الاستهداف عن بُعد:

كيف تنقل إيران وإسرائيل المواجهات العسكرية لـ "دول ثالثة"؟
الاستهداف عن بُعد:
10 أكتوبر، 2021

تزايدت حدة التصعيد بين كلٍّ من إسرائيل وإيران في الآونة الأخيرة؛ إذ انتقلت المواجهة بين البلدين من “معركة السفن” عبر تصعيد كل منهما ضد الأخرى في المناطق البحرية، إلى “الاستهداف عن بُعد” عبر قيام كل منهما باستهداف الأخرى في أراضي دولة ثالثة، وهو أمر إن كان شائعاً على الأراضي السورية باعتبارها ساحةً ملتهبةً تجمع الدولتين، وتتعامل فيها تل أبيب بقلقٍ بالغٍ مع أي تموضعٍ إيرانيٍّ قرب حدودها، إلا أن هناك مؤشراتٍ متعددةً على امتداد استراتيجية “الاستهداف عن بُعد” إلى أقاليم العالم المختلفة، وعدم اقتصار ذلك على منطقة الشرق الأوسط فحسب.

وتلجأ الدولتان إلى خيار “الاستهداف عن بُعد” لكونه خياراً أقل تكلفةً للطرفَيْن، في ظل استبعاد المواجهة العسكرية المباشِرة على الأقل في الوقت الحالي؛ وذلك بجانب قدرة كل طرف على تحقيق الاختراق الأمني لدولٍ أخرى بدرجةٍ أسهل نسبيّاً من تحقيق الاختراق الأمني ضد الطرف الآخر، أو بتعبيرٍ أدق؛ في ظل صعوبة تنفيذ طهران هجماتٍ في الداخل الإسرائيلي ردّاً على تصاعد العمليات الإسرائيلية في الداخل الإيراني خلال الفترة الأخيرة.

استهداف متبادل

يمكن توضيح أبرز ملامح الاستهداف المتبادل عن بُعد بين إسرائيل وإيران؛ وذلك على النحو التالي:

1– محاولة اغتيال مَدنيين في دولةٍ ثالثةٍ: كشفت إسرائيل، في الرابع من أكتوبر الجاري، عن محاولة اغتيالٍ فاشلةٍ لرجال أعمالٍ إسرائيليين في قبرص، وسط تأكيداتٍ من جانب تل أبيب بضلوع إيران بتلك المحاولة؛ إذ وجَّه رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، تهديداتٍ مباشرةً إلى إيران، بأن تل أبيب سترد على محاولة طهران اغتيالَ رجال أعمالٍ إسرائيليين في قبرص، فيما وصف المتحدث باسم رئيس الوزراء، في بيانٍ، تلك المحاولة بأنها “حادثةٌ إرهابيةٌ أدارتها إيران”.

من جانبها، نفت سفارة إيران في قبرص تلك الاتهامات، واعتبرت أنها “لا أساس لها”، وسط تأكيداتٍ من جانب المتحدث باسم جهاز الموساد (المخابرات الإسرائيلية الخارجية) بضلوع طهران بتلك المحاولة، مشيراً إلى أنه عقب التحقيق في الموضوع تم التوصل إلى استنتاجٍ مُؤكَّدٍ بأن الحادث في قبرص “هو مخططٌ من إيران”.

2– النشاط السرِّي قرب حدود الخصم: عارضت إسرائيل بقوةٍ محاولات طهران المستمرة منذ سنواتٍ لتحويل نقاط التَّماس مع الحدود السورية إلى نقاط تموضعٍ إيرانيةٍ؛ لما لذلك من خطورةٍ كبيرةٍ على الأمن القومي الإسرائيلي. وفي المقابل، تبنت تل أبيب نهجاً مماثلاً لمساعي طهران، عبر محاولة توظيف العلاقات القوية مع أذربيجان من أجل التموضع بالقرب من الخصم الإيراني، خاصةً أن بين طهران وباكو حدوداً طويلةً تمتد لنحو 765 كم.

وفي ضوء هذا، فقد قامت إيران بمناوراتٍ عسكريةٍ كبيرةٍ على الحدود المشتركة مع أذربيجان في الرابع من أكتوبر الجاري، وحذرت الخارجية الإيرانية الجانب الأَذْرِيَّ من مغبَّة السماح لـ”أطرافٍ ثالثةٍ” بالعمل ضد إيران. وقد انتقدت باكو تلك المناورات بشدةٍ، فيما أغلقت مسجداً تابعاً لمكتب ممثل المرشد الأعلى علي خامنئي في الخامس من أكتوبر الجاري.

3– تحويل السفارات إلى نقاط استهداف مرنة: كشفت إسرائيل، في فبراير 2021، عن وجود مخططٍ إيرانيٍّ لتنفيذ عمليةٍ إرهابيةٍ ضد إحدى سفاراتها في دولةٍ بشرق إفريقيا، دون تسمية تلك الدولة، فيما تم الكشف عن قيام إيران بإرسال بعض الموالين لها بهدف جمع معلوماتٍ عن سفارات إسرائيل في عدة دولٍ، تمهيداً لاستهدافها في وقتٍ لاحقٍ، وأن ذلك جاء ردّاً على اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني، والعالِم النووي الإيراني محسن فخري زاده، اللذين تم قتلهما العام الماضي.

جديرٌ بالذكر أنه قبل أيامٍ من الكشف عن ذلك المخطط، كان قد وقع انفجارٌ قرب السفارة الإسرائيلية في العاصمة الهندية نيودلهي، دون وقوع إصاباتٍ بشريةٍ، وسط تأكيداتٍ إسرائيليةٍ بأن إيران هي من تقف خلف هذا الهجوم.

4– استهداف الوكلاء بمناطق الصراعات: كثَّفت إسرائيل غاراتها الجوية خلال العام الجاري ضد أذرع إيران ووكلائها الميليشياويين في سوريا، في ظل قلق تل أبيب المتصاعد من التموضع الإيراني قرب الحدود الإسرائيلية. وقد شدد وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، في سبتمبر 2021، على أن تل أبيب لن تتسامح مع وجود إيران عسكريّاً في سوريا. وقد تنوَّعت الغارات الجوية في استهداف عدة مواقعَ تتمركز فيها ميليشيات الحرس الثوري الإيراني، وكذلك حزب الله اللبناني، ولواء فاطميون.

تكثيف التصعيد

تدل المؤشرات المختلفة على أن تفضيل كلٍّ من إيران وإسرائيل الاستهدافَ المتبادل في دولٍ أخرى؛ من شأنه أن يعزز التوتر بينهما في المرحلة المقبلة؛ وذلك على النحو التالي:

1– احتمالية استهداف الوفود السياحية: في ظل تفضيل طهران استهدافَ المَدنيين، فقد يكون السُيَّاح الإسرائيليون هدفاً مُحتمَلاً بالنسبة إلى طهران خلال المرحلة المقبلة، وهو أمرٌ إن حدث فقد يعزز التوتر بين إيران وبين تلك الدول، وهو قلقٌ يساور مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي؛ إذ عبَّر بعض المسؤولين عن تخوفهم من استهداف السُيَّاح الإسرائيليين في منطقة الخليج العربي؛ وذلك في نوفمبر 2020، عقب مقتل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده.

2– البحث عن مناطق الاختراق الرخوة: قد تتحول القارة الإفريقية إلى ساحة تصعيدٍ متبادَلٍ بين إيران وإسرائيل، خاصةً أن محاولات طهران لاستهداف سفارات الخصم في شرق إفريقيا لم تكن المحاولة الأولى في تلك القارة؛ ففي عام 2012 كانت أزمةٌ دبلوماسيةٌ قد اندلعت بين إيران وكينيا، عقب إلقاء السلطات الكينية القبض على اثنين من الإيرانيين بحيازتهما كمٌّ كبيرٌ من المتفجرات. وذكرت مصادرُ كينيةٌ أن المتهمَين عضوان في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وكانا يخططان لمهاجمة أهدافٍ إسرائيليةٍ وأمريكيةٍ في كينيا. ومن ثم، فقد يتصاعد الاهتمام الإيراني في المرحلة المقبلة باستهداف مصالح الخصم في بعض دول القارة الإفريقية، لا سيما أن بعض تلك الدول قد تكون أسهل نسبيّاً بالنسبة إلى طهران من حيث تحقيق اختراقٍ أمنيٍّ بها.

3– توسيع الأنشطة الاستخباراتية النوعية: من المُرجَّح أن يتصاعد الصراع الاستخباراتي الخفي بين إيران وإسرائيل، في عدة دولٍ مثل أذربيجان وأرمينيا وجورجيا وسوريا. ويأتي ذلك متزامناً مع مخاوفَ إيرانيةٍ من توسُّع النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي بالقرب من حدودها، لا سيما في أذربيجان، وسط إشارة بعض التقارير إلى استخدام إسرائيل قاعدةً عسكريةً أَذْرِيَّةً للمراقبة والاستطلاع بالقرب من حدود طهران.

4– تكثيف “حروب السفن” بين الطرفين: لن تتوقف الدولتان عن التوسُّع في تنفيذ هجماتٍ ضد أهدافٍ بحريةٍ، خاصةً في ظل رغبة إسرائيل في منع نقل السلاح والمعدات حتى النفط من إيران إلى بعض مناطق الصراع مثل سوريا، وكذلك في ظل رغبة النظام الإيراني في ردع تل أبيب، خاصةً قُبالةَ السواحل العمانية والخليج العربي، وكذلك في ظل الحرص الإيراني على التلويح بالعنف من أجل تعزيز موقع إيران في أي مفاوضاتٍ نوويةٍ مقبلةٍ.

وفي المجمل، فإن دوافع التصعيد بين إسرائيل وإيران لا تزال قائمةً، بل تتزايد، خاصةً في ظل مخاوف تل أبيب من امتلاك إيران سلاحاً نوويّاً، وقلقها من توسع أذرع إيران في المنطقة. ومن جانب آخر، تتعامل طهران مع معركتها ضد إسرائيل بأنها “معركة وجود” وليست “معركة حدود”. وفي ظل تغاضي القوى الدولية عن خفض التصعيد بين البلدين، فإن وتيرة “الاستهداف عن بُعد” بينهما سوف تتزايد بقدرٍ أكبر على المَدَيْين المنظور والمتوسط، وبما يؤثر سلباً على الأمن الإقليمي بطبيعة الحال.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%87%d8%af%d8%a7%d9%81-%d8%b9%d9%86-%d8%a8%d9%8f%d8%b9%d8%af/