التصاعد، وأن هذا التنافس سينعكس على التفاعلات القائمة بالمنطقة من خلال عدد من الأبعاد الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- بلورة سياسة أمريكية لتطويق النفوذ الصيني: بالرغم من أن الإدارة الأمريكية لم تطور حتى الوقت الراهن استراتيجية محددة تجاه الصين، فإنها تعتمد بصورة رئيسية على فكرة الديمقراطية ضد الأوتوقراطية. وبناءً على هذه الفكرة تنظر الإدارة الأمريكية إلى الصين بوصفها تهديداً لها. وقد حرصت إدارة بايدن على مواجهة النفوذ الصيني من خلال عدة مبادرات، مثل تحالف أوكوس، وإحياء تحالف كواد الذي يضم الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان.

2- انتقال الاستقطاب من أوكوس إلى الشرق الأوسط: تثير قضية التنافس مع الصين في الشرق الأوسط جدلاً كبيراً داخل واشنطن، حسب المشاركين في الحلقة؛ فثمة فريق، وهو يمثل أقلية، يرى أن المنافسة مع الصين هي منافسة في آسيا، بينما يرى فريق آخر، وهو الأغلبية، أن التحدي الصيني هو تحدٍّ عالمي، وأنه يجب على الولايات المتحدة خوض المنافسة في جميع الاتجاهات بما فيها الشرق الأوسط. ويعني هذا الأمر أن استقطاب الطرفين بدأ ينتقل إلى الشرق الأوسط.

3- تصاعد القلق الأمريكي من تمدد الصين بالإقليم: أوضح عدد من المشاركين في الحلقة أن هناك عدداً من المؤشرات المقلقة لواشنطن بخصوص الحضور الصيني بمنطقة الشرق الأوسط، فالصين لديها حضور ونفوذ متزايد في المنطقة، كما أن %50 من صادرات النفط في الصين تأتي من المنطقة، كما أنها الشريك التجاري الأول لـ 11 دولة في الشرق الأوسط، وهي الأرقام التي تتزايد بمرور الوقت. كما بدأت الصين توفر أسلحة للمنطقة. وتشكل العلاقات الإيرانية الصينية مصدراً كبيراً للقلق الأمريكي.

4- تزايد احتمال حدوث توتر بين واشنطن وحلفائها: ربما يثير الوجود الصيني في منطقة الشرق الأوسط بعض الإشكاليات والتوترات في العلاقات بين واشنطن وحلفائها؛ حيث تتخوف الولايات المتحدة من موقف شركائها وحلفائها؛ لأن العديد من الشركاء التقليديين يعززون التعاون مع الصين. وربما يبدو الأمر منطقياً؛ حيث إن الشراكة مع الصين توفر مزايا اقتصادية كبيرة.

5- تحديد واشنطن حدود علاقة شركائها بالصين: قد تلجأ واشنطن إلى التواصل مع شركائها في المنطقة من أجل تحديد حيز العلاقة المسموح به مع الصين؛ وذلك من خلال عدد من المداخل، ومنها تأكيد أهمية الاستقلال الاقتصادي لدول المنطقة عن الصين، ووضع واشنطن قيوداً على استخدام التكنولوجيا الصينية، وتوظيف النهج الانتقائي في تعامل دول المنطقة مع الصين، وتقديم حوافز لدول المنطقة لتجنب التعاون مع الصين.

التحدي الروسي

أوضح المشاركون أن الحضور الروسي المتصاعد انعكس على الدور الأمريكي في المنطقة، مشيرين إلى أن تحليل السياسة الروسية في المنطقة يستحضر عدداً من الأبعاد الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- توظيف روسيا الأزمة السورية في السياسة الخارجية: بالرغم من الخطوات الصغيرة دبلوماسياً وتجارياً التي اتخذتها موسكو في المنطقة قبل التدخل العسكري في سوريا، فإن الأزمة السورية هي التي أعادت موسكو بصورة رسمية وواضحة إلى منطقة الشرق الأوسط؛ حيث تمثل سوريا مدخلاً لبعض الملفات والقضايا الهامة لروسيا في المنطقة.

2- فقدان واشنطن السيطرة على التحركات الروسية: تثير السياسة الروسية في المنطقة تساؤلاً بشأن مدى قدرة واشنطن على السيطرة على موسكو وتصرفاتها؛ إذ يبدو أن واشنطن تعاني من معضلة السيطرة التامة على موسكو، والدليل على ذلك أزمة أوكرانيا القائمة. كما أن واشنطن تعاني من غياب استراتيجية واضحة تجاه روسيا أو تدخلها في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في الملف السوري.

3- تأسيس روسيا محوراً إقليمياً معادياً للولايات المتحدة: من المرجح أن يستمر التقارب الإيراني الروسي في الفترة القادمة؛ حيث إن مقاربة بوتين تجاه المنطقة تقوم في الأساس على إقامة علاقات مع كافة الأطراف، ولكن العلاقات الأعمق تكون مع الأطراف المعادية لواشنطن، مثل إيران ونظام بشار الأسد وحزب الله.

4- التخوف من التحالف الروسي الصيني في المنطقة: ثمة تخوف قائم من خلق تحالف بين روسيا والصين في المنطقة، وخاصة أن الدولتين لديهما بالفعل شراكة استراتيجية ولا يحتاجون اتفاقية رسمية للقيام بالعديد من الأشياء التي تضر مصالح الولايات المتحدة. كما يبدو أن هناك تقسيماً للعمل بطريقة ما بين بكين وموسكو؛ حيث تعتبر روسيا قوية في المجال العسكري، بينما تعد الصين قوية من الناحية الاقتصادية.

اتجاهات متوقعة

في ختام الحلقة النقاشية، خلص المشاركون في الحلقة من المتحدثين الرئيسيين إلى عدد من الأفكار الرئيسية، ويتضح ذلك عبر ما يلي:

1- استبعاد نهاية الدور الأمريكي في المنطقة: من غير المرجح أن ينتهي الدور الأمريكي في المنطقة، بل ستظل الولايات المتحدة الطرف الدولي الأكثر تأثيراً في المنطقة على أقل تقدير في المستقبل المنظور. وفي هذا الإطار، ربما تكون الإشكالية الرئيسية متعلقة بالمدركات والتصورات perceptions السائدة في المنطقة بأن الولايات المتحدة انسحبت من الشرق الأوسط، وهي التصورات التي تحتاج إلى معالجة حقيقية؛ لأن الولايات المتحدة لا تزال باقية في المنطقة.

2- ثبات المصالح الحيوية الأمريكية في الإقليم: ترتبط إدارة بايدن بالمنطقة عبر مجموعة من المصالح الحيوية، وفي مقدمتها استمرار أهمية مصادر الطاقة في المنطقة على المديين القصير والمتوسط؛ لاعتبارات رئيسية، في مقدمتها الأزمة الحالية في أوكرانيا وانعكاساتها على إمدادات الغاز لأوروبا. علاوة على ذلك، فإن واشنطن تضع ضمن مصالحها وأولوياتها الحيوية في المنطقة عدداً من المسائل، على غرار الحفاظ على الممر الآمن للنفط، وتجنب وجود قوة عدائية في المنطقة.

3- تطوير أنماط جديدة للحضور العسكري الأمريكي: تعمل إدارة بايدن على تطوير أنماط جديدة للحضور في المنطقة، وخاصة من الزاوية العسكرية؛ إذ يبدو أن واشنطن تراهن على إيجاد أنماط جديدة للحضور العسكري في المنطقة، بعيداً عن نشر القوات بصورة كبيرة. وعلى سبيل المثال، تركز السياسة الأمريكية الجديدة على تطوير البنية التحتية وشبكات النقل اللوجستية والموانئ مع دول المنطقة.  

4- الضغط على دول الإقليم لتحجيم التعاون مع الصين: يُرجح أن يدفع التطور الحادث في العلاقات بين الصين وعدد من الشركاء الإقليميين لواشنطن في المنطقة، الولايات المتحدة إلى التواصل مع شركائها من أجل التوقف عن تطوير علاقاتها مع بكين، وتحديد المساحات المحظورة في التعامل مع الصين، وكذلك المساحات المسموح بها.

وختاماً، أكد المشاركون في الورشة أن الولايات المتحدة ستركز بصورة أساسية على التصدي للتهديدات التي يخلقها الحضور الروسي والصيني في الشرق الأوسط، خصوصاً أن كلتا الدولتين تنظران إلى الولايات المتحدة كخصم لهما، وتجمعهما علاقة جيدة مع إيران بهدف تأسيس محور معادٍ للولايات المتحدة في المنطقة، كما أن الدولتين تطمحان إلى الحد من النفوذ العالمي للولايات المتحدة، والمشاركة في قيادة النظام الدولي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%81%d9%82%d9%88%d8%af%d8%a9/