استعادة المكانة:

الملامح الرئيسية لاستراتيجية إدارة بايدن تجاه أفريقيا
استعادة المكانة:
11 أغسطس، 2022

تُولي الولايات المتحدة اهتماماً كبيراً في الوقت الحالي للقارة الأفريقية، في محاولة، على ما يبدو، لتقريب دول القارة من المعسكر الغربي والتصدي للنفوذ الروسي والصيني المتصاعد فيها. وتتمثل آخر أبرز المؤشرات المعبرة عن ذلك في الجولة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، والتي شملت جنوب أفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، وأكد بلينكن خلالها أن بلاده تريد شراكة حقيقية مع أفريقيا. وفي هذا الإطار، نشر موقع “البيت الأبيض” وثيقة بعنوان “استراتيجية الولايات المتحدة تجاه أفريقيا جنوب الصحراء”، في أغسطس 2022. وأشارت الاستراتيجية إلى أن أفريقيا جنوب الصحراء تلعب دوراً حاسماً في تعزيز مصالح الأفارقة والأمريكيين.

ودللت الاستراتيجية على ذلك بكون هذه المنطقة من أسرع المناطق نمواً في العالم، وأكبر مناطق التجارة الحرة، وأكثر النظم البيئية تنوعاً. كما تعد، بحسب الاستراتيجية، من أكبر مجموعات التصويت الإقليمية في الأمم المتحدة. وشددت الاستراتيجية الأمريكية على أنه من المستحيل مواجهة التحديات العالمية بدون المساهمات والقيادة الأفريقية. ورأت الاستراتيجية أن أفريقيا جنوب الصحراء معنية بصورة أساسية بالجهود الرامية إلى مواجهة جائحة كورونا، ومعالجة أزمة المناخ، ومنع تراجع المد الديمقراطي، ومعالجة انعدام الأمن الغذائي العالمي، وتعزيز الإنصاف والمساواة بين الجنسين، وترسيخ نظام دولي منفتح ومستقر، ومواجهة تهديد الإرهاب والصراع والجريمة عبر الوطنية.

أهداف منشودة

ستعيد استراتيجية الولايات المتحدة الجديدة تجاه أفريقيا جنوب الصحراء صياغة مكانة أفريقيا بالنسبة إلى مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، أكدت الاستراتيجية سعي واشنطن إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، هي:

1- تشجيع الانفتاح والمجتمعات المفتوحة: أشارت الاستراتيجية إلى أن للولايات المتحدة مصلحة دائمة في ضمان بقاء المنطقة مفتوحة ومتاحة للجميع وتأكيد قدرة الحكومات والشعوب على اتخاذ خياراتها السياسية الخاصة بها، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية. ووفقاً للاستراتيجية، فإن المجتمعات المفتوحة تميل عموماً إلى العمل مع الولايات المتحدة في القضايا المشتركة، وتعزيز المصالح التجارية والاستثمارية للولايات المتحدة، واتخاذ مسارات من شأنها تحسين ظروف مواطنيها، ومكافحة الأنشطة الضارة لكل من الصين وروسيا والجهات الفاعلة الأخرى.

وشددت الاستراتيجية على أن الولايات المتحدة ستعمل على تعزيز الانفتاح ودعم المجتمعات المنفتحة من خلال مجموعة من الخطوات، يتمثل أهمها في:

أ- تعزيز الشفافية والمساءلة الحكومية: أوضحت الاستراتيجية أن واشنطن ستعمل على تعزيز الشفافية والمساءلة الحكومية في أفريقيا جنوب الصحراء، فضلاً عن زيادة التركيز على سيادة القانون والعدالة والكرامة.

ب- دعم الهيئات القضائية المستقلة: أشارت الاستراتيجية إلى أن دعم الهيئات القضائية المستقلة في أفريقيا جنوب الصحراء يعد بمنزلة حصن ضد التراجع الديمقراطي، بما في ذلك تقييد القادة الذين يحاولون اختلاس الأموال أو تغيير الدساتير بشكل غير قانوني أو تزوير الانتخابات. ووفقاً للاستراتيجية، ويوفر القضاء المستقل أيضاً منبراً للمواطنين لطلب التعويض عن الأنشطة الإجرامية والنزاعات المدنية وانتهاكات حقوق الإنسان.

ج- المساعدة على الاستفادة من الموارد: بحسب الاستراتيجية، فإن الولايات المتحدة ستساعد البلدان الأفريقية على الاستفادة بشكل أكثر شفافية من مواردها الطبيعية من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

2- تحقيق مكاسب ديمقراطية وأمنية: نوهت الاستراتيجية أن التزام المنطقة وقدرتها على تجديد ديمقراطياتها، وكذلك توقع الصراعات الناشئة والطويلة الأمد ومنع حدوثها ومعالجة آثارها، يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية أكبر للأفارقة والأمريكيين. وطبقاً للاستراتيجية، تستطيع الولايات المتحدة، من خلال معالجة هذه التحديات في وقت متزامن وإعادة تأكيد أن للديمقراطية فوائد ملموسة، أن تقدم خيارات إيجابية للأفارقة بينما يقررون هم مستقبلهم.

ولفتت الاستراتيجية إلى أن واشنطن ستساعد أفريقيا على تحقيق مكاسب ديمقراطية وأمنية عن طريق ما يأتي:

أ- وقف الانقلابات والتراجع الديمقراطي: أوضحت الاستراتيجية أن واشنطن ستعمل مع الحلفاء والشركاء الإقليميين في أفريقيا لوقف سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها القارة مؤخراً، من خلال المزج بين حوافز لتعزيز الديمقراطية وتدابير عقابية ضد الانقلابيين.

ب- معالجة الاستياء الشعبي من الحكومات: أكدت الاستراتيجية أن الولايات المتحدة ستشترك مع الحكومات والهيئات الإقليمية الأخرى بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، لمعالجة عدم الرضا العام عن أداء بعض الديمقراطيات، على اعتبار أن استمرار ذلك يوفر ذريعة للطموحين من مخططي الانقلابات والحركات الشعبوية لتقويض القيم الديمقراطية.

ج- دعم المجتمع المدني وتمكين المهمشين: شددت الاستراتيجية على أن الولايات المتحدة ستركز على دعم المجتمع المدني وتمكين الفئات المهمشة مثل النساء والشباب، وستدافع عن الانتخابات الحرة والنزيهة.

د- تعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين: أوضحت الاستراتيجية أن واشنطن ستحرص على تحسين قدرة الشركاء الأفارقة على تعزيز الاستقرار والأمن الإقليميين من خلال تمكين الجهات الأمنية الحكومية الأكثر احترافاً وقدرة وخضوعاً للمساءلة التي يمكنها توفير الأمن الداخلي، فضلاً عن تحجيم خطر الإرهاب.

3- دعم التعافي من الوباء والفرص الاقتصادية: نوهت الاستراتيجية بضرورة معالجة مشكلتين من أكثر المشاكل إلحاحاً في المنطقة، هما جائحة كوفيد 19 وعواقبها الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة. ولفتت إلى أن هاتين الآفتين تفاقمتا نتيجة مشاكل سلاسل التوريد وانعدام الأمن الغذائي الناجم عن الحرب الروسية ضد أوكرانيا. وأكدت الاستراتيجية التزام الولايات المتحدة بالعمل مع الحكومات الإقليمية والشركاء الدوليين لبناء اقتصادات أفريقية أكثر استقراراً وشمولية.

كما أكدت حرص واشنطن على تعزيز التعافي من الجائحة والتحديات الاقتصادية؛ وذلك عن طريق ما يأتي:

أ- مساندة سياسات إنهاء المرحلة الحرجة للوباء: شددت الاستراتيجية على أن واشنطن ستساهم في تحديد أولويات السياسات والبرامج لإنهاء المرحلة الحادة لوباء كورونا وبناء القدرات لزيادة التأهب للتهديد الصحي التالي، فضلاً عن دعم مبادرات تصنيع اللقاحات وغيرها من الإجراءات الطبية المضادة.

ب- تعزيز شراكات القطاعين العام والخاص الصحيين: أوضحت الاستراتيجية أن الولايات المتحدة تدعم الشراكات بين القطاعين العام والخاص الصحيين، من خلال المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها ومنظمة الصحة لغرب أفريقيا، التي ستكون بمنزلة العمود الفقري الحاسم للدعم الذي تقوده الولايات المتحدة.

ج- الانخراط في جهود إنعاش المنطقة اقتصادياً: أشارت الاستراتيجية إلى أن واشنطن ستساهم في تعزيز مسار أقوى للنمو الاقتصادي واستدامة القروض لدعم الانتعاش الاقتصادي في المنطقة، بما في ذلك الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية والاستثمار، ومبادرات ازدهار أفريقيا والطاقة الأفريقية وإطعام المستقبل.

د- إعادة بناء رأس المال البشري والنظم الغذائية: نوهت الاستراتيجية بأن واشنطن ستقيم شراكة مع الدول الأفريقية لإعادة بناء رأس المال البشري والنظم الغذائية التي أضعفتها الجائحة وحرب روسيا ضد أوكرانيا.

4- الحفاظ على البيئة ودعم تحول الطاقة: وفقاً للاستراتيجية، فإن جهود أفريقيا للحفاظ على النظم الإيكولوجية والموارد الطبيعية الغنية في القارة واسترجاع ما فقد منها – مع تحقيق أهداف الوصول إلى الطاقة وأمن الطاقة، وتنويع مصادر الطاقة لديها، وبناء سلاسل التوريد المستدامة – تعتبر أساسية من أجل معالجة أزمة المناخ العالمية.  ومع أن المنطقة ليست مسؤولة – بحسب الاستراتيجية – إلا عن مستوى منخفض جداً من الانبعاثات بالنسبة إلى  عدد سكانها، فإنها تعاني من بعض أسوأ آثار تغير المناخ.

ولذلك سوف تدعم واشنطن – طبقاً للاستراتيجية – المحافظة على البيئة والتكيف مع المناخ والتحول العادل للطاقة، عبر بعض الإجراءات، منها:

أ- مساندة جهود حماية النظم البيئية الطبيعية: أوضحت الاستراتيجية أن واشنطن ستساند جهود حماية النظم البيئية الطبيعية في القارة من خلال الشراكة مع الحكومات والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية.

ب- دعم جهود تقليل آثار المناخ والتكيف معها: أشارت الاستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة ستدعم البلدان الأفريقية في جهودها لتقليل آثار تغير المناخ والتكيف معها، بما في ذلك تعزيز المجتمع والاقتصاد ومرونة سلاسل التوريد.

ج- تسريع عملية الانتقال العادل للطاقة في القارة: نوهت الاستراتيجية بأن واشنطن ستعمل عن كثب مع البلدان لتسريع انتقالها العادل إلى مستقبل الطاقة النظيفة والوصول إلى الطاقة وضمان أمنها.

د- تأمين المعادن الموفرة لتقنيات الطاقة النظيفة: وفقاً للاستراتيجية، ستتابع الولايات المتحدة الشراكات بين القطاعين العام والخاص من أجل ضمان التطوير المستدام وتأمين المعادن الهامة التي ستوفر تقنيات الطاقة النظيفة.

ستة مداخل

شددت الاستراتيجية على أن هناك ستة مداخل يمكن للولايات المتحدة من خلالها أن تعزز شراكتها مع منطقة أفريقيا جنوب الصحراء. ويتضح ذلك عبر ما يأتي:

1- زيادة الانخراط الدبلوماسي الأمريكي في المنطقة: أوضحت الاستراتيجية أن الولايات المتحدة ستعزز انخراطها الدبلوماسي في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء من خلال مجموعة من الأدوات، يأتي على رأسها تمكين سفرائها ومسؤوليها من التواصل مع الجماهير الأفريقية، وخاصة الشباب والنساء بطرق أكثر سهولة وإبداعاً. فضلاً عن تشجيع المزيد من التبادلات الثقافية مع مواطني القارة الأفريقية.

2- دعم التنمية المستدامة والصمود الاقتصادي: أشارت الاستراتيجية إلى أن عمق التداعيات الاقتصادية والاجتماعية السياسية للوباء خلقت حاجة إلى تحسين مرونة الدول والمؤسسات. وأكدت الاستراتيجية أن الإدارة الأمريكية ستعمق تعاونها مع الحكومات والهيئات الإقليمية الأفريقية، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، لدعم التنمية المستدامة والتحول الرقمي.

ونوهت الاستراتيجية أن واشنطن ستدعم الاستثمار في القدرات الأساسية للنظام الصحي، بما في ذلك القوى العاملة والبنية التحتية. كما ستدعم، بحسب الاستراتيجية، جهود تحسين سلاسل التوريد للسلع الأساسية، والحصول على الكهرباء. ولفتت الاستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة ستلعب دوراً قيادياً في تنسيق أنشطة التنمية الإنسانية والاقتصادية للمانحين.

3- مراجعة أدوات التعامل مع الجيوش الأفريقية: وفقاً للاستراتيجية، تعد الجيوش الفعالة والشرعية والخاضعة للمساءلة ضرورية لدعم المجتمعات المنفتحة والديمقراطية والمرنة ولمواجهة التهديدات المزعزعة للاستقرار في إفريقيا. في هذا الإطار، أكدت الاستراتيجية أن واشنطن ستراجع أدوات التعامل مع الجيوش الأفريقية، وخاصة البرامج التي تدعم بناء القدرات المؤسسية اللازمة، ومكافحة الفساد، وتعزيز إصلاحات قطاع الأمن.

4- تعزيز العلاقات التجارية مع دول المنطقة: أكدت الاستراتيجية أن واشنطن ستعمل على تعزيز علاقاتها التجارية مع دول المنطقة؛ وذلك من خلال التركيز على القطاعات التي تتوافق مع أولويات الولايات المتحدة وتفي باحتياجات شركائها الأفارقة، مثل الأعمال التجارية الزراعية والطاقة والترفيه والرعاية الصحية والتكنولوجيا، مع تسهيل المعاملات في القطاعات الحاسمة للنمو الاقتصادي الأفريقي.

وأضافت أن الولايات المتحدة ستعمل على تحقيق ذلك أيضاً عبر تسهيل التجارة والهجرة بطريقة شرعية، مع تبادل المعلومات لتأمين حدود الدول الأفريقية، وتعزيز الشراكات بين الجمارك والشركات، وزيادة استخدام تدابير أمن البضائع، وتوسيع مشاركة البيانات مع الشركاء الأفارقة، ومراجعة قانون أجوا الذي ينتهي في عام 2025، ودعم تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

5- قيادة عملية التحول الرقمي في المنطقة: أكدت الاستراتيجية أن واشنطن ستقود عملية التحول الرقمي في أفريقيا جنوب الصحراء من خلال تعزيز نظام بيئي رقمي مبني على الإنترنت المفتوح والموثوق والقابل للتشغيل المتبادل والآمن وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات عبر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فضلاً عن ضمان الوصول إلى الإنترنت بأسعار معقولة، وزيادة معدلات البيانات، وخفض التكاليف، مع الدعوة إلى منصات التكنولوجيا المفتوحة مثل Open RAN لتعزيز البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية والحوسبة السحابية الآمنة والتنافسية من حيث التكلفة.

6- مساندة جهود التجديد الحضري بالمنطقة: تماشياً مع التزام الرئيس بايدن بالاستثمار في التجديد الحضري والبنية التحتية في الداخل، أشارت الاستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة ستساعد المدن الأفريقية في التخطيط لنموها في القطاعات الحيوية مثل الوصول إلى الطاقة، وتغير المناخ، والتكيف، والنقل، وإدارة المياه، فضلاً عن تعزيز البنية التحتية من خلال تسخير الأدوات والقدرات الحالية المشتركة بين الوكالات لإطلاق الإمكانات الحضرية للمنطقة.

مهمة صعبة

وختاماً.. شددت الاستراتيجية على أن السلام والازدهار في أفريقيا شرطان أساسيان لتعزيز قدرة القارة على المساهمة في جهود حل المشكلات العالمية، وأكدت أن الطريق نحو التقدم يعتمد على الالتزام بالعمل المشترك مع الجانب الأفريقي لدفع الأجندات المشتركة. ولفتت الاستراتيجية إلى أن تحقيق الأهداف المشتركة لواشنطن ودول أفريقيا لن يكون أمراً سهلاً، مستشهدة بحديث سابق للرئيس الأمريكي جو بايدن بهذا الخصوص، لكنها أكدت أن واشنطن ودول القارة الأفريقية ستكون على مستوى هذه المهمة.

المصدر:

U.S. STRATEGY TOWARD SUB-SAHARAN AFRICA, The White House, August 2022, Accessible at: https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2022/08/U.S.-Strategy-Toward-Sub-Saharan-Africa-FINAL.pdf


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%a9/