الإرث السوفييتي:

كيف يُمكن فهم الحرب الأوكرانية من خلال تاريخ الإمبراطوريات؟
الإرث السوفييتي:
22 يونيو، 2022

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

نشر موقع “فورين بوليسي”، في 20 يونيو 2022، مقالاً بعنوان “ماذا يخبرنا سقوط الإمبراطوريات عن حرب أوكرانيا؟”، للكاتب “أناتول ليفين” الزميل الأقدم في “معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول”، ومؤلف كتاب “أوكرانيا وروسيا: تنافس أخوي وواقعية أخلاقية.. رؤية لدور أمريكا في العالم” مع “جون هولسمان”. يُقدم المقال إطاراً تفسيرياً لشرح أسباب تنامي الصراعات في فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي السابق؛ وذلك في سياق شرح مظاهر بروز العنف في إطار ما بعد الإمبراطوريات التي تكونت في فترات تاريخية مختلفة، وفيما بعد سقوط تلك الإمبراطوريات، مع توضيح أوجه التشابه والاختلاف المرتبطة بالإمبراطورية السوفييتية “الروسية” عن غيرها من الإمبراطوريات الأخرى؛ حيث حفزت الطبيعة البرية للاتحاد السوفييتي السابق اندلاع الصراعات.

أوجه متشابهة

ذهب المقال إلى وجود نقاط تشابه بين الحرب الروسية على أوكرانيا، والتاريخ الصراعي المُستلهَم من خبرة الاتحاد السوفييتي السابق، وهو ما يمكن استعراضه على النحو الآتي:

1– اعتبار الاتحاد السوفييتي السابق نتاجاً لحروب روسيا الاستعمارية: بحسب المقال، يوصف الاتحاد السوفييتي على نحو شائع في الغرب بأنه “الإمبراطورية السوفييتية”، أو حتى “الإمبراطورية الروسية”، وكان ذلك هو واقع الحال بالفعل من نواحٍ عدة رئيسية؛ فقد احتلت موسكو وسيطرت على مجموعة من الدول على طول محيطها خلال الحرب الباردة، مع وضوح السجل التاريخي لتوسع روسيا من خلال الغزو والاستعمار. وهذا الأمر من المهم وضعه في الاعتبار لفهم الصراعات في الفضاء السوفييتي السابق، وبروز صراعات أخرى حتى فيما بعد تفكُّك الاتحاد؛ ما يتطلب دراسة الصراعات في السياق الأوسع لما يحدث عند سقوط الإمبراطورية.

2– تشابُه اندلاع الصراعات بعد تفكك الاتحاد السوفييتي مع تاريخ الإمبراطوريات: أشار المقال إلى أنه رغم الطبيعة الفريدة للإمبراطورية السوفييتية، فإن الصراعات التي أعقبت تفكك الاتحاد مثَّلت حالة عامة فيما بعد تفكك الإمبراطوريات الأخرى، بل حتى مع الحرب “الوحشية” المستمرة في أوكرانيا، والقمع “الوحشي” المماثل للتمرد الشيشاني، فإن النزاعات والخلافات التي أعقبت الانهيار السوفييتي كانت بعيدة عن النزاعات الأسوأ في تاريخ الإمبراطوريات، بما في ذلك الإمبراطوريات الحديثة نسبياً؛ ففي كل الحالات دون استثناء أدت نهاية الإمبراطورية إلى أعمال عنف واسعة النطاق. حدث هذا في بعض الحالات أثناء وبعد الانهيار الإمبراطوري مباشرةً، وفي حالات أخرى وقع العنف بعد عدة عقود، وكان ذلك في أيرلندا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وأوروبا الشرقية والبلقان.

3– عمل الإمبراطوريات على تجميد النزاعات الداخلية ومنع تفاقُمها: صحيح أن إنشاء الإمبراطوريات ينطوي على عنف واسع النطاق، يصل أحياناً إلى درجة الإبادة الجماعية، ولكن بعد تكوين الإمبراطورية تتطلب المصالح الاقتصادية والسياسية للقوة الإمبريالية، الحفاظ على السلام عبر أراضيها، وهو أمر أساسي أيضاً لادعاءات الشرعية وإحساس المسؤولية بالمهمة الإمبراطورية. ولكن مع ذلك فالمعروف أيضاً أن الإمبراطوريات تعمل على تجميد النزاعات واحتضانها، وفي بعض الأحيان يكون هذا لأن الحكم الإمبراطوري يعلق النزاعات السابقة، كما هو الحال بين الهندوس والمسلمين في الهند البريطانية، أو الأرمن والأذريين في ظل القياصرة والسوفييت.

وفي بعض الأحيان يكون مصدر الصراع هو إنشاء الإمبراطورية دولاً جديدة تماماً أو دولاً ذات حدود جديدة، مثل العراق في الشرق الأوسط، الذي يجمع بين الأعراق المختلفة التي لم تعش من قبل في ظل نظام سياسي واحد، وفي حالات أخرى يتم تقسيم القومية الواحدة بين دول وأنظمة عدة، كما في يوغوسلافيا السابقة، والعديد من الدول الأفريقية. هذا لا يؤدي إلى الصراعات الأهلية، بل في بعض الأحيان إلى الحروب بين الدول.

4– عدم قدرة قواعد القانون الدولي على حل مشاكل العرقيات: لفت المقال إلى أنه فيما كانت نظرية تقرير المصير العرقي باسم الديمقراطية، كما تبناها الرئيس الأمريكي “وودرو ويلسون” في نهاية الحرب العالمية الأولى، هي التي قدمت أساساً منطقياً ليبرالياً ظاهرياً للفصل العنيف عبر النسيج العرقي الشاسع، ولكن كما هو الحال في كوسوفو وناجورنو كارا باخ وشبه جزيرة القرم، غالباً ما تعمل مبادئ القانون الدولي والديمقراطية بعضها ضد بعض، ونتيجة لذلك تختار الدول بين هذه القواعد والقوانين وفقاً لما تراه يحقق مصلحتها الخاصة. يضاف إلى ذلك عدم الالتزام التام للسكان المحليين وقادتهم فيما بعد تفكك الإمبراطوريات، بالقوانين الدولية التي لم يضعوها أو يوافقوا عليها مطلقاً، وهو ما ظهر عندما انهارت الإمبراطوريات البريطانية والعثمانية والنمساوية والسوفييتية وبعد تفكك يوغوسلافيا.

5– تحفيز الطبيعة البرية للاتحاد السوفييتي السابق على اندلاع الصراعات: بحسب المقال فإنه رغم وجود اختلافات كبيرة بدرجات متفاوتة بين الإمبراطوريات القديمة: البريطانية والفرنسية والإسبانية، ناهيك عن العثمانية أو الصينية، فقد مثَّل الاتحاد السوفييتي السابق حالة خاصة جداً من بين الإمبراطوريات القديمة؛ فقد كانت إمبراطورية برية في الأساس؛ الأمر الذي كان له عواقب وخيمة أثناء انهياره وبعده، واستمرت حتى اليوم.

ويلاحظ في هذا الصدد وجود اختلاف واحد كبير بين تداعيات الإمبراطوريتين البحرية والبرية؛ إذ يمكن للقوى البحرية أن تعود إلى ديارها عبر مئات أو آلاف الأميال من المياه وتفصل نفسها (وإن كان ذلك في كثير من الأحيان فقط بعد حروب الاستقلال المروعة، كما هو الحال في الهند الصينية، الجزائر، وكينيا) من الصراعات التي تركوها وراءهم. أما في الإمبراطوريات البرية،فقد ظلت الأمة الإمبراطورية القديمة على حدود ممتلكاتها السابقة، وغالباً ما تمتد أغلبيتها وأقلية سكانها عبر تلك الحدود؛ ما يُعقد الصراعات ويساهم في استمرارها، كما هو واضح في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق.

تسوية أخلاقية

وختاماً، أشار المقال إلى أنه رغم كل ما سبق، فإن كل ذلك لا يبرر “الغزو” الروسي لأوكرانيا، بقدر ما يُفسر السلوك المروع في كثير من الأحيان للدول الإمبريالية وما بعد الإمبراطورية. وتوازياً مع ذلك، تبرز أهمية البحث عن تسوية في أوكرانيا بروح الواقعية الأخلاقية، وبهدف تحقيق سلام دائم يضمن استقلال أوكرانيا والبحث في المسار الواقعي المحتمل لمعالجة أمر الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وضعاً في الاعتبار أنه في حالات ما بعد الإمبراطوريات الأخرى، نادراً ما كان النصر المطلق ممكناً لطرف دون الآخر، إلا على حساب حرب طويلة ومعاناة ضخمة. وفي معظم الحالات التي عُقِد فيها نوع من السلام، مهما كان معيباً، تم تحقيقه من خلال شكل من أشكال التسوية البرجماتية، وهذا هو أفضل ما يمكن العمل لأجله في حالة روسيا وأوكرانيا.

المصدر:

– Anatol Lieven, What the Fall of Empires Tells Us About the Ukraine War, Foreign Policy, June 20, 2022, Accessible at: https://foreignpolicy.com/2022/06/20/russia–ukraine–war–putin–empire–imperialism–colonialism–conquest–collapse/


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b1%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81%d9%8a%d9%8a%d8%aa%d9%8a/