استعادة الدور:

أولويات عمل الاستخبارات المركزية الأمريكية تحت رئاسة وليام بيرنز
استعادة الدور:
20 أبريل، 2021

في إطار المصادقة على تعيين أعضاء الفريق الرئاسي للرئيس جو بايدن؛ عقدت لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ الأمريكي جلسة استماع للدبلوماسي الأمريكي المخضرم وليام بيرنز المرشح لتولي منصب مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية. ويمكن تناول سياقات انعقاد الجلسة وأبرز ما جاء فيها؛ وذلك على النحو التالي:

أولًا: أبرز توجهات وليام بيرنز

يمكن تناول خبرات وليام بيرنز وأبرز توجهاته؛ وذلك على النحو التالي:

1– سعي بايدن إلى الاستفادة من ذوي المهارات والخبرات الواسعة: يتمتَّع وليام بيرنز بخبرات دبلوماسية وسياسية عريضة؛ حيث سبق أن عمل دبلوماسيًّا مع خمس إدارات ديمقراطية وجمهورية لمدة تزيد عن 33 عامًا،كما شغل عدة مناصب في وزارة الخارجية، وقد شمل ذلك المساعد الخاص للوزيرين وارن كريستوفر ومادلين أولبرايت، ومستشارًا برتبة وزير للشؤون السياسية في السفارة الأمريكية في موسكو، والسكرتير التنفيذي لوزارة الخارجية، ومديرًا بالنيابة، والنائب الأول لمدير موظفي التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، وكبير مديري شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي.

ولعل أبرز المحطات في تاريخ بيرنز الدبلوماسي هي شغله منصب سفير الولايات المتحدة في الأردن من 1998 حتى 2001، وكذلك سفيرها لدى روسيا من 2005 حتى 2008. وشغل بيرنز أيضًا منصب نائب وزير خارجية الولايات المتحدة من 2011 حتى تقاعده في عام 2014.

2– توجه لتوظيف الدبلوماسية في عمل الاستخبارات: يأتي ترشيح الرئيس الأمريكي للدبلوماسي الأمريكي المخضرم وليام بيرنز في إطار تأكيد بايدن المستمر لعودة الدبلوماسية الأمريكية؛ حيث أشار الرئيس الأمريكي إلى أن الدبلوماسية الأمريكية قد عادت، مشددًا على ضرورة الالتزام بها، ومنتقًدا الإدارة الأمريكية السابقة التي تجاهلت هذا الأمر، وأضرت بتحالفات الولايات المتحدة، وسُمعتها في العالم.

وفي هذا السياق، يمكن أن يُفهم ترشيح بايدن الدبلوماسي الأمريكي المخضرم لتولي منصب مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية، بالرغم من خبراته الاستخباراتية المحدودة. ولعل هذا ما دفع البعض إلى انتقاد قرار بايدن باعتباره تكرارًا لخطأ ترامب عندما عين مايك بومبيو صاحب الخلفية الاستخباراتية على رأس وزارة الخارجية، بيد أن الرئيس بايدن ونائبته كمالا هاريس يريان أن بيرنز قادر بحكم خبرته الطويلة على ضمان تحقيق الأمن القومي الأمريكي.

3– معارضة سياسة الضغوط القصوى على طهران: قاد بيرنز المفاوضات السرية مع إيران عام 2013، وكان له دور كبير في التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني، ويتهمه البعض بأنه قدَّم الكثير من المحفزات لطهران لقبول الوصول إلى الاتفاق النووي الذي تم التوصُّل إليه في عام 2015، وانسحب منه الرئيس السابق ترامب على نحو أحادي في عام 2018. ومن ثم يمكن أن يُعطي ترشيح بيرنز بعض الدلالات حول التوجهات المستقبلية لإدارة الرئيس بايدن تجاه الملف النووي الإيراني.

يذكر أن بيرنز قد شكك في وقت سابق في جدوى العقوبات الأمريكية على إيران؛ وذلك في تعليقه على استراتيجية الضغوط القصوى التي اتبعها الرئيس السابق ترامب ضدها؛ حيث رأى أن العقوبات لن تؤدي إلى تغييرات كبيرة، ولن تؤدي إلى استسلام النظام ورفعه الراية البيضاء، بالرغم من تأثيرها السلبي عليه.

4– توظيف بيرنز خبراته الواسعة بشؤون الشرق الأوسط وروسيا: يتمتع بيرنز بخبرات طويلة بالشؤون الروسية وشؤون الشرق الأوسط. ولعل هذا يرجع إلى عاملين؛ أولهما اهتمامه الكبير والمبكر بمنطقة الشرق الأوسط؛ ففي عام 1984 عندما كان عمره 28 عامًا فقط، أصدر كتابه “المساعدات الاقتصادية والسياسة الأمريكية تجاه مصر من 1955–1981″، وثانيهما سنوات عمله الطويلة سفيرًا لبلاده في روسيا والأردن. وفي هذا الصدد، نجد أن بيرنز يجيد اللغات العربية والروسية والفرنسية، بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية.

5– دعم الاعتماد على الآليات التفاوضية لحل الأزمات: يُعَد بيرنز من أنصار فكرة التفاوض لحل الأزمات؛ حيث يهتم كثيرًا بقضايا السلام وحل النزاعات، ولا يزال إلى الآن يترأس مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وهو أقدم مركز أبحاث للشؤون الدولية في الولايات المتحدة. ولعل هذا يتسق مع خلفيته الأكاديمية كدارس للقانون والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى تمرُّسه الطويل والعميق في العمل الدبلوماسي؛ حيث حصل بيرنز على أعلى رتبة في السلك الدبلوماسي للولايات المتحدة “سفير محترف”. وفي هذا السياق تم منح بيرنز جائزة روبرت فرايشر التذكارية لحل النزاعات وصنع السلام في العالم. وفي عام 2013 اختارته مجلة فورين بوليسي “دبلوماسي العام”.

ثانيًا: خطة بيرنز لتفعيل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية

من خلال متابعة توجهات وآراء بيرنز بوجه عام، والإجابات التي أدلى بها خلال جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ، فإن أولويات وكالة الاستخبارات الأمريكية في الفترة القادمة، حسب بيرنز، تتجلى فيما يلي:

1– ضرورة الاهتمام بالثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي: رأى بيرنز أن الثورة التكنولوجية والتطورات السريعة في مجالات الذكاء الاصطناعي، سوف تكون لهما أهمية كبيرة في المرحلة القادمة، لا سيما في ظل تزايد المنافسة مع الصين، معتبرًا أن وكالة الاستخبارات الأمريكية سوف تسعى إلى تطوير قدراتها في هذا الملف للحفاظ على تقدُّمها فيه، بالإضافة إلى السعي لفهم التطور الكبير الذي أحرزه المنافسون.

2– اعتبار الصين أكبر منافس جيوسياسي للولايات المتحدة: يرى بيرنز أن المنافسة مع الصين سوف تكون أساسية للأمن القومي الأمريكي في العقود المقبلة؛ حيث تواصل الصين توسعها على المستوى الدولي، وتحاول بناء نفوذ لها داخل الولايات المتحدة، بالإضافة إلى نهجها المستمر في سرقة الملكية الفكرية، وقمع الشعب الصيني، وتهديد جيرانها، على حد قوله.

واعتبر بيرنز أن القيادة الصينية تمثل أكبر اختبار جيوسياسي للولايات المتحدة، وهذا يتطلب استراتيجية واضحة وطويلة المدى يتفق عليها الحزبان الديمقراطي والجمهوري، مشيرًا إلى أن وكالة الاستخبارات الأمريكية سوف تواصل توفير الكوادر المتخصصة بالشأن الصيني، وتعزيز القدرات المختلفة للوكالة للتعامل مع التهديد الصيني. يذكر أن بيرنز قد اعتبر في وقت سابق، أنه لا يمكن للولايات المتحدة احتواء الصين؛ لأنها مندمجة بالكامل في الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن الجهود يجب أن تنصب على إمكانية التعاون وتشكيل التحالفات مع الدول التي تشعر بالقلق من الصعود الصيني.

3– زيادة التعاون مع أجهزة ووكالات الاستخبارات الأخرى: أفاد بيرنز بأنه سوف يركز في قيادته لوكالة الاستخبارات الأمريكية على الشراكة وزيادة التنسيق مع أجهزة الاستخبارات الأخرى. ولعل هذا ينسجم مع دعوات بيرنز المستمرة لإعادة تشكيل التحالفات، وإعطاء اهتمام أكبر للعمل الدبلوماسي. كما أشار إلى أنه سوف يتعاون مع “أفريل هاينز” مديرة مكتب الاستخبارات الوطنية؛ للتأكد من أن جهود وكالة الاستخبارات الأمريكية تنسجم مع رؤية هاينز لدمج مجتمع الاستخبارات.

4– إعادة هيكلة أدوار أجهزة الاستخبارات على الصعيد الدولي: اعتبر بيرنز أن الإرهاب، والانتشار النووي، والسلوك العدواني لروسيا وإيران، وكذلك استفزازات كوريا الشمالية، تمثل أهم التحديات التقليدية في عالم اليوم، كذلك يمثل التغير المناخي، والأمن الصحي، والتهديدات الإلكترونية أهم الأخطار والتحديات غير التقليدية في عالم اليوم.

وفي هذا الصدد، أشار بيرنز إلى أن المعلومات الاستخباراتية الجيدة، تمثل خط الدفاع الآمن عن أمريكا، وأن على العاملين في أجهزة الاستخبارات أن يقولوا لصناع القرار ما يجب أن يسمعوه، لا ما يرغبون في سماعه، معتبرًا أنه يجب أنه يجب على مؤسسات الأمن القومي إعادة تصور أدوراها على الصعيد الدولي، في ظل تسارع التطورات على الساحة العالمية.

5– عدم تسييس عمل وكالة الاستخبارات الأمريكية: رأى بيرنز، وفي إطار رده على كيفية إعادة هيكلة عمل وكالة الاستخبارات، أنه يجب أن تركز على جمع المعلومات السرية، مع العمل على دمج جامعي المعلومات مع المحللين؛ ما يوفر المزيد من المزايا في علاج وبحث القضايا الصعبة، بالإضافة إلى الاستفادة من التقدم التكنولوجي، كما أكد عدم تسييس عمل الوكالة، وإبقاءها بمنأى عن السياسة، وأن تتسم تقاريرها بالموضوعية بما يعزز مصداقيتها. يُذكَر أن بيرنز قد أكد في وقت سابق قلقه من اتباع الرئيس السابق ترامب العلاقات الشخصية في حل قضايا السياسة الخارجية.


https://www.interregional.com/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d8%b1/