الاستثمار الأخضر:

هل تتجه أوروبا لتصنيف الطاقة النووية "صديقة للبيئة"؟
الاستثمار الأخضر:
6 يناير، 2022

تدور في أروقة المفوضية الأوروبية، منذ أواخر عام 2020، نقاشات محتدمة حول المعايير والآليات التي سيتم الاعتماد عليها لتحديد مصادر الطاقة المتجددة. ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى إصدار مجموعة من القواعد الحاكمة التي يمكن الاعتماد عليها لتصنيف وإدراج مشروعات الطاقة المختلفة، تحت بند “الاستثمار الأخضر”، وهو ما سيعزز جهود دول الاتحاد للاعتماد بدرجة أكبر على مصادر الطاقة الصديقة للبيئة والمستدامة، وتبني المزيد من سياسات الاقتصاد الأخضر، إلا أن المفوضية الأوروبية لم تستطع حسم قرارها حتى هذه اللحظة، بفعل الخلاف حول إدراج كل من مشروعات الطاقة النووية والغاز الطبيعي ضمن هذا التصنيف من عدمه. وقد تفاقمت الأزمة إلى حد بروز معسكرَين: الأول بقيادة ألمانيا، والآخر ترأسه فرنسا. وعلى الرغم من ذلك، أكدت العديد من المصادر أن الأزمة في طريقها إلى الحل، ليتم طرح المزيد من التساؤلات حول أسس الخلاف ومُحرِّكات الانفراجة المرتقَبة.

خلفيات الأزمة

واجهت المفوضية الأوروبية العديد من المعوقات خلال محاولتها الوصول إلى إطار يُصنِّف ويُعرِّف مشروعات الطاقة المستدامة والصديقة للبيئة. وقد تمثلت هذه التحديات في الآتي:

1– اختلاف الرؤى بين برلين وباريس: ساهمت المفاوضات حول آليات وأسس تصنيف الطاقة المستدامة الأوروبية، في تعزيز الاستقطاب القائم بالفعل بين عدد من دول الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا؛ فقد تبنَّت ألمانيا موقفاً معارِضاً لإدراج مشروعات الطاقة النووية في قائمة الأنشطة الاقتصادية الصديقة للبيئة؛ حيث تُعَد برلين من أكبر المناوئين للطاقة النووية بجميع استخداماتها؛ وذلك على خلفية الكارثة التي وقعت في مفاعل “فوكوشيما” الياباني عام 2011، ناهيك عن المخاطر الناتجة عن النفايات النووية، وصعوبة التخلُّص منها بما لا يضر بالبيئة. وتخطط ألمانيا لإيقاف العمل في جميع مفاعلاتها النووية التي يتم الاعتماد عليها لتوليد الطاقة الكهربائية في البلاد بنهاية عام 2022، وقد أكدت التزامها بهذه الخطة خلال أول يوم من العام الحالي؛ حيث أوقفت العمل بكل من مفاعل “بروكدورف”، و”غرونده”، و”غوندريمينغن”، ليبقى على رأس العمل ثلاثة مفاعلات فقط، يُتوقع أن تخرج عن الخدمة أيضاً بنهاية 2022.

على الجانب الآخر، توجد فرنسا التي تعتمد بنسبة 70% على الطاقة النووية، لتوليد احتياجاتها من الطاقة الكهربائية. وعلى الرغم من امتلاكها ما يزيد عن خمسين مفاعلاً نووياً في الوقت الحالي، تخطط باريس لبناء المزيد من المفاعلات النووية مستقبلاً، بما يعزز قدرتها على إنتاج الطاقة الكهربائية بأسعار منخفضة؛ لذلك فإن فرنسا من أشد مؤيدي خطة المفوضية الأوروبية لإدراج المشروعات النووية ضمن قائمة مشروعات الطاقة المستدامة، وترفض أي مساس بهذا البند أو إنكار له.

2– جبهة فرنسية مقابل معسكر ألماني: لم يقتصر هذا الخلاف على باريس وبرلين؛ فقد سارعت العديد من الحكومات الأوروبية إلى تبني موقف حاد ومُعلَن تُجاه مشروع القرار الخاص بآليات وأسس تصنيف الطاقة المستدامة الأوروبية. وانضمت كل من لوكسمبورج والبرتغال والدنمارك والنمسا إلى ألمانيا، في موقفها الرافض إدراج مشروعات الطاقة النووية والغاز الطبيعي ضمن قائمة الاتحاد لمشروعات الطاقة المتجددة. وقد أكدت هذه الدول هذا الموقف خلال مؤتمر المناخ بجلاسكو. وأشار بيانها الصادر خلال فعاليات مؤتمر المناخ، إلى أن التساهل مع مشروعات الطاقة النووية، يمثل خطراً كبيراً على البيئة، كما أنه يضرب بعُرض الحائط جميع الالتزامات التي أقرَّتها دول الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بخطة التحول نحو الاقتصاد الأخضر.

في المقابل، تبنت كل من المجر والتشيك وسلوفاكيا وسلوفينيا ورومانيا وبولندا، الموقف الفرنسي، وأكدت هذه الدول أهمية إدراج مشروعات الطاقة النووية والغاز الطبيعي ضمن قائمة المشروعات المستدامة، التي ستحظى بالدعم التقني والمالي من قبل الاتحاد. وقد أكدت بولندا –التي تعتمد بدرجة شبه كلية على الغاز الطبيعي لتوليد الطاقة– أن ضم مشروعات الغاز الطبيعي ومشروعات الطاقة النووية إلى قائمة الاتحاد يعد أمراً أساسياً لا يمكن أن تقبل، تحت أي مبرر، المساس به.

3– أبعاد سياسية متداخلة للأزمة: يُتوقع أن يخوض الرئيس الفرنسي وحزبه، انتخابات شديدة المنافسة خلال أبريل ويونيو من عام 2022. وقد تراجعت شعبية “ماكرون” تراجعاً كبيراً خلال الفترة السابقة؛ نتيجة سياساته الاقتصادية المثيرة للجدل، ناهيك عن خسارته العديد من المعارك السياسية الداخلية والخارجية، خاصةً صفقة الغواصات الأسترالية “أوكوس”. وفي ظل عدم قدرته على تقديم المزيد من التنازلات الفرنسية خارجياً، فإن “ماكرون”، قد أظهر قدراً كبيراً من التشدد خلال عملية التفاوض حول القواعد المنظِّمة لمشروعات الطاقة المستدامة بأوروبا، كما قامت حكومته بالإعلان عن خطط لبناء مفاعل نووي جديد على الأراضي الفرنسية لأول مرة منذ عقود.

وفي الجهة المقابلة، جاءت المفاوضات في وقت تعمل فيه مختلف الأطراف السياسية في ألمانيا على تشكيل حكومة جديدة، وسد الفراغ الكبير الذي خلفته المستشارة السابقة “ميركل” في السياسة الألمانية والأوروبية على السواء. وقد انتهى الأمر بإعلان توصُّل كل من الحزب “الاشتراكي الديمقراطي” وحزب “الخضر” و”الحزب الديمقراطي الحر”، إلى اتفاق لتشكيل الحكومة الجديدة في ألمانيا. ويقوم البرنامج السياسي لحزب “الخضر” بصورة أساسية على دعم جميع قضايا البيئة، ورفض جميع الأنشطة التي تعتمد على الطاقة النووية. وقد دفعت الرغبة في التحالف مع “الخضر”، المستشارةَ الألمانية السابقة إلى رفض تقديم أي تنازلات ترتبط بالطاقة النووية والغاز الطبيعي خلال مفاوضات المشروع الأوروبي المشترك.

يُضَاف إلى ذلك، تخوُّف العديد من دول أوروبا الشرقية –التي تعتمد بصورة أساسية على الطاقة النووية لتوليد الكهرباء– من أن يعزز مشروع تصنيف الطاقة المستدامة الأوروبية سطوة وهيمنة الغاز الطبيعي الروسي على القارة؛ فمع اقتراب بدء العمل بخط “نورد ستريم 2″، وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالمياً، ترى هذه الدول أن عدم إدراج المشروع الأوروبي الطاقةَ النووية ضمن قائمة استثمارات الطاقة المستدامة، سيُعزز نفوذ الدب الروسي على دول القارة العجوز، وهو سيناريو لا يمكن تحمُّل توابعه الخطيرة على الأمن الاستراتيجي لهذه الدول.

انفراجة مرتقَبة

كشفت تقارير إعلامية متطابقة، مطلع يناير 2022، أن المفوضية الأوروبية في طريقها إلى الإعلان عن الاتفاق الجديد الخاص بتصنيف مشروعات توليد الطاقة المتجددة، مع ترجيح أن تضمن هذه المسودة كلاًّ من مشروعات الطاقة النووية والغاز الطبيعي؛ وذلك عقب عدد من التطورات، تتمثل في التالي:

1– الجمع بين مُتطلَّبات المعسكرَين المتعارِضَين: تتابعت التقارير الصحفية التي تؤكد توصُّل المفوضية الأوروبية إلى إطار عام ينظِّم عملية تصنيف مشروعات الطاقة النووية ومشروعات الغاز الطبيعي تحت قائمة المشروعات الصديقة للبيئة، مع عدم الإخلال ببعض النقاط التي كانت مصدراً لقلق دول المعسكر المعارِض، وعلى رأسها ألمانيا.

وكشفت مسودة قائمة المفوضية الجديدة، أن استثمارات محطات الطاقة النووية ستُصنَّف خضراء، إذا كان للمشروع خطة وتمويل وموقع للتخلُّص بشكل آمن وفعَّال من النفايات المشعة، مع تأكيد أن جميع المواقع النووية لن تُدرَج داخل هذا التصنيف ما لم تحصل على تصريحات للبناء والتشييد قبيل عام 2045. وبالمثل، تمَّت الموافقة على إدراج مشاريع الطاقة القائمة على الغاز الطبيعي، بشرط ضمان أن تقل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عن 270 جراماً لكل كيلووات في الساعة.

وأشارت بعض التقارير أيضاً إلى أن المسودة ستُدرِج هذه الاشتراطات الجديدة، باعتبارها جزءاً من إجراءات المرحلة الانتقالية التي ستعتمد عليها القارة الأوروبية، قبل تحقيق التحوُّل الكامل نحو مصادر الطاقة المستدامة الصديقة للبيئة، وهو ما يفتح المجال لحذف مشاريع الطاقة النووية والغاز الطبيعي من هذا التصنيف، في وقت لاحق.

2– تأثير الخضر بالائتلاف الحكومي الألماني الجديد: عقَد تحالف الحكم الجديد في ألمانيا، المعروف باسم تحالف “إشارة المرور”، عدداً من المُحادَثات خلال الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر، وصولاً إلى أوائل شهر ديسمبر 2021. وقد أكدت الوكالات الإعلامية الأوروبية والألمانية، أن التحالف الذي يضمُّ الحزب “الاشتراكي الديمقراطي” و”الخضر” و”الحزب الديمقراطي الحر”؛ قد قرر عدم التعليق بصورة علنية، على الإدراج المرتقَب لمشروعات الطاقة النووية والغاز الطبيعي ضمن تصنيف مشروعات الطاقة المُستدامة، الصادر عن المفوضية الأوروبية.

فقد ارتأت الحكومة الألمانية أن الصياغة الجديدة تحقق جزءاً من مطالبها المشروعة، وإن كان محدوداً، ناهيك عن إشارة عدد من أعضاء الحكومة، حتى ممثلي حزب “الخضر”، إلى أن العلاقات الألمانية–الفرنسية، تمثل أهمية خاصة لصانع القرار في برلين، ولا يمكن إفساد هذه العلاقات تحت أي مبرر. أيضاً، تم تأكيد حق دول الاتحاد الأوروبي في تقرير السياسات والآليات التي سيتم الاعتماد عليها للتحول بعيداً عن استخدام الوقود الحفري، بصورة تتناسب مع مُتطلَّبات هذه البلدان وقدراتها الاقتصادية، دون حجر أو وصاية من أي جهة خارجية.

وبالرغم من عدم توافر معلومات دقيقة عن كواليس المفاوضات التي قامت بها الأحزاب الثلاثة، والتي وُصِفت بالتاريخية؛ فإن هناك عدداً من المؤشِّرات تؤكد أن حزب “الخضر” قد حصل على ترضية سياسية للتنازل عن موقفه المتشدد السابق من المشروع الأوروبي. ويأتي في مقدمة هذه المكاسب السياسية، منح حزب “الخضر” الحق في تسمية وتعيين ممثل الدولة الألمانية في المفوضية الأوروبية.

وختاماً، يمكن القول إن الخلاف الذي شهدته ساحات الاتحاد الأوروبي خلال العام الماضي، حول القواعد الحاكمة لتصنيف الطاقة المستدامة والصديقة للبيئة؛ يعد جزءاً من أزمة حقيقية يعاني منها الاتحاد الأوروبي. وترتبط هذه الأزمة، بصورة أساسية، باختلاف الرؤى والمصالح السياسية للدول الكبرى داخل الاتحاد، إلا أن ألمانيا –كعادتها دائماً– سرعان ما تتدخَّل للملمة الشمل الأوروبي وتقديم الحلول في وقت الأزمات، حتى مع غياب المستشارة “ميركل” عن رأس السلطة هناك.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ab%d9%85%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d8%b6%d8%b1/