اقتصاد العجز:

تصاعد اختلالات العرض والطلب في التجارة العالمية
اقتصاد العجز:
11 أكتوبر، 2021

عرض: حنان نبيل – باحثة غير مقيمة بإنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

أثّرت جائحة كورونا بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، وهو ما ارتبط بتصاعد العديد من التحديات التي تَمَثّل أبرزها في تضرُّر سلاسل الإمداد العالمية، جنباً إلى جنب مع إحداث اختلال في مستويات العرض والطلب في العديد من الاقتصادات الدولية، خاصة في ظل بروز مستويات إنفاق مرتفعة تزامناً مع عودة الدول للعب الدور الأبرز في مواجهة التحديات الاقتصادية المتفاقمة.

وارتباطاً بذلك، فقد نشرت مجلة “الإيكونوميست” تقريراً يتناول ظاهرة “اقتصاد العجز”، الذي برز بقوة في ضوء جائحة كورونا، إذ ترتبط الظاهرة بشكل حثيث بإنفاق المستهلكين على السلع أكثر مما هو معتاد، خاصة في ظل تحفيز الجائحة كثيراً الأفراد على التوسُّع في الإنفاق، حتى أصبحت هناك زيادة كبيرة في الطلب، إلى درجة أن العرض يكافح من أجل مواكبة ذلك. ويمكن تناول أبرز ما ورد في التقرير على النحو التالي:

1- عدم مجاراة العرض للتزايد الكبير في الطلب الاقتصادي: وفقاً للتقرير، على مدى عقد من الزمن بعد الأزمة المالية، تمثلت مشكلة الاقتصاد العالمي في تراجع الإنفاق، حيث دفعت الأسر القلقة ديونها وفرضت الحكومات التقشف. وبحسب التقرير، عاد الآن الإنفاق بقوة، حيث حفزت الحكومات الاقتصاد، وأضحت هناك زيادة كبيرة في الطلب، لدرجة أن العرض يكافح من أجل مواكبة ذلك.

وطبقاً للتقرير، فمع ارتفاع معدلات التضخم التي تخيف المستثمرين، فإن عمليات الإغراق في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أفسحت المجال أمام اقتصاد يعاني من العجز. وأوضح التقرير أن السبب المباشر وراء ذلك يتمثل في انتشار جائحة كورونا، وإنفاق المستهلكين على السلع أكثر من المعتاد، بشكل أدى إلى توسيع سلاسل التوريد العالمية التي حُرمت من الاستثمار. ونوه التقرير إلى أن “اقتصاد العجز” هو مصطلح تم استخدامه من قبل لانتقاد الاقتصادات القديمة المخططة مركزياً في الدول الشيوعية.

2- تأثيرات محفزة لعاملي “الطاقة المتجددة” و”الحمائية”: أشار التقرير إلى أنه على الرغم من ازدهار الطلب على السلع الإلكترونية خلال الجائحة، فإن العجز في المكونات الداخلية الدقيقة أضر بالإنتاج الصناعي في بعض الاقتصادات المصدرة مثل تايوان. ونوه التقرير إلى أن “اقتصاد العجز”، الذي تم استخدامه لانتقاد الاقتصادات القديمة المخططة مركزياً في الدول الشيوعية، هو أيضاً نتاج قوتين أعمق.

وأكد التقرير على أن أولى هاتين القوتين تتمثل في التحول من الفحم إلى الطاقة المتجددة النظيفة إلى جعل أوروبا، وخاصة بريطانيا، قلقة بشأن إمدادات الغاز الطبيعي، التي ارتفعت أسعارها في الأيام الأخيرة لأكثر من 60%. وشدد التقرير على أنه عندما يحاول العالم التخلص من أشكال الطاقة غير النظيفة، فإن الحافز للقيام باستثمارات طويلة الأمد في صناعة الوقود الأحفوري يكون ضعيفاً. وأوضح التقرير أن القوة الثانية الدافعة لاقتصاد العجز تتمثل في الحمائية عبر سعي الدول لحماية إنتاجها الوطني.

3- مساهمة “القومية الاقتصادية” بظهور اقتصاد العجز: أشار التقرير إلى أن القومية الاقتصادية في جميع أنحاء العالم تساهم في حدوث اقتصاد العجز. ووفقاً للتقرير، فقد تفاقم نقص سائقي الشاحنات في بريطانيا، على سبيل المثال، بسبب بريكسيت. وبحسب التقرير، تعاني الهند من نقص في الفحم بسبب محاولة مضللة لخفض واردات الوقود. وطبقاً للتقرير أيضاً، فبعد سنوات من التوترات التجارية، انخفض تدفق الاستثمار عبر الحدود من قبل الشركات إلى أكثر من النصف مقارنةً بالناتج المحلي الإجمالي العالمي منذ عام 2015.

ونوه التقرير -كذلك- إلى أن هذا الأمر قد يذكّر بالسبعينيات من القرن الماضي عندما تعامل السياسيون مع السياسة الاقتصادية بشكل خاطئ، وقاموا بمحاربة التضخم بإجراءات عقيمة غير مجدية مثل تحديد الأسعار. ووفقاً للتقرير، يُناقش الاحتياطي الفيدرالي اليوم كيفية التنبؤ بالتضخم، ولكنّ هناك إجماعاً على أن البنوك المركزية لديها السلطة لإبقائه تحت السيطرة. وبحسب التقرير، فإنه مع ذلك يبدو أن التضخم الخارج عن السيطرة في الوقت الحالي غير مرجح.

وطبقاً له أيضاً، يجب أن تتراجع أسعار الطاقة بعد الشتاء، ومن المفترض في العام المقبل أن يقلل انتشار لقاحات فيروس كورونا من الاضطرابات، فضلاً عن أن زيادة الاستثمار في بعض الصناعات ستُترجم في النهاية إلى قدرة أكبر وإنتاجية أعلى. وأكد التقرير على أنه بالرغم من ذلك، ينبغي التأكيد على أن القوى الأعمق وراء اقتصاد العجز لن تتلاشى، ويمكن أن ينتهي الأمر بالسياسيين بسهولة إلى سياسات خاطئة بشكل خطير.

4- احتمالية تزايد تدخل الدولة في الاقتصادات الوطنية: شدد التقرير على أنه من المفترض أن تساعد تقنيات مثل الهيدروجين في جعل الطاقة الخضراء أكثر موثوقية، لكن هذا لن يسد العجز في الوقت الحالي. ووفقاً للتقرير، مع ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء قد يكون هناك رد فعل عنيف. وبحسب التقرير، إذا لم تضمن الحكومات وجود بدائل خضراء مناسبة للوقود الأحفوري، فقد تضطر إلى سد العجز عن طريق تخفيف أهداف الانبعاثات، والعودة إلى مصادر الطاقة غير النظيفة.

وأكد التقرير على أن التظاهر بأن عملية إزالة الكربون ستؤدي إلى طفرة اقتصادية هو أمر غير صحيح. وشدد التقرير -كذلك- على أنه يمكن للاقتصاد الذي يعاني من العجز أيضاً أن يعزز جاذبية الحمائية وتدخل الدولة. وأوضح أنه يمكن للسياسيين الهروب من المسؤولية عن طريق انتقاد سلاسل التوريد الهشة، والوعد الكاذب بتعزيز الاعتماد على الذات.

وأشار التقرير أيضاً إلى أنه غالباً ما تقود الاضطرابات الأفراد إلى التشكيك في المعتقدات الاقتصادية. وذكر التقرير، على سبيل المثال، أن صدمة السبعينيات أدت إلى رفض سياسات الحكومة والنظرية الكينزية. وأكد التقرير على أنه في ضوء هذا الواقع، فإن الخطر الآن يتمثل في أن الضغوط التي يعاني منها الاقتصاد قد تؤدي إلى نبذ إزالة الكربون والعولمة، وهو الأمر الذي قد يتسبب في حدوث عواقب وخيمة على المدى الطويل.

المصدر:

– The world economy’s shortage problem, The Economist, October 9, 2021, Accessible at: https://www.economist.com/leaders/2021/10/09/the-world-economys-shortage-problem


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ac%d8%b2/