الاستعداد للحرب:

لماذا أصدرت تايوان أول دليل للدفاع المدني؟
الاستعداد للحرب:
19 أبريل، 2022

أحيى التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا المخاوف في تايوان التي يعتبرها النظام الشيوعي الصيني مقاطعة “متمردة” يجب إعادة توحيدها مع البر الرئيس وبالقوة إذا لزم الأمر. وعلى الرغم من عدم إبلاغ تايوان عن أي مؤشر على غزو وشيك تخطط له الصين، فإنها رفعت مستوى التأهُّب منذ بداية الحرب في أوكرانيا؛ لذلك، وفي محاكاة لأزمة محتملة، أصدر الجيش التايواني للمرة الأولى في 12 أبريل 2022 دليلاً مخصصاً للمدنيين، مُؤلَّفاً من 28 صفحة، يحتوي على معلومات يمكن لعامَّة الناس استخدامها باعتباره دليل طوارئ في حال حدوث أزمة عسكرية أو كارثة طبيعية؛ لتوضيح طريقة التصرُّف إذا هجمت الصين على تايوان.

خطوة غير مسبوقة

يأتي إصدار الجيش التايواني هذا الدليل ضمن استعدادات الجزيرة لأي عمل عسكري صيني يستنسخ سيناريو الحرب الروسية الأوكرانية؛ حيث يحاكي الدليل الذي أصدرته وزارة الدفاع التايوانية، المستوحى من كتيبات مماثلة نُشرَت في السويد واليابان؛ أوضاع الحرب، باستخدام شرائط رسومية وصور مصحوبة بإرشادات للجمهور لمواجهة سيناريوهات الهجوم المختلفة؛ حتى يتمكنوا من اتخاذ تدابير الرد اللازمة، ولا سيما فيما يتعلق بطريقة العثور على ملاجئ؛ إذ يقدم الدليل رموز استجابة سريعة “كيو آر كود” لتحديد أماكن ملاجئ للاحتماء بها من الغارات الجوية، وقائمة بالمستلزمات التي يتعيَّن تخزينها في وقت الحرب، ومعلومات التعبئة للاحتياطيات العسكرية. كذلك يوجه هذا الدليل السكان إلى طريقة التعرف على صفارات الإنذار من الغارات الجوية، وطريقة التصرف في حال حدوث قصف أو كارثة طبيعية، بالإضافة إلى نصائح لإعداد مجموعات الإسعافات الأولية في حالات الطوارئ.

وفي سياق متصل، يضم الدليل، الذي يخضع لتطويرات منذ عام، أيضاً إرشادات لجنود الاحتياط عند حشدهم في حالة حدوث غزو، ومعلومات عن طريقة التعامل مع حالات الطوارئ والنجاة منها. ومن أمثلة هذه الحالات، الهجمات الجوية، وانهيارات المباني، وانقطاع التيار الكهربائي، ونقص الإمدادات.

رسائل مستهدفة

تعمدت تايوان، من خلال إصدار هذا الدليل، إرسال بعض الرسائل الهامة؛ حيث وصفت وزارة الدفاع الوطني التايوانية الدليل بأنه “أرضية صلبة للحكومة المحلية لتوجيه المواطنين بشأن ما يجب عليهم فعله عند حدوث حالات الطوارئ، بما في ذلك الكوارث والهجمات العسكرية”؛ وذلك على النحو الآتي:

1– تعبئة الجماهير: يُظهر هذا الدليل رغبة تايوان في تجهيز وتعبئة شعبها لغزو الصين المحتمَل؛ حيث صرَّح ليو تاي يي المسؤول بوحدة التعبئة الدفاعية الشاملة بالوزارة، قائلاً: “نحن نقدم معلومات حول كيفية رد فعل المواطنين في أزمة عسكرية والكوارث المحتملة في المستقبل”، وأضاف أن الدليل سيتم تحديثه بمعلومات محلية، مثل مواقع الملاجئ والمستشفيات والمحلات التجارية للاحتياجات اليومية. كذلك أكد ليو أن ذلك سيُمكِّن من الاستعداد للسلامة، ويساعد الناس على البقاء على قيد الحياة.

2– تحذير الصين: لا شك أن إصدار تايوان لهذا الدليل بمنزلة إعلان لحالة التمرد في مواجهة الغزو الصيني المحتمل؛ حيث يأتي هذا الدليل جزءاً من جهود تايوان الأخيرة لتعزيز مرونتها ضد تهديدات الأمن القومي، خاصةً أن الصين – التي تعتبر تايوان الخاضعة للحكم الديمقراطي، أرضاً خاصة بها – تُصعِد من ضغطها العسكري والدبلوماسي في المنطقة في الفترة الأخيرة لإخماد أي محاولة تايوانية بالاستقلال عن كيان الدولة الأم “الصين”.

3– استثمار الأزمة الأوكرانية: يمكن القول إن توقيت إصدار الدليل من جانب تايوان ينطوي على محاولة استثمار الأزمة الأوكرانية وحالة التعاطف الغربي مع كييف من أجل استقطاب انتباه الرأي العام العالمي، والغربي بالتحديد، إلى قضية تايوان، واحتمالية التدخُّل العسكري الصيني، وخصوصاً مع التهديدات المتكررة من قِبَل بكين لتايوان بعدم السعي إلى الاستقلال عن الصين، وهو ما يشبه تهديدات ومطالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا بالبُعد عن توسيع شراكاتها مع الغرب. وفي هذا الإطار، تحاول تايوان استغلال الدعاية الغربية؛ إذ تدرك تايوان أن إصدار هذا الدليل سيحظى بتغطية إعلامية غربية.

دوافع مُحفزة

لا شك أن هناك العديد من العوامل التي أدَّت إلى رفع درجات الاستعداد والتأهُّب التايواني لكافة السيناريوهات، بما في ذلك قيام الصين بعملية عسكرية في تايوان؛ من أجل توحيد الجزيرة مع ما يُعرَف بـ”البر الرئيسي الصيني”، ومن أبرز تلك الدوافع:

1– تصاعد التوترات بين بكين وتايبيه: منذ انتخاب الرئيسة التايوانية تساي إنج وين عام 2016، التي تعتبر تايوان دولة ذات سيادة، وليست جزءاً من “صين واحدة”؛ تصاعدت حدة التوترات في العلاقات مع الصين؛ حيث أطلقت وكالة التعبئة في ديسمبر الماضي، بهدف تعزيز “مواجهة التهديدات” المتعلقة بالأمن القومي. ومع بداية الحرب في أوكرانيا، دعت “تساي” حكومتها إلى البقاء في “حالة تأهُّب قصوى” ضد ما وصفته بـ”الحرب المعرفية” وجهود التضليل من قِبَل القوى الأجنبية، التي تهدف إلى “استخدام التوتُّرات في أوكرانيا لتضخيم حالة الذعر وعدم الاستقرار في تايوان”.

وفي المقابل، كثَّف الرئيس الصيني شي جين بينج، تحذيراته لتايوان بعدم السعي إلى الاستقلال عن الصين، كما تعهَّد الرئيس “شي” ببذل كل جهد ممكن لتوحيد البلاد سلميّاً. لكن، في الواقع، لم تتخلَّ الصين عن استخدام القوة لوضع تايوان تحت سيطرتها، وكثَّفت الأنشطة العسكرية القريبة منها في العامَيْن الماضيَيْن؛ للضغط عليها لقبول مطالباتها بالسيادة. ويدلل على ذلك تحذير وزارة الدفاع الصينية، في مارس الماضي، بأنْ لا قوة تستطيع منع إعادة توحيد الصين وتايوان، فضلاً عن تصعيد الصين عمليات التوغُّل العسكري في منطقة الدفاع الجوي التايوانية إلى أكثر من الضعف عن العام الماضي، لتصل إلى 950 عملية تقريباً، وفقاً لبيانات رسمية جمعتها وكالة بلومبرج.

2– زيادة التقارب الأمريكي–التايواني: في الوقت الذي تتهم فيه تايوان الصين بالتصعيد، وافقت الولايات المتحدة الأمريكية، الأسبوع الماضي، على بيع أسلحة وخدمات بقيمة 95 مليون دولار إلى تايوان؛ للمساعدة في الحفاظ على نظام دفاع صاروخي أمريكي في الجزيرة، في ثالث حزمة أسلحة ترسلها واشنطن إلى تايبيه منذ تولي الرئيس الأمريكي جو بايدن، منصبه في يناير 2021، كما تمَّت الموافقة على صفقة مماثلة بقيمة 100 مليون دولار لبيع خدمات ومعدات لدعم وصيانة وتحسين نظام الدفاع الجوي “باتريوت” في شهر فبراير الماضي.

وفي سياق متصل، أجرى مسؤولون أمريكيون، في شهر أبريل الجاري، محادثات مع نظرائهم من تايوان في واشنطن بشأن توسيع مشاركات تايوان الدولية. وكشفت وزارة الخارجية الأمريكية أن المحادثات ركَّزت على فرص مشاركة تايوان بوصفها مراقباً في منظمة الصحة العالمية، واحتمالات مشاركة تايوان في منظمة الطيران المدني الدولي، وكذلك قام مشرعون أمريكيون بزيارة تاريخية إلى تايوان في تحدٍّ لتحذيرات الصين بوقف التعاملات مع الجزيرة.

3 – الصدام الأمريكي–الصيني بشأن تايوان: يُشكل التعاون العسكري بين تايوان وواشنطن التي تُعَد أكبر مُصدِّري السلاح إلى الجزيرة، مصدر قلق لبكين التي تدعو البيت الأبيض إلى الالتزام بسياسة “الصين الواحدة”. في المقابل، تتبنَّى الولايات المتحدة سياسة “الغموض الاستراتيجي” في التعامل الرسمي مع تصاعد التكهُّنات حول هجوم صيني محتمل على تايوان. فعلى الرغم من تصريح الرئيس بايدن، في شهر أكتوبر الماضي، بأن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن الجزيرة في حالة حدوث غزو، فإن مسؤولي البيت الأبيض حاولوا التوضيح بأن الرئيس لم يقصد بها “أي تغيير في السياسة الأمريكية”، وكذلك تُشكل أيضاً التبادلات الرسمية الأمريكية مع تايوان استفزازاً للجانب الصيني؛ حيث عقَّبت الصين، في شهر أبريل الجاري، على صفقة الأسلحة الأمريكية لتايوان بقولها إنها “تقوض على نحو خطير العلاقات الصينية الأمريكية، والسلام والاستقرار عبر مضيق تايوان”، كما انتقدت بكين الولايات المتحدة لاتخاذها إجراءات “استفزازية” بعد أن أبحرت سفينة حربية تابعة للبحرية الأمريكية عبر مضيق تايوان في الأسابيع الأخيرة، وهو ما وصفته البحرية الأمريكية بأنه “روتيني”.

وطلبت وزارة الخارجية الصينية من الولايات المتحدة، في أكثر من مناسبة، وقف التبادلات الرسمية، “وتجنُّب المضي قدماً في هذا المسار الخطير”. وقد صرَّح المتحدث باسم الوزارة تشاو لي جيان، بأن الصين تُعارِض بشدة أي شكل من أشكال التفاعل الرسمي بين الولايات المتحدة ومنطقة تايوان، وأكد أن الجانب الصيني سيُواصِل اتخاذ إجراءات قوية لحماية سيادته وسلامة أراضيه بحزم، كما اعتبرت وزارة الدفاع الصينية أن زيارة أعضاء الكونجرس الأمريكي، خلال شهر أبريل الجاري، إلى تايوان تنتهك على نحو خطير مبدأ الصين الواحدة والإعلان الثلاثي الصيني–الأمريكي المشترك، وتُقوِّض على نحو خطير الأساس السياسي للعلاقات الصينية الأمريكية، وتزيد التوتُّرات في مضيق تايوان.

رؤى متباينة

خلاصة القول أن إصدار تايوان أول دليل للمدنيين للطوارئ في حال حدوث أزمة عسكرية أو كارثة طبيعية، لا ينفصل عن السياقات الدولية الراهنة المرتبطة بالأزمة الأوكرانية؛ إذ إن بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا حفَّز سيناريو إقدام الصين على خطوة مماثلة لأجل توحيد الصين بالقوة لوأد أي محاولات للعب بورقة استقلال تايوان، مثلما فعلت روسيا في ملف أوكرانيا، خاصةً مع تصنيف البعض رد الفعل الأمريكي مع موسكو بأنه “هش”.

ولكن مع ذلك، فإن ثمة اتجاهاً آخر يُقلِّل من احتمالية تحقيق هذا السيناريو، نظراً إلى كثافة حضور البحرية الأمريكية في بحر الصين الجنوبي. ومن ثم، يرى أنصار هذا الاتجاه أنه من غير المُرجَّح تكرار السيناريو الأوكراني في تايوان، وانخراط الصين في النوع نفسه من الحرب، على الأقل ليس في المستقبل القريب، لكن من المُرجَّح أن تتجه الصين إلى فرض السيطرة على مراحل، سواء من خلال محاولة نفوذ القوة الناعمة كما تفعل بنجاح في العديد من البلدان في جميع أنحاء المنطقة، أو عبر محاولة انقلاب ناعم يساعد على تحقيق السيطرة السياسية دون إراقة دماء.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b9%d8%af%d8%a7%d8%af-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8/