الاستراتيجية المفقودة:

لماذا أخفق التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان؟
الاستراتيجية المفقودة:
18 أغسطس، 2021

جاء مشهد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان تتويجاً لسلسلة ممتدة من الإخفاقات على مدار عقدين منذ إسقاط حكم طالبان، إذ أن استدعاء “ذكرى سايجون” قد أثار جدلاً في الدوائر الأمريكية حول رصيد الأخطاء والتعثرات في عملية صنع القرار الأمريكية تجاه أفغانستان. حيث تم التركيز على الافتقاد لاستراتيجية واضحة للتدخل وإعادة البناء عقب الحرب.  وتصدر ذلك النقاش أسئلة يطرحها المنتمين للمدرسة الواقعية في السياسة الخارجية الأمريكية مفادها: “لماذا لم يعد التدخل العسكري المباشر يحقق المصالح الأمريكية؟” و”هل تراجعت قدرة الولايات المتحدة على حسم المواجهات العسكرية؟” و”كيف يمكن استعادة فاعلية توظيف القوة العسكرية؟” وتداعيات الانسحاب على مستقبل الأمن والمصالح الأمريكية في العالم.

تحركات عشوائية

يكشف نجاح حركة طالبان في السيطرة على أفغانستان بسرعة، وانهيار الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي عن أخطاء في الاستراتيجية الأمريكية تجاه أفغانستان طوال عقدين؛ وذلك على النحو التالي:

1– إغفال الديناميات الاجتماعية والعرقية: خلال العقدين الماضيين، أظهرت العديد من السياسات الأمريكية أن هناك سوء فهم لدى المسؤولين الأمريكيين منذ بداية الحرب الأمريكية على أفغانستان في أكتوبر 2001 للديناميات العرقية والسياق الاجتماعي والثقافي والسياسي داخل المجتمع الأفغاني، ناهيك عن كيفية استجابته للتدخلات الأمريكية.

2– تصدع بنية الجيش الأفغاني: أشار جون سوبكو المفتش العام الخاص الأمريكي لإعادة إعمار أفغانستان، في تقرير له، إلى أن الكثير من الأرقام عن حجم القوات الأفغانية غير دقيقة، وكثيراً ما يتم تضخيمها. وقد سبق أن ذكر في أحدها أن 70% من قوات الأمن في ولاية أفغانية، كانوا “أشباحاً” أو “وهميين”، فضلاً أن الجيش الأفغاني لم يكن مؤهلاً للتعامل مع التحديدات الأمنية والعسكرية التي ستنتج عن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

3– تعثُر مشاريع إعادة الإعمار في البلاد: أشار سوبكو إلى أن جهود إعادة الإعمار في أفغانستان بعد الحرب الأمريكية، التي قدرت بـ145 مليار دولار؛ واجهت أزمات وعقبات متعددة؛ لارتفاع معدل تغيير الموظفين الأمريكيين الذين أداروا مشاريع إعادة الإعمار بمئات المليارات؛ حيث كانوا عادة ما يقضون سنة أو أقل في أفغانستان قبل مغادرتها، وأضاف أن واشنطن قللت باستمرار مقدار الوقت المطلوب لإعادة بناء أفغانستان، فضلاً عن خلقها جداول زمنية غير واقعية وتوقعات أعطت الأولوية للإنفاق بسرعة؛ ما أدى إلى زيادة الفساد داخل أفغانستان وتقليل الفاعلية.

4– فشل بناء مؤسسات أفغانية فعالة: على الرغم من النجاح في القضاء على تنظيم القاعدة وقتل زعيمه السابق أسامة بن لادن، وتقديم المشورة والتدريب والتجهيز للجيش الأفغاني والمؤسسات الحاكمة، والاستثمار في المجتمع المدني في البلاد؛ فإن كل تلك الجهود لم تؤدِّ إلى إنشاء مؤسسات أفغانية قادرة على الاحتفاظ بكينونتها الخاصة، وتحويل أفغانستان إلى دولة مركزية وموحدة.

5– شرعنة حركة طالبان عبر التفاوض معها: ساهم انخراط إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في التفاوض مع حركة طالبان للتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب الأمريكية في أفغانستان، واستمرار إدارة بايدن في تلك المفاوضات؛ إلى زيادة قوة الحركة سياسياً، ولا سيما في الوقت الذي كانت تُحقق فيه العديد من المكاسب العسكرية على الأرض، ناهيك عن اكتسابها الشرعية الدولية بجلوس المسؤولين الأمريكيين معها للتفاوض على مستقبل أفغانستان بعد رحيل القوات الأمريكية.

6– التخلي الواضح عن الحلفاء الأفغان: في الوقت الذي كانت تسرع فيه الإدارة الأمريكية من انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان؛ فإنها أخفقت في حماية ونقل الأفغان الذين خاطروا بحياتهم للعمل مع الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين بأمان إلى الولايات المتحدة، ناهيك عن الخروج غير المنظم للدبلوماسيين الأجانب ونشطاء حقوق الإنسان وعمال الإغاثة.

ما بعد الانسحاب

يمكن تناول أبرز تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، على النحو التالي:

1– سقوط أفغانستان في يد حركة طالبان: أدى إعلان الرئيس بايدن عن سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بنهاية 11 سبتمبر (ذكرى الهجوم على بُرجَي التجارة) إلى زيادة العنف المُرتكب من جانب طالبان؛ إذ عمدت إلى السيطرة على كافة المقاطعات داخل الدولة، مشتبكةً مع القوات الأفغانية والميليشيات التابعة لأمراء الحرب؛ ما ساهم في سقوط ضحايا من المدنيين والعسكريين، وفرار قوات الحكومة الأفغانية من العديد من المقاطعات دون إظهار أي مقاومة لطالبان، حتى أضحت مسيطرة على أكثر من 92% من الأراضي الأفغانية، ومنها العاصمة الأفغانية.

2– الإضرار بصورة أمريكا في العالم: يؤكد نجاح حركة طالبان في السيطرة على العاصمة الأفغانية وانهيار الجيش الأفغاني المدعوم من قبل الولايات المتحدة، وهروب الرئيس الأفغاني المدعوم أمريكياً؛ مدى تراجع القوة الأمريكية، في ظل تحول القوة في النظام الدولي، وصعود قوى تنافس الولايات المتحدة على قيادته؛ حيث كشف مدى إخفاق المقولة الأمريكية بقدرة القوات المسلحة الأمريكية على خوض حربين في وقت واحد والفوز بهما، فلم تنجح الولايات المتحدة في أي حرب خاضتها منذ الحادي عشر من سبتمبر.

3– انهيار الجيش الأفغاني بالكامل: تعتمد القوات الأفغانية على الدعم الجوي الذي تتلقاه من القوات الأمريكية، كما تعتمد على قوات مشاة البحرية الأمريكية، إلا أنها لم تمتلك أي رؤية شاملة حول القتال؛ فهي لم تكن تقاتل من أجل تحقيق الديمقراطية أو الليبرالية، بل كانت تقاتل بدافع هزيمة حركة طالبان التي ترغب في الحصول على الحكم، ناهيك عن سيطرة النزعة الطائفية الأقلية. ومن ثم، لم تكن تلك القوات على استعداد لخسارة حياتها في سبيل الدفاع عن مختلف مقاطعات الدولة؛ لهذا كان سقوطها أمراً مرجحاً من جانب العديد من الخبراء.

4– معاناة المدنيين من جرائم طالبان: يعتبر المدنيون والنساء والصحفيون هم الفئات الأولى الأكثر تضرراً من الانسحاب الأمريكي؛ حيث أضحَوا يواجهون جرائم مختلفة من جانب حركة طالبان التي قامت في الآونة الأخيرة بقتل العديد من الصحفيين والمدنيين بوحشية، والتشديد على النساء داخل مختلف المقاطعات.

5– تحول أفغانستان إلى ملاذ للإرهاب: أشارت العديد من التحليلات الأمريكية إلى أنه بعد عقدين من الحرب الأمريكية بعد أحداث سبتمبر الإرهابية التي نفذها تنظيم القاعدة، الذي كانت حركة طالبان تؤويه؛ فمن المتوقع مع عودة طالبان عقب الانسحاب الأمريكي، أن تصبح أفغانستان مجدداً أرضاً خصبة لـ”التطرف الإسلامي” والإرهاب.

6– ترك مساحة للقوى المناوئة لواشنطن: من المرجح أن يسمح هذا الانسحاب لقوى إقليمية أخرى –وعلى رأسها الصين وروسيا– للعب دور أكثر وضوحاً داخل أفغانستان، لا سيما بكين التي ترغب في مد مبادرة الحزام والطريق إلى الأراضي الأفغانية؛ ما يعني أنها قد تنجح في التفاوض مع حركة طالبان لتقليل حدة العنف، ومن ثم ستكتسب نفوذاً أكبر داخل منطقة آسيا الوسطى.

في الختام، من المقرر أن تدفع التطورات الأفغانية عقب الانسحاب الأمريكي، الإدارة الأمريكية إلى تطوير استراتيجية جديدة للتعامل مع المستجدات الأفغانية بالتشاور مع الحلفاء؛ لأن تداعيات تدهور الأوضاع في أفغانستان سوف تؤثر على الجميع، ولا سيما مع توقُّع أن تكون الأراضي الأفغانية ملاذاً للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%82%d9%88%d8%af%d8%a9/