الأحلاف المفتوحة:

لماذا تتجه إيران لإبرام اتفاق استراتيجي ممتد مع روسيا؟
الأحلاف المفتوحة:
14 أكتوبر، 2021

على غرار اتفاق الشراكة الاستراتيجية الذي وقعته إيران والصين في 27 مارس الماضي، لمدة 25 عاماً، تتجه الأولى إلى إبرام اتفاق استراتيجي ممتد مع روسيا، تحت اسم “الميثاق الشامل للتعاون بين إيران وروسيا”. ويمكن القول إن إيران تسعى من خلال ذلك إلى تحقيق أهداف عديدة، يتمثل أبرزها في تحقيق التوازن بين بكين وموسكو في إطار سياسة “الأحلاف المفتوحة” التي تتبناها طهران، وتعزيز التعاون العسكري بين الطرفين خلال المرحلة القادمة، ورفع مستوى التنسيق الإقليمي في مواجهة الملفات التي تحظى باهتمام مشترك، وعدم التعويل على العلاقات بالدول الغربية حتى في حالة الوصول إلى صفقة جديدة في فيينا بين إيران ومجموعة “4+1”.

تطوير ميثاق التعاون

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، في 11 أكتوبر الجاري، أنه “تم الانتهاء من وضع التدابير الأولية للوثيقة التي تحمل عنوان (الميثاق الشامل للتعاون بين إيران وروسيا)”، مضيفاً: “نحن في طور وضع اللمسات الأخيرة المتعلقة بالبنود المختلفة للوثيقة، وسنرسلها إلى موسكو، ونأمل أن يتم التوقيع على هذه الوثيقة في الأشهر المقبلة، وهي تتوافق مع وثيقة الخطة الاستراتيجية لمدة 25 عاماً المبرمة مع الصين”.

وفي الواقع، يمكن القول إن هذا التوجه ليس جديداً من نوعه؛ فقد سبق أن وقعت إيران اتفاقاً للتعاون مع روسيا خلال زيارة قام بها الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي إلى موسكو في عام 2000، لمدة عشرين عاماً، لكن يبدو أن إيران سعت إلى وضع اتفاق جديد يستوعب التطورات الجديدة التي طرأت على الساحة الإقليمية، بما يعني أنها فضلت عدم تمديد العمل بالاتفاقية القديمة، والتوافق على بنود جديدة في الاتفاق المتوقع إبرامه في الفترة القادمة؛ من أجل توسيع هامش الخيارات المتاح أمامها للتعامل مع المتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية في الفترة الماضية.

دوافع الشراكة الاستراتيجية

وتستهدف إيران من وراء سعيها لإبرام هذا الاتفاق مع روسيا، إلى تحقيق أهداف عديدة، يتمثل أبرزها فيما يلي:

1– موازنة النفوذ الاستراتيجي لبكين: تحرص إيران دائماً على عدم الاستناد إلى خيار استراتيجي واحد في التعامل مع التطورات الخارجية، في إطار سياسة “الأحلاف المفتوحة” التي توفر لها حرية حركة أكبر وهامشاً أوسع من المناورة. وفي رؤيتها، فإن الاستناد إلى العلاقات مع قوتين دولتين، أفضل من الاعتماد على قوة واحدة، بشكل يمكن أن يوفر للأخيرة أوراقاً للضغط تستطيع استخدامها في حالة حدوث خلاف بين الطرفين حول التعامل مع إحدى الأزمات التي تحظى باهتمام مشترك من جانبهما.

وقد أثارت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية مع الصين جدلاً واسعاً، في الأساس، على الساحة الداخلية الإيرانية، في ضوء تركيز بعض الاتجاهات على أن هناك بنوداً سريةً في الاتفاق تتيح نفوذاً واسعاً للصين على الأراضي الإيرانية، وتعيد إلى الذاكرة الوطنية عهد الاستعمار من جديد. ومن هنا، ربما ارتأت حكومة إبراهيم رئيسي ضرورة الإسراع بتوقيع اتفاق مماثل مع روسيا؛ لتعزيز قدرة إيران على امتلاك أكثر من خيار على الساحة الدولية، خلال المرحلة القادمة، وعدم الرهان على العلاقات بالصين فقط.

2– الحذر من اتجاهات السياسة الصينية: ترى طهران أن الصين تختلف عن روسيا فيما يتعلق باتجاهات سياستها الخارجية؛ حيث تعتمد بكين في المقام الأول على الخيار الاقتصادي، باعتباره المدخل الأساسي لتعزيز الدور الصيني على الساحة الدولية، لا سيما في إطار مشروع “الحزام والطريق”، وتتجنب بإصرار الانخراط في أي صراع عسكري يمكن أن يفرض عليها خسائر بشرية ومادية ليست قليلة، على عكس روسيا التي كانت طرفاً رئيسياً في الصراع السوري، ومارست دوراً بارزاً في الحفاظ على بقاء النظام السوري في السلطة. وبمعنى آخر، فإن إيران تسعى إلى توظيف أحد الجوانب الأساسية في العلاقات مع كل من الصين وروسيا؛ إذ إنها تريد في المقام الأول الاستفادة من الاستثمارات والمشروعات الاقتصادية الصينية، وتسعى في الوقت ذاته إلى استغلال التدخلات الروسية المسلحة في بعض الملفات، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

3– تطوير القدرات العسكرية الإيرانية: رغم أن البنود الأساسية التي تتضمنها الاتفاقية الجديدة لم تتضح بعد –حيث أشارت تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية إلى أنها ستخضع لمفاوضات بين الطرفين– فإنها قد تتضمن التعاون في المجال العسكري. وهنا، فإن إيران تسعى بشكل ملحوظ إلى تطوير بعض القطاعات العسكرية التي تمثل “ثغرات” في قدراتها العسكرية، لا سيما سلاح الجو، والمدرعات.

إذ إن القدرات الجوية الإيرانية بدائية إلى حد كبير نتيجة العقوبات الدولية والأمريكية التي تعرضت لها في الفترة الماضية ولا تزال. وبالطبع، فإن روسيا تمثل مصدراً مهماً لهذه النوعية من الأسلحة التي تحاول إيران شراءها في الفترة القادمة. وقد بدا اهتمام إيران بالصناعات العسكرية الروسية واضحاً في الزيارة التي أجراها وزير الدفاع الإيراني السابق أمير حاتمي إلى موسكو، في 22 أغسطس 2020، للمشاركة في المعرض العسكري “آراميا 2020” الذي نظمته موسكو في هذه الفترة.

4– رفع مستوى التنسيق في الملفات الإقليمية: رغم أن هناك خلافات لا تبدو هينة بين روسيا وإيران حول التطورات التي تشهدها بعض الملفات الإقليمية، على غرار الملف السوري، خاصةً فيما يتعلق باستمرار التنسيق بين روسيا وإسرائيل؛ فإن إيران تبدو حريصة على استمرار التعاون مع روسيا في هذه الملفات. ففضلاً عن أن موسكو تمثل محور توازن في سوريا يمكن أن يحول دون تطور المواجهات مع إسرائيل إلى مستوى قد لا يتوافق مع مصالح إيران وحساباتها في الوقت الحالي؛ فإن التنسيق معها يكتسب أهمية خاصة فيما يتعلق بالتطورات التي تشهدها منطقة آسيا الوسطى، لا سيما أفغانستان وإقليم ناجورنو كارا باخ؛ حيث إن هذا التنسيق يمكن بدوره أن يوازن الثقل الاستراتيجي الذي بدأ يكتسبه المحور الذي شكلته كل من تركيا وأذربيجان وباكستان وإسرائيل.

5– التشكيك في نوايا الدول الغربية: مع أن الدول الغربية لا تزال تبذل جهوداً حثيثة من أجل تعزيز فرص استئناف المفاوضات الخاصة بالاتفاق النووي في فيينا، ومن ثم تعزيز احتمالات استمرار العمل بهذا الاتفاق؛ فإن إيران لا تزال تبدي شكوكاً خاصةً في مدى التزام تلك الدول بتعهداتها في الاتفاق؛ إذ إن إيران لم تعد تستبعد أن يتكرر مشهد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وتقاعس الدول الأوروبية عن رفع مستوى العلاقات الثنائية، في إطار ما سُمِّي في الفترة الماضية بآلية “إنستكس”. ومن هنا، يمكن فهم حرص إيران في الوقت الحالي على تأكيد أهمية الحصول على ضمانات من الدول الغربية بالالتزام بتعهداتها في الاتفاق قبل استئناف الجولة السابعة من المفاوضات خلال المرحلة القادمة.

ففي هذا السياق، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية سعيد خطيب زاده، في 11 أكتوبر الجاري: “ظلت العواصم الأوروبية –ومنها برلين– تتفرج بسلبية؛ لذلك ننتظر من جميع الأطراف، عند قدومها إلى فيينا، أن تعلم أنه لا خيار أمامها سوى الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي”، مضيفاً أنه “ينبغي لها تقديم ضمانات كاملة للجمهورية الإيرانية بأنه هذه المرة لن ينتهك أي طرف الاتفاق النووي”.

على ضوء ذلك، يمكن القول إن تطوير العلاقات مع روسيا في هذا التوقيت بات يمثل خياراً استراتيجياً لإيران، سواء نجحت المفاوضات في فيينا أم فشلت؛ ففي حالة الفشل، فإن تقوية هذه العلاقات سوف يوفر لطهران ظهيرين دوليين تستطيع من خلالهما مواجهة الضغوط والعقوبات الأمريكية، التي ربما تتحول إلى غربية، كما أن ذلك سيضمن لها فيتو في مجلس الأمن إذا كان هناك توجه لإدانتها في بعض الملفات.

أما في حالة نجاح المفاوضات، فإن إيران سوف تسعى إلى عدم تكرار “أخطاء الماضي”، عندما فتحت المجال أمام الشركات الغربية للاستثمار فيها، ثم تعرضت لصدمة قوية عندما بدأت هذه الشركات تنسحب لتجنب العقوبات الأمريكية. ورغم أن ذلك لا ينفي أن إيران قد تحاول استقطاب بعض تلك الشركات مجدداً، إلا أنه في الوقت نفسه لا يعني أنها سوف تتبنى التوجهات التي سبق أن اتبعتها في مرحلة ما بعد الوصول إلى الاتفاق النووي في 14 يوليو 2015.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ad%d9%84%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%a9/