الاستياء المتصاعد:

ما مستقبل حزب المؤتمر الحاكم في جنوب أفريقيا؟
الاستياء المتصاعد:
21 سبتمبر، 2022

شهدت جنوب أفريقيا العديد من الإشكاليات التي تواجه النظام الحاكم بقيادة الرئيس “سيريل رامافوزا” الممسك بزمام السلطة السياسية منذ عام 2018، والتي تنامت خلال العامين الأخيرين بدرجة كبيرة، وصاحبها تراجع ملحوظ في قاعدة التأييد الشعبي التقليدية للحزب الحاكم “المؤتمر الوطني الأفريقي” (ANC) الذي يسيطر على السلطة السياسية منذ نهاية عهد النظام العنصري “الأبارتهايد” وبداية مسار التحول السياسي في عام 1994. وقد أدى هذا التراجع إلى طرح العديد من التساؤلات المرتبطة بمستقبل الدور السياسي للحزب في جنوب أفريقيا، ولا سيما في ضوء الانتخابات العامة المقبلة المزمع إجراؤها في عام 2024.

تأزم داخلي

يمر الحزب الحاكم “المؤتمر الوطني الأفريقي” بمرحلة من عدم التوازن السياسي، وهي المرحلة التي تُوصَف بأنها الأصعب منذ وصوله إلى سدة الحكم في الدولة منذ عام 1994، ولعل من أبرز مؤشرات ذلك ما يلي:

1– تراجع مستوى التأييد الشعبي: على الرغم من كون حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي” هو المسيطر على الحياة السياسية بفوزه في خمس انتخابات عامة متتالية عقب سقوط النظام العنصري، فإنه يشهد حالة من التراجع الحاد على مستوى شعبيته السياسية، وهو ما تبلور من خلال الانتخابات المحلية التي جرت في مطلع نوفمبر من العام الماضي (2021)، والتي تعد نقطة تحول وعلامة دالة بشأن تآكل مستوى الشرعية السياسية التي يحظى بها الحزب الحاكم؛ حيث انخفض نصيب الحزب في التصويت إلى أقل من (50%) على المستوى الوطني لأول مرة منذ بداية مسار التحول السياسي في الدولة في منتصف التسعينيات من القرن الماضي. وحصل حزب المعارضة الرئيسي “التحالف الديمقراطي” على (21.8%) من إجمالي الأصوات، في حين حصل حزب “المناضلون من أجل الحرية الاقتصادية”على (10.4%).

وتعتبر نسبة المشاركة في إطار هذه الانتخابات ضعيفة؛ حيث شارك أقل من نصف الناخبين المسجلين في قواعد البيانات؛ وذلك بواقع (12.3) مليون ناخب مسجلين من أصل (26.1) مليون ناخب، وقد انخفضت المشاركة بوجه عام بنسبة (10%) على الأقل بالمقارنة بالانتخابات المحلية الأخيرة التي جرت قبل خمس سنوات. ويمكن أن ينعكس هذا الانخفاض المستمر في دعم الحزب الحاكم في الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في عام 2024.

2– التنافس المُحتدِم على رئاسة الحزب: تنامى هذا الأمر بدرجة كبيرة وتبلور بجلاء خلال المؤتمر السادس للحزب الذي عُقد في أواخر يوليو من العام الجاري، وشارك فيه نحو (2000) مسؤول وعضو في الحزب، وهو المؤتمر الذي يعد بمنزلة اجتماع تمهيدي أو تحضيري لمؤتمر الحزب في ديسمبر المقبل، والذي سيشهد إجراء انتخابات داخلية حاسمة لاختيار الرئيس المقبل للحزب، تمهيداً لسباق الانتخابات العامة المقبلة في عام 2024. ويواجه الرئيس الحاكم “رامافوزا” معارضة كبيرة داخل الحزب الحاكم؛ حيث يعد الفصيل المنافس الموالي للرئيس السابق “جاكوب زوما” نشطاً للغاية، ومن المقرر أن يقدم مرشحاً لمنافسته على قيادة الحزب، وسيحاول استثمار الأوضاع غير المستقرة في الدولة وتصاعد الانتقادات الحادة في مواجهة الرئيس الحالي على عدة أصعدة خلال الفترة الأخيرة.

وقد تؤثر الفضيحة المتعلقة بالفساد المالي، التي تعرض لها الرئيس الحالي “رامافوزا” في فبراير الماضي، على فرص إعادة انتخابه رئيساً لحزب، لكن في الوقت الحالي يبدو أنه لا يزال يحظى ببعض الدعم من حزبه؛ حيث إنه خلال اجتماع اللجنة التنفيذية لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الذي عُقد بعد ظهور مزاعم الفساد ضده؛ حاول عضو اللجنة “توني ينجيني” (Tony Yengeni) – وهو معارض قوي للرئيس “رامافوزا” – إقناع اللجنة بإجبار الرئيس الحالي على التنحي، لكنه فشل في ذلك. وقد تعزز موقف الرئيس الحالي خلال الأشهر القليلة الماضية؛ حيث عقدت مختلف فروع ومناطق الحزب الحاكم مؤتمرات لانتخاب مسؤولين كبار جدد، وهم المسؤولون الذين يقدم كثير منهم الدعم للرئيس “رامافوزا” إلى حد كبير.

3– تفاقم الانقسامات الداخلية في الحزب: تبلورت الاختلافات الجذرية بين أعضاء الحزب حيال بعض القضايا المؤثرة، ولعل من أبرزها تطبيق قاعدة التنحي التي تبنتها اللجنة التنفيذية الوطنية للحزب في أغسطس 2020، والتي تشير إلى ضرورة تنحي الأعضاء الذين تُوجَّه إليهم تهم بالفساد، أو تعليق أدوارهم ومهامهم فوراً لحين الانتهاء من التحقيقات؛ وذلك على نحو ما حدث مع الأمين العام السابق للحزب “إيس ماجاشولي” (Ace Magashule)، الذي أُجبر على التنحي في 3 مايو 2021، بعد أن زُعم أنه متورط في الفساد أثناء توليه مسؤولية ولاية “فري ستيت”.

وقد أدت هذه القاعدة إلى تفاقم الانقسامات داخل الحزب؛ حيث ادعى بعض قياداته الذين أُجبروا على الاستقالة، استخدامها وتوظيفها من قبل الرئيس الحاكم “رامافوزا”؛ لتهميش واستبعاد المنافسين (المعارضين) السياسيين، وهو ما حرم هذه القاعدة من أن تحظى بالدعم والتأييد في مؤتمر الحزب الذي عُقد في يوليو الماضي.

إشكاليات مؤثرة

ثمَّة جملة من إشكاليات الحكم الداخلية القائمة في الدولة خلال الفترة الأخيرة، والمؤثرة بدورها على الشرعية السياسية للنظام الحاكم وحزبه “المؤتمر الوطني الأفريقي”، ويتمثل أبرزها فيما يلي:

1– تزايد المشكلات الاقتصادية–الاجتماعية: وقد تبلورت من خلال حدوث تدهور في بعض المؤشرات ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة على الاستقرار المجتمعي، وهو ما تفاقمت تأثيراته بدرجة كبيرة بفعل التداعليات المرتبطة بجائحة فيروس كورونا وكذلك الحرب الروسية–الأوكرانية التي اندلعت في فبراير من هذا العام. ولعل من هذه المؤشرات ارتفاع معدل البطالة الذي بلغ نحو (34.5%) في الربع الأول من عام 2022، لتحقق بذلك أعلى نسبة مسجلة في جنوب أفريقيا منذ عام 2008.

وفي السياق ذاته، سجَّل هذا المُعدَّل ارتفاعات قياسية بلغت نحو (63.9%) لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، ونحو (42.1%) لمن تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً في الربع الأول من عام 2022. يُضَاف إلى ذلك ارتفاع مستويات الفقر في الدولة؛ حيث يعيش نحو (30.3) مليون شخص في الفقر، وهو ما يُمثِّل نحو (55.5%) من إجمالي عدد السكان. وتُصنَّف جنوب أفريقيا، بوجه عام، على أنها من الدول الأكبر من حيث عدم المساواة على مستوى العالم، كما بلغ معدل التضخم السنوي في الدولة نحو (6.5%) في مايو 2022، ليُسجِّل بذلك أعلى معدل له في خمس سنوات.

2– تنامي واقع الفساد المرتبط بالنخبة الحاكمة: تعاني النخب الحاكمة في جنوب أفريقيا من تراجع شرعيتها في الداخل بفعل تهم وقضايا الفساد الموجهة إليها، ولعل آخرها الفضحية الموجهة إلى رئيس الدولة “سيريل رامافوزا”، التي ظهرت للرأي العام عندما قدم مدير المخابرات السابق “آرثر فريزر” شكوى ضد الرئيس الحالي في مركز شرطة “جوهانسبرج” في 9 فبراير 2020، زعم من خلالها استهداف لصوص مزرعة تابعة للرئيس تسمى مزرعة “فالا فالا” للحياة البرية في مقاطعة “ليمبوبو” الشمالية، وأنهم تمكنوا من العثور على (4) ملايين دولار (3.7 مليون يورو) من العملات الأجنبية مخبأة داخل الأثاث، وقد اعترف الرئيس “رامافوزا” فيما بعد بحدوث السرقة، لكنه أكد أن هذه الأموال كانت من مزاد للماشية الثمينة، وأنه لم يرتكب أي خطأ، وأكد أنصاره أنه ضحية حملة تشهير قبل منافسة وحشية محتملة للفوز بولاية ثانية رئيساً لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي في ديسمبر المقبل.

وتأتي هذه القضية في ظل إثارة الرأي العام ما تُعرف بقضية الأخوين “جوبتا” (أتول وراجيش جوبتا)، وهما من أبرز المطلوب القبض عليهم في جنوب أفريقيا بسبب تهم الفساد؛ حيث تم اتهامهما بدفع رشاوى للحصول على عقود حكومية، والتأثير على عملية تعيين الأفراد في المناصب العليا؛ وذلك في عهد إدارة الرئيس السابق “جاكوب زوما”.

3– تصاعد الأزمات المرتبطة بوفرة الطاقة: وهي الأزمات التي تجلَّت في الأساس من خلال أزمة انقطاع التيار الكهربائي بكثافة غير مسبوقة خلال الفترة الأخيرة، وتحديداً منذ يونيو الماضي، لتعد الأسوأ من نوعها في البلاد منذ عام 2019؛ حيث أدت سلسلة الأعطال لمحطات الفحم المتقادمة التابعة لشركة “أسكوم” (Eskom) المملوكة للدولة، إلى إغراق البلاد في الظلام لمدة تصل إلى (12) ساعة يومياً؛ ما أدى إلى تراجع القدرات المرتبطة بمجمل المرافق العامة في الدولة، وزيادة الضغط على حزب “المؤتمر الوطني الأفريقي” الحاكم.

ونتيجةً لذلك نفذت شركة “أسكوم”، التي توفر ما يزيد عن (90%) من الكهرباء، نظاماً لفصل وتقليل الأحمال لخفض نحو (6000) ميجاوات من الشبكة الكهربائية، وهو ما يكفي لتغطية نحو (4) ملايين منزل، ويُعَد هذا أسوأ خفض في إنتاج الكهرباء منذ انهيار الشبكة في عام 2008، كما توقفت الشركة عن خدمة بعض المناطق في البلاد بسبب تعرض قوتها العاملة لهجوم مستمر؛ حيث ذكرت أن (14) فريقاً قد تعرضوا للهجوم في هذا العام في منطقة “جوتنج”، وتم تهديدهم بالعنف من قبل أفراد المجتمع الغاضبين، كما يتعرَّضون في بعض الأحيان للجرائم الشائعة من قبيل سرقة ممتلكاتهم.

وفي هذا السياق، أقدم النظام الحاكم على تبني بعض الإجراءات لمعالجة هذه الأزمة، ومنها إلغاء حد قدره (100) ميجاوات لتوليد الطاقة الخاصة خلال شهر يوليو الماضي؛ وذلك من أجل السماح للشركات ببناء محطات لتوليد الطاقة دون ترخيص؛ لتلبية احتياجاتها الخاصة، وبيعها للشبكة التابعة للدولة، وكذلك مضاعفة المشتريات الحكومية من الطاقة المتجددة إلى (5200) ميجاواط؛ لتسريع وتيرة التحول نحو الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة (طاقة الرياح، الطاقة الشمسية)، والابتعاد عن المصادر غير المتجددة، وعلى رأسها الفحم الذي تعتمد عليه الدولة في أكثر من (80%) من طاقتها. وبالرغم من ذلك، فإن الأزمة لا تزال قائمة في الدولة ومؤثرة على مختلف القطاعات.

4– تدني مستوى البنية التحتية العامة المتكاملة في الدولة: وهو ما يُعَد من أبرز المشكلات المواجهة للنظام الحاكم، التي ترتبط بعدم الكفاءة في تخطيط وتنفيذ البنية التحتية للدولة؛ حيث تم تأجيل خطط العمل المتعلقة بمشروعَين رئيسيَّين لزيادة قدرة ميناء “ديربان” بشكل دائم، الذي تم تصميمه قبل عقد من الزمن، ويُفترَض أن تنتهي المرحلة الأولى منه بحلول عام 2037. وقد أدى تراجع قدرة هذا الميناء إلى زيادة الاعتماد على موانئ الدول المجاورة السريعة النمو لفترة طويلة، كما أدى عدم الاستقرار، وغياب الكفاءة، والفساد المزمن إلى تدهور البنية التحتية للسكك الحديدية والموانئ واللوجستيات في الدولة.

وقد أدَّى ذلك إلى جعل صادرات جنوب أفريقيا غير قادرة على المنافسة؛ حيث يتطلَّع العديد من المُصدِّرين المحليين إلى مناطق جديدة في الإقليم من قبيل موزمبيق وناميبيا، كما أن نظام المياه في جميع أنحاء البلاد أصبح عرضةً للانهيار الكامل؛ وذلك بسبب الافتقار إلى صيانة البنية التحتية والفساد. ويُضَاف إلى ذلك تعرُّض نظام البنية التحتية لمياه الصرف الصحي للانهيار تقريباً؛ حيث إنه من بين (824) خطة لمعالجة المياه في جميع أنحاء البلاد يوجد هناك (60) خطة فقط استطاعت أن توفر المياه النظيفة، كما تم تصنيف ما يزيد عن (60%) من أعمال معالجة مياه الصرف الصحي في البلاد على أنها في حالة سيئة أو حرجة.

مسارات مستقبلية

تطرح الرؤية المستقبلية احتمالية السير في أحد مسارَين بشأن مستقبل دور الحزب الحاكم “المؤتمر الوطني الأفريقي” في الحياة السياسية في الدولة، وهما:

1– تنامي مساعي الحزب الحاكم لتوطيد أركان حكمه: وهو يُشكِّل المسار الأكثر ترجيحاً، الذي يتمثل في محاولة الحزب الحاكم “المؤتمر الوطني الأفريقي” تصحيح مساره عبر استعادة شعبيته المتراجعة خلال الفترات الأخيرة، وذلك من خلال محاولة توحيد الجبهة الداخلية للحزب في المؤتمر المقبل للحزب في أواخر العام الجاري؛ وذلك بالالتفاف حول قيادة للحزب تحظى بقبول داخلي من أعضائه، بل بقبول وتأييد على المستوى الشعبي؛ وذلك لضمان حسم الحزب الأغلبية التصويتية في الانتخابات العامة المقبلة في عام 2024؛ وذلك على نحو ما جرى في الانتخابات العامة التي أجريت في عام 2019، وهو ما يُعَد أمراً بالغ الأهمية بالنسبة إلى المستقبل السياسي للحزب في الدولة، ولا سيما في ضوء تفاقم الانتقادات المُوجَّهة إلى الحزب الحاكم بقيادة الرئيس الحالي “رامافوزا” بفعل التعثُّر بشأن إيجاد حلول لمعالجة القضايا المؤثرة على الاستقرار والسلام المجتمعي.

2– تراجع دور الحزب الحاكم لصالح المعارضة السياسية: وهو المسار الذي يُعَد الأقل ترجيحاً، ويرتبط بقدرة الأحزاب السياسية المعارضة على الاستفادة من تراجع شعبية الحزب الحاكم، وهو ما تتراجع فرص حدوثه في ظل عدم نجاح أي حزب معارض حتى الآن في الاستفادة من خسائر “المؤتمر الوطني الأفريقي” في الانتخابات المحلية التي جرت في نوفمبر 2021؛ وذلك من خلال كسب الأصوات وتقديم نفسه بديلاً سياسياً للحزب الحاكم؛ حيث كان أداء أكبر حزب معارض – وهو التحالف الديمقراطي (DA) – في هذه الانتخابات، أسوأ مما كان عليه في الانتخابات المحلية لعام 2016؛ حيث حصل بالكاد على أقل من (22%) من إجمالي الأصوات الانتخابية. ويعزز من ذلك محدودية الخبرة لدى الأحزاب السياسية في الدولة بسياسة تكوين الائتلافات أو التحالفات الحزبية؛ حيث تم تجريب عدد قليل جداً منها منذ الانتخابات المحلية لعام 2016.

خلاصة القول أن حزب المؤتمر الوطني يواجه العديد من التحديات، سواء داخل الحزب من التباينات القائمة بين أعضائه أو على مستوى القضايا والأزمات المتفاقمة في الدولة التي تؤثر، بطريقة أو بأخرى، على شرعية الحزب وشعبيته. وبالرغم من ذلك، فإن الحزب لا يزال يمتلك أدوات لتعزيز فرصه السياسية، وخصوصاً أن المعارضة السياسية تعاني من إشكاليات عديدة تقوض قدرتها على تشكيل بديل فاعل يمكن المراهنة عليه.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b9%d8%af/