استيعاب الضغوط:

لماذا يصمد الاقتصاد الروسي رغم العقوبات الغربية؟
استيعاب الضغوط:
28 أبريل، 2022

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

على الرغم من إقدام الغرب على شن حرب اقتصادية شاملة ضد روسيا بفرض عقوبات غير مسبوقة عليها منذ بدء تدخلها العسكري في أوكرانيا، فإن موسكو أثبتت قدرة كبيرة على التصدي لهذه العقوبات؛ حيث صمدت إلى حد كبير في مواجهتها، وقلل المسؤولون الروس في كثير من الأحيان من قدر تلك العقوبات. وفي هذا الإطار، نشر موقع “فورين بوليسي” تقريراً بعنوان “لماذا يصمد الاقتصاد الروسي أمام العقوبات الغربية حتى الآن؟”، في 22 أبريل 2022، ويمكن استعراض أبرز ما جاء فيه على النحو الآتي:

صمود ملحوظ

تناول التقرير أبرز المؤشرات المعبرة عن صمود الاقتصاد الروسي رغم العقوبات الغربية، ويمكن توضيح ذلك من خلال ما يلي:

1– ارتفاع صادرات النفط الروسي رغم العقوبات: أشار التقرير إلى أنه على الرغم من القيود الغربية على القطاع المالي الروسي، فإن صادرات النفط الروسية وصلت إلى 3.6 مليون برميل يومياً في أبريل مقارنةً بـ3.3 مليون برميل يومياً في مارس، وهو ما أكده مات سميث من شركة Kpler وهي شركة تتعقب سفن شحن النفط؛ حيث أوضح أن صادرات النفط الخام الروسية كانت أعلى في أبريل مما كانت عليه في الشهر الماضي. وبالإضافة إلى ذلك كان خبراء من معهد التمويل الدولي قد أشاروا، في تقرير صدر مؤخراً، إلى أن شحنات النفط الروسية في أبريل تسير حتى الآن “بوتيرة قياسية”.

2– تركيز موسكو على التصدير من مخزون النفط: نوه التقرير بأن الكمية الدقيقة من النفط التي تُصدرها روسيا الآن، ولمن تصدرها، لا تزال محل خلاف، لكن خبراء أشاروا إلى أن بعض هذا النفط الخام لا يزال قيد النقل إلى وجهات غير معروفة في بعض الحالات أو إلى مرافق التخزين. فيما أكد خبراء أن الكثير من الصادرات النفطية تمثل امتداداً لعقود النفط الطويلة الأجل.

ويشير خبراء طاقة آخرون إلى أن موسكو تعزز الصادرات من المخزونات الحالية؛ لأنها تتوقع المزيد من العقوبات الغربية على النفط، مقابل انخفاض التكرير الروسي محلياً في هذه الأثناء. ويُعزز هذا التوجه، ما أشارت إليه وكالة الطاقة الذرية من أن إنتاج النفط الروسي انخفض بمقدار 700 ألف برميل يومياً، في أبريل الحالي، وهو اعتبار يدفع باتجاه توجه روسيا نحو تحويل إنتاجها المحدود إلى الصادرات بدلاً من الإنتاج المحلي، وفقاً للتقرير.

3– إعادة موسكو ضبط تراكم الأصول الأجنبية: أشار التقرير إلى أن روسيا كما نجحت في تنظيم مركز مصرفي قوي حديثاً، وغير خاضع للعقوبات، في “غازبروم بنك” الذراع المالية لعملاق الطاقة الروسي غازبروم، فإنها تضغط على الدول الأوروبية وغيرها لإيداع مدفوعاتها بالدولار في “غازبروم بنك”، كما فرضت الحكومة بيع 80% من العملة الصعبة من الصادرات من خلال البنوك المرخصة، ولا سيما “غازبروم بنك”، وهو الأمر الذي يسمح – وفقاً لتقديرات – باستمرار صادرات الطاقة الروسية؛ ما يحافظ على فائض الحساب الجاري وتراكم الأصول الأجنبية السريع لروسيا.

4- وصول فائض الحساب الجاري إلى مستويات قياسية: أشار التقرير إلى أن إيرادات الطاقة أوصلت فائض الحساب الجاري لروسيا إلى مستويات قياسية جديدة؛ ففي الأشهر الثلاثة الأولى من العام، بلغت 60 مليار دولار، مقابل 120 مليار دولار لعام 2021 بأكمله، وهو متغير زود الكرملين بإيرادات جديدة لمواجهة العقوبات.

تأثيرات محدودة

أكد التقرير أنه يمكن فهم التأثيرات المحدودة للعقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي في الفترة الحالية من خلال بعض العوامل التي يتمثل أهمها فيما يأتي:

1– صعوبة استغناء أوروبا عن الغاز الروسي: ذهب التقرير إلى أن أحد أسباب محدودية تأثير العقوبات الغربية على روسيا، يتمثل في صعوبة استغناء العديد من الدول الأوروبية عن الغاز الروسي؛ وذلك على خلاف النفط، خصوصاً أن الغاز الطبيعي يتم تداوله في عقود طويلة الأجل من خلال خطوط الأنابيب الثابتة، وليس قابلاً للاستبدال مثل النفط. كما لفت التقرير إلى أنه على الرغم من إعلان ألمانيا عن إيقاف خط “نورد ستريم 2” عقب الحرب، فإن معظم الغاز الروسي يستمر في التدفق إلى أوروبا كما كان من قبل، خصوصاً أن إيجاد بدائل للغاز الروسي أمر يحتاج إلى سنوات.

2– غياب البدائل الحقيقية للغاز الروسي: أشار التقرير إلى إعلان اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي عن خطة لخفض واردات الغاز الروسي بمقدار الثلثين بحلول نهاية عام 2022 عن طريق استيراد المزيد من الغاز المسال، والتحول إلى استيراد الغاز عبر خطوط الأنابيب من النرويج وأذربيجان، بالإضافة إلى تكثيف طاقة الرياح والطاقة الشمسية، لكن التقرير ذهب إلى أن هذه الخطط غير قابلة للتنفيذ، فضلاً عن أن الغموض يعتريها، خصوصاً مع الاعتماد الكبير جداً من العديد من الدول مثل ألمانيا على الغاز الروسي.

3– تباين الالتزام الدولي بالعقوبات على موسكو: وفقاً للتقرير، فإن أرقام الإيرادات الروسية تكشف عن مدى الانقسام وعدم اليقين في الاستجابة الدولية لفرض العقوبات على موسكو، ومدى جاذبية الخام الروسي المخفض في وقت ارتفاع أسعار الطاقة؛ ففي الوقت الذي حظرت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا الواردات الروسية تماماً، استمرت معظم الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، في الشراء، وكذلك جاءت أكبر زيادة في واردات الطاقة الروسية من الهند، التي رفضت الانضمام إلى العقوبات أو إدانة العمليات العسكرية الروسية.

وحصلت الهند في الشهرين الماضيين فقط على 17 مليون برميل من خام “الأورال” العالي الجودة من روسيا، مقارنة بـ12 مليوناً للعام الماضي بأكمله. كذلك الحال بالنسبة إلى تركيا التي رفعت وارداتها من النفط الروسي من 200 ألف برميل يومياً في مارس إلى 300 ألف هذا الشهر. وفي إيطاليا يتم استقبال المزيد من الخام الروسي حتى الآن هذا الشهر؛ ما رفع استهلاكها من 100 ألف برميل يومياً إلى 300 ألف.

4– الخشية من التداعيات على اقتصادات الغرب: أشار التقرير إلى تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع بداية التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، التي قال فيها إن العقوبات على روسيا سوف ترتد بتداعيات سلبية على الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات الغربية؛ بسبب صادرات روسيا الضخمة من الطاقة والسلع الزراعية؛ ما قد يتسبب في ضائقة اقتصادية في الغرب. وذهب التقرير إلى أن هذه العقوبات بالفعل قد تدفع باتجاه أضرار اقتصادية تخشى منها ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى، خصوصاً على مستوى ارتفاع الأسعار، وهو ما دفع العديد من الدول، على رأسها ألمانيا، إلى تبني توجه يتفادى حظر واردات الغاز الروسي.

كما سلط التقرير الضوء على تصريحات للمستشار الألماني أولاف شولتز، لصحيفة دير شبيجل مؤخراً، أشار فيها إلى أن برلين لا تستطيع قطع الإمدادات الروسية في أي وقت قريب، قائلاً إن فرض حظر على الغاز الروسي لن يُنهي حرب أوكرانيا فحسب، بل قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية شديدة، وفقدان ملايين الوظائف والمصانع. وبنى التقرير على ذلك فرضية مفادها صعوبة حظر الدول الأوروبية للغاز الروسي؛ لما لهذه الخطوة من تداعيات كارثية على الاقتصاد الأوروبي، لكن التقرير أشار إلى أن أوروبا يمكنها عملياً التخلص من واردات الفحم، وهو الأمر الذي تم البدء في تطبيقه بالفعل.

5– التفاف شركات غربية كبرى على العقوبات: أشار التقرير إلى أن أحد أسباب محدودية تأثير العقوبات، التفاف العديد من الشركات الغربية على هذه العقوبات؛ إذ لا تزال هناك شكوك حول عدد الشركات الدولية الملتزمة بالانسحاب من روسيا؛ إذ تستمر بعض الشركات الأمريكية الكبرى مثلInternational Paper and Koch Industries، في العمل هناك، بالإضافة إلى عدد كبير من الشركات الأوروبية والهندية والصينية، بما في ذلك شركة الصلب الألمانية العملاقة Thyssenkrupp. ويستخدم الكثيرون هذه الشركات كأدوات لتجنب الإدانة العلنية، مع الإشارة إلى أن بعض هذه الشركات تبرر وجودها في روسيا بأنها توفر أدوات أساسية كالأدوية والأغذية في موسكو.

تداعيات كارثية

أشار التقرير إلى تصريحات بعض الدوائر الاقتصادية الأمريكية والغربية، التي تؤكد أن منظومة العقوبات على روسيا، سوف يكون لها تداعيات كارثية على المدى البعيد، ويؤيد التقرير هذه الفرضية؛ وذلك استناداً إلى ما يأتي:

1– فرض عقوبات إضافية على القطاع المصرفي الروسي: سلط التقرير الضوء على قرار إدارة بايدن الأخير فرض عقوبات إضافية على بعض البنوك والأفراد في روسيا؛ وذلك بعد الإعلان في 6 أبريل عن عقوبات على سبير بنك وعلى بنك ألفا رابع أكبر بنك في روسيا، وتجميد أصولهم ومنع أي شركات أمريكية من التعامل معهم. وهذا يعني أن 60% من الأصول المصرفية الروسية تخضع الآن للعقوبات الأمريكية. ولفت التقرير إلى أن أوروبا تحذو حذو واشنطن تدريجيّاً.

2– انكماش محتمل للاقتصاد الروسي في الفترة القادمة: أشار التقرير إلى تصريحات رئيسة البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا في 18 أبريل، التي قالت فيها إن نقص الإمدادات في التكنولوجيا وأشياء أخرى سوف يؤثر قريباً على روسيا، وإن “روسيا تدخل فترة صعبة من التغيرات الهيكلية بسبب العقوبات”. وبنى التقرير على ذلك وعلى تقديرات اقتصادية، فرضية مفادها أن انكماشاً كبيراً سيحدث في الائتمان المتاح للأفراد والشركات الروسية هذا العام مع انكماش الاقتصاد بنسبة 8٪ إلى 15٪، وهو ما يعني أن الاقتصاد الروسي قد ينكمش بمقدار الخمس أو أكثر في السنوات العديدة القادمة.

3– انسحاب متوقع للمستثمرين الأجانب من روسيا: توقعالتقرير أنه مع استمرار الحرب في أوكرانيا، واستمرار العقوبات المفروضة على روسيا والتوسع فيها، فسوف تتجه الشركات الغربية والمتعددة الجنسيات والمستثمرون إلى تعليق أعمالهم في روسيا، وهي الشركات التي يصل عددها، وفقاً للتقرير، إلى 800 شركة. وتشمل هذه الشركات أسماء تجارية كبرى من IBM وميكروسوفت إلى كارجيل، بالإضافة إلى العديد من الشركات الاستهلاكية العملاقة، مثل كلوجز ونوكيا وباناسونيك، وهو أمر قد يترتب عليه أزمة بطالة كبيرة في روسيا، حتى إن تقديرات روسية توقعت فقدان 200 ألف شخص لوظائفهم.

4– عجز الحكومة الروسية عن سداد ديونها الخارجية: أشار التقرير إلى أن القضية الاقتصادية الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الرئيس الروسي هي مسألة الديون الخارجية، التي قد تتخلف روسيا عن سدادها للمرة الأولى منذ الثورة البلشفية في عام 1918، بعد أن فاتتها مهلة 4 أبريل للدفع بالدولار، لكن التقرير لفت إلى أنه حتى إن تخلفت روسيا عن سداد ديونها السيادية البالغة 60 مليار دولار، ومُنعت بالفعل من الاقتراض الدولي، فقد تكون قادرة على تمويل نفسها من خلال عائدات الطاقة لفترة طويلة، فضلاً عن أن الشركات الروسية مُثقلة بديون مستحقة تزيد على 400 مليار دولار؛ ما يخلق صعوبة في الحفاظ على الائتمان على المدى الطويل، وهو اعتبار قد يدفع بوتين إلى تسريع وتيرة السلام.

إشكالية التكيف

ختاماً.. يشير التقرير إلى أن السؤال الأهم في المستقبل بالنسبة إلى بوتين يدور حول إمكانية تكييف اقتصاده مع العزلة الطويلة الأمد. فالاقتصادات الأخرى التي واجهت قبضة خانقة مماثلة مثل إيران، فعلت ذلك. ويمكن لموسكو أن تبقي بنوكها تعمل لوقت طويل اعتماداً على الدعم الناتج عن الطاقة إذا أصبحت متعسرة من الناحية التقنية، خصوصاً أن روسيا – على عكس إيران– لم تواجه خنقاً شبه كامل لصادراتها من الطاقة، لكن حظر الواردات الغربية من السلع الاستهلاكية ومواد الإنتاج وقطع الغيار، وتزايُد الضغوط على الأموال الروسية، سيؤدي في النهاية إلى إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد. وإذا ارتفعت معدلات البطالة، فقد يواجه بوتين لأول مرة مشكلة تهدد بقاءه في منصبه بحسب التقرير.

المصدر:

Michael Hirsh, Why Russia’s Economy Is Holding, Foreign Policy, April 22, 2022, Accessible at: https://foreignpolicy.com/2022/04/22/russia-war-economy-sanctions-ruble/


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%8a%d8%b9%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%ba%d9%88%d8%b7-2/