الأذرع الناعمة:

كيف توظف تركيا مؤسسة "وقف أطفال العالم"؟
الأذرع الناعمة:
12 أكتوبر، 2021

تمثل الجغرافيا أحد العناصر الكاشفة عن السياسة الخارجية لنظام “أردوغان” في تركيا، حيث لا تزال تسيطر على تصور النظام الحاكم لنفسه، ومكانته في العالم، ولذلك اتّبعت تركيا خلال الفترة الماضية، ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة، نهجاً مغايراً في إدارة الشؤون الخارجية، ارتكز في جانب معتبر منه على تأسيس ما يُعرف بـ “الوقف”، وفي الصدارة منه “وقف أطفال العالم التركي”. ويمثل وقف الأطفال ذراعاً ناعمة، تسعى إلى تعميق النفوذ التركي في محيطه الإقليمي والدولي، بالإضافة إلى توظيفه كإحدى أدوات التجنيد للأجيال المقبلة في الدول التي تنتمي إلى العالم التركي، لرؤية النظام التركي أن هذه الأجيال نواة لاستعادة الإرث العثماني، وأمجاد الإمبراطورية.

دلالات تأسيس الوقف

يعتبر “وقف أطفال العالم التركي” إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي ترتكز عليها السياسة الخارجية للنظام التركي لتعزيز نفوذها في الجمهوريات الروسية الناطقة بالتركية، والتي تعد بؤرة الاهتمام الأولى لكونها تمثل امتداداً عرقياً وتاريخياً للدولة التركية، وذلك من خلال إنتاج مشاريع تهم مستقبل الأطفال الأتراك المسلمين المقيمين في هذه الجمهوريات، وغيرها من دول العالم. ويهدف الوقف إلى تغذية الروح العثمانية، وتقديم الثقافة التركية للأطفال بشكل ينسجم مع طموحات وقيم الدولة التركية، حيث تقوم إدارة الوقف بالعمل على إحضار 500 طفل إلى تركيا سنوياً من مختلف مدن العالم التركي.

كما يُعد الوقف إحدى أبرز الأدوات التي تسعى من خلالها أنقرة لتعميق حضورها الإنساني، ليس داخل الجمهوريات التركية فحسب، بل في مختلف دول العالم. ويثير تأسيس الحكومة التركية “وقف أطفال العالم التركي” تساؤلات حول أبعاد هذه الخطوة ودوافعها، ولا سيما أن ثمة اتجاهاً في تركيا لتسييس العلاقة مع المجتمعات الناطقة بالتركية، وكذلك الجاليات التركية حول العالم، وتوظيفها في خدمة دوافع سياسية لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

وقد شهد “وقف أطفال العالم التركي” نشاطاً ملحوظاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وظهر ذلك في تنظيم جولات للأطفال الذين يتم دعوتهم، سواء من الدول الناطقة بالتركية أو مناطق أخرى حول العالم تحمل أولوية في الاستراتيجية التركية. وتستهدف هذه الجولات، التي تجوب ربوع تركيا، تعريف الأطفال والشباب المستهدف بالثقافة التركية. وقد نظم الوقف مؤتمره السنوي في عام 2020 بمدينة أنقرة عاصمة الجمهورية التركية، كما تم تنظيم مؤتمره السنوي لعام 2021 في مدينة خيوة الأوزبكية باعتبارها عاصمة الثقافة التركية، بينما ستنظم دورة العام القادم في مدينة بورصة غرب تركيا، والتي ستكون عاصمة عام 2022.

دوافع الأنشطة التركية

يكشف سياق عمل “وقف أطفال العالم التركي” على هذا النحو مؤشراً جديداً يتعلق بالدوافع. إذ يمكن القول إن تركيا تعتمد استراتيجية “التنشئة الاستباقية” التي تستهدف ترسيخ الثقافة والقيم التركية في أطفال ما تعتبره عالماً تركياً، خاصةً أن ثمة متغيراً جديداً طرأ على الساحة في المرحلة الحالية، يتعلق بنجاحات تركيا في توسيع عضوية مجلس تعاون الدول الناطقة بالتركية الذي تأسس في أكتوبر 2009، وتعظيم حضوره، ومن المقرر عقد القمة الثامنة للمجلس التركي بمدينة إسطنبول في نوفمبر المقبل.

كما يطرح “وقف الأطفال” -من جانب آخر- مؤشراً ظرفياً خاصاً بالمرحلة الحالية في إطار مساعي تركيا لترسيخ وجودها في محيطها الإقليمي والدولي الذي يشهد تطورات غير مسبوقة، وذلك من خلال توظيف العرقيات والأقليات التركية المنتشرة خارج حدودها. وفي هذا السياق، فإن “وقف أطفال العالم التركي” يسعى لتحقيق مجموعة من الأهداف، التي يمكن بيانها على النحو التالي:

1- تنشئة جيل مؤمن بإحياء حلم الإمبراطورية العثمانية: يندرج تأسيس “وقف أطفال العالم التركي” في إطار مشروع الرئيس “رجب طيب أردوغان” الهادف إلى إحياء حلم الإمبراطورية العثمانية من خلال تنشئة جيل ملتزم متدين، يؤمن بالثقافة العثمانية، وذلك عبر إعادة هيكلة الهوية التركية في دول العالم التركي، وترسيخ مظاهر وتجليات الإرث العثماني في دول الجاليات التركية. ويكشف “وقف أطفال العالم التركي” عن تعصب “أردوغان” للعثمانية القديمة، ومحاولاته إحياء مظاهر العثمانية في ثوب جديد مقابل الحرص على إنهاء النموذج العلماني الغربي الذي اتبعه “أتاتورك”، وارتكز على تنحية الدين عن الحياة العامة، وتجاهل التواصل مع العالم التركي خارج حدود الجمهورية التركية، وهو العالم الذي يرتبط بعلاقات تاريخية وثقافية ودينية مع تركيا، ناهيك عن أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يراه امتداداً للدولة العثمانية.

ويسعى “أردوغان” من خلال “وقف أطفال العالم التركي” إلى تحقيق هدفه بتنشئة “جيل جديد” من خلال غرس وترويج الأفكار والقيم والمظاهر العثمانية في الأجيال الناشئة، سواء في الجمهوريات الناطقة بالتركية أو بين أبناء الجاليات التركية حول العالم. هنا، يمكن فهم اتجاه “وقف الأطفال” إلى إحضار الآلاف من الأطفال إلى تركيا من مختلف مدن العالم التركي، للاحتفال وتنظيم جولات لهم في عدة مدن لتعريفهم بثقافة تركيا، والأخلاق التركية الإسلامية.

2- استقطاب وتجنيد الأجيال الجديدة في بلدانها: لا ينفصل دور “وقف أطفال العالم التركي” عن محاولات أنقرة تعظيم تأثيرها وانتشارها في العديد من مناطق نفوذها في محيطها الإقليمي والدولي، وبخاصة بعد استقلال الجمهوريات الناطقة بالتركية في تسعينيات القرن الماضي، وزيادة الوزن العددي والنسبي للجاليات التركية في الخارج، وتحديداً في الدول الأوروبية. وفي هذا السياق، فإن الاهتمام بأطفال العالم التركي في الخارج، وإغراءهم بالاطلاع على تركيا والتاريخ العثماني، ليس سوى واجهة للأدوات التركية الناعمة التي تستهدف استقطاب وتجنيد الأجيال الجديدة في بلدانها، والتي قد تلعب دوراً مستقبلياً في إدارة شؤون دولها، ناهيك عن أن استقبال هؤلاء الأطفال والشبان من خلال “وقف الأطفال” يوفر بيئة خصبة لاستيعاب الكفاءات والخبرات الجديدة من هذه الأجيال، وضخها كدماء جديدة في عروق الاقتصاد التركي في المستقبل.

لذلك، تراهن تركيا على استثمار “وقف الأطفال” وتوظيفه كذراع ناعمة، لتقديم الخدمات والتسهيلات للآلاف من الأطفال والشبان القادمين من الدول الناطقة بالتركية وكذلك من دول عربية وإفريقيا سواء خلال الجولات المجانية للاطلاع على الثقافة التركية أو للدراسة في تركيا عبر تقديم المنح وتسهيل الحصول على التأشيرات.

3- منافسة الخصوم واستيعاب الضغوط الغربية: بالتوازي مع الأدوار التقليدية لوقف أطفال العالم التركي، تحاول أنقرة توظيف “وقف الأطفال” كذراع استراتيجية سواء في مواجهة الخصوم أو استيعاب الضغوط الغربية عليها، حيث نجحت تركيا عبر “وقف الأطفال” في بناء علاقات مصلحية مع العالم الناطق بالتركية، فضلاً عن توثيق العلاقة مع قطاع معتبر من دول جنوب ووسط آسيا التي توجد بها أقليات تنتمي إلى العرقية التركية، وفي الصدارة منها الأقليات التركمانية.

وفي هذا السياق، ترى أنقرة في “وقف الأطفال” ونشاطه في هذه الدول ورقة رابحة يمكن الاعتماد عليها في أن تقدم تركيا نفسها كواجهة للتأثير الإسلامي. كما يمكن استثمار ورقة “وقف الأطفال” كورقة ضاغطة في استيعاب الضغوط الغربية على المصالح التركية في مناطق النفوذ المتقاطعة والمتشابكة، فقد تمكنت تركيا عبر أدواتها الناعمة، وفي المقدمة منها “وقف الأطفال”، من تعزيز نفوذها العسكري في أذربيجان وقبرص الشمالية والدول الناطقة بالتركية وسوريا وليبيا، وهي مناطق جغرافية تتشابك فيها المصالح مع عدد واسع من القوى الإقليمية والدولية التي تحمل توجهات مناهضة لتركيا، وبشكل خاص موسكو وواشنطن والاتحاد الأوروبي.

ختاماً، لا يمكن فصل الاهتمام التركي ببناء أدوات القوة الناعمة، ومنها “وقف أطفال العالم التركي”، عما يجري في المسارح العملياتية الإقليمية والدولية التي تشكل تركيا قاسماً مشتركاً فيها كما في وسط آسيا ومنطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن تشابكات أنقرة مع القوى الغربية. ومن ثم، فإن “وقف الأطفال” يمثل آلية ضمن سلسلة من الآليات الناعمة، التي يعتمدها حزب العدالة والتنمية على كافة المستويات منذ وصوله إلى السلطة في عام 2002، لإحياء “الإمبراطورية العثمانية”، وذلك عبر بناء جيل عابر للحدود، يؤمن بالخلافة العثمانية، ويتبنى أيديولوجيا الإسلام السياسي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b0%d8%b1%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b9%d9%85%d8%a9/