الاقتصاد أولاً:

دلالات تشكيل الحكومة التونسية الجديدة برئاسة "نجلاء بودن"
الاقتصاد أولاً:
12 أكتوبر، 2021

أدى أعضاء الحكومة التونسية الجديدة المكونة من 25 وزيراً، برئاسة “نجلاء بودن”، اليمين الدستورية أمام الرئيس “قيس سعيد”. وتعكس تشكيلة الحكومة الجديدة الحرص على تمكين المرأة سياسياً في هذه الحكومة، والتزام الرئيس “سعيد” بتعهداته، والاستجابة لمطالب الشعب التونسي بما يسهم في تعزيز شرعية النظام ورفع درجة شعبيته داخلياً، حيث أثبت الرئيس “سعيد” قدرته على تغيير ملامح خريطة المشهد السياسي التونسي بعد إقصاء الإخوان المسلمين وإقالة حكومة “المشيشي”، وتشكيل حكومة جديدة تتماشى مع توجهاته نحو تغيير النظام السياسي الحالي. وترجح المعطيات الراهنة أن يسهم تولي الحكومة الجديدة مهامها في تحقيق الاستقرار السياسي المطلوب لمساعدة البلاد على حل أزماتها التي تعاني منها، ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية والصحية، والاتجاه تدريجياً نحو إنهاء الحالة الاستثنائية المفروضة في البلاد منذ حوالي ثلاثة أشهر.

ملامح حاكمة

تُشير تركيبة الحكومة الجديدة، التي تم تشكيلها عقب مرور 12 يوماً فقط على تكليف الرئيس “سعيد” لرئيسة الحكومة “نجلاء بودن” بمهمة تشكيلها في 29 سبتمبر الماضي، إلى عدد من السمات والملامح الهامة، وذلك كما يلي:

1- إعادة هيكلة الوزارات: حيث شهدت تركيبة الحكومة الجديدة إعادة هيكلة للوزارات، وذلك من خلال إلغاء بعض الوزارات مثل وزارة “الشؤون المحلية” التي كانت مدمجة مع وزارة “البيئة”، كما تم الفصل بين وزارتي “المالية” و”الاقتصاد والتخطيط” بعد أن كانتا في وزارة واحدة تحمل اسم وزارة “الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار”، وكذلك الفصل بين وزارتي “الشباب والرياضة” و”التشغيل والتكوين المهني” بعد أن كانتا في وزارة واحدة في الحكومة السابقة برئاسة “هشام المشيشي” تحت اسم وزارة “الشباب والرياضة والإدماج المهني”. وتم استحداث حقيبة وزارية جديدة هي وزارة “التشغيل والتكوين المهني”، وذلك من أجل تطوير العمل الحكومي بما يخدم تلبية احتياجات المواطنين.

2- حضور لافت للنساء: إذ تعكس تركيبة الحكومة التونسية الجديدة رغبة رئيس الدولة “قيس سعيد” في تعزيز وضع المرأة التونسية وذلك من خلال تمكينها من المشاركة في الحياة السياسية، حيث تضم الحكومة الجديدة 9 وزيرات، منهن ثلاث سيدات حصلن على حقائب وزارية هامة مثل “العدل” و”المالية” و”التجارة وتنمية الصادرات”، بالإضافة إلى وزارات لا تقل أهمية مثل “الصناعة والمناجم والطاقة”، ووزارة “التجهيز والإسكان”، إلى جانب وزارات “البيئة” و”المرأة والطفولة وكبار السن” و”الثقافة”، وفي ذلك مؤشر هام على حضور لافت للنساء في تشكيلة الحكومة الجديدة بنسبة 36%، أي أكثر من ثلث أعضاء الحكومة.

3- اختيار وزراء تكنوقراط: حيث تشير تشكيلة الحكومة الجديدة إلى اعتماد رئيس الدولة “سعيد” ورئيسة الحكومة “بودن” في اختياراتهما على المسؤولين من التكنوقراط وأصحاب الخبرات والنزاهة من غير المتورطين في شبهات فساد مالي أو إداري، ومن الأمثلة الدالة على ذلك وزير الدفاع الجديد “عماد مميش” وهو في الأصل أستاذ جامعي حاصل على الدكتوراه في القانون الخاص والعلوم الجنائية، وهو خبير في مكافحة الفساد مع الأمم المتحدة و”المنظمة الدولية لقانون التنمية”، وهو ما يؤكد على أن اختيارات الرئيس “سعيد” تركز في الأساس على الشخصيات القادرة على مساعدته في ملف مكافحة الفساد الذي يوليه اهتماماً خاصاً.

4- الإبقاء على وزراء سابقين: إذ تم الإبقاء على عدد من الوزراء السابقين من حكومة “هشام المشيشي” المُقالة، ومن أبرزهم وزير الخارجية “عثمان الجرندي”، ووزير الداخلية “توفيق شرف الدين”، وكلاهما مقرب من رئيس الدولة، وذلك لاقتناع الرئيس “سعيد” بكفاءة كل منهما، ومن ثم جاء الإبقاء عليهما كنوع من تجديد الثقة فيهما، وذلك لقدراتهما في مواجهة الملفات والتحديات التي تواجه الدولة التونسية على الصعيدين الداخلي والخارجي، هذا إلى جانب الإبقاء على وزيري “الشباب والرياضة” “كمال دقيش” و”التربية” “فتحي السلاوتي”، فيما تولت “ليلى جفال” وزيرة أملاك الدولة بالحكومة السابقة وزارة “العدل” في الحكومة الجديدة.

5- وجود اقتصاديين أكفاء: حيث تشير اختيارات الرئيس “سعيد” لأعضاء المجموعة الاقتصادية في الحكومة الجديدة إلى إدراكه أهمية وضع حلول فاعلة وجذرية للأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها البلاد خلال الفترة الأخيرة، ومن المؤشرات الدالة على ذلك تعيين “سهام بوغديري” وزيرة للمالية بعد أن قضت 28 عاماً في وزارة المالية وهي متخصصة بشكل خاص في تطوير التشريعات الضريبية والتدابير المالية لقانون المالية وكذلك المذكرات التفسيرية المشتركة، وقادت مجموعة العمل الخاصة بالإصلاح الضريبي، كما شاركت في المفاوضات حول برنامج الإصلاح الضريبي مع صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد العربي، وفي مفاوضات شطب تونس من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي.

يُضاف لذلك تخصيص وزارة “للاقتصاد والتخطيط” برئاسة “سمير سعيد” وهو خبير في الشؤون المصرفية لمدة 30 عاماً. وربما تسهم هذه الخبرات الاقتصادية والمالية في مساعدة البلاد على الخروج من أزمتها الاقتصادية الراهنة عبر وضع تصور جديد للأوضاع الاقتصادية الراهنة ووضع قانون مالية تكميلي لعام 2021، بما يساعد الحكومة الجديدة في ذلك الأمر.

دلالات سياسية

تحمل تشكيلة الحكومة الجديدة على هذا النحو مجموعة من الدلالات السياسية الهامة، ومن أبرزها ما يلي:

1- تصنيفها كحكومة إنقاذ: إذ يأتي تشكيل الحكومة في هذا التوقيت الذي تتطلب فيه الدولة التونسية حكومة تتسم بالكفاءة والقدرة على إنقاذها من الأزمات السياسية والاقتصادية والصحية التي تواجهها طيلة الفترة الأخيرة، والتي تفاقمت بشكل خاص منذ مطلع العام الجاري ودفعت برئيس الدولة إلى إعلان الحالة الاستثنائية في البلاد وفقاً للفصل 80 من الدستور المعمول به من 2014، والتي شملت تجميد البرلمان وتعليق العمل بالدستور فيما عدا البابين الأول والثاني منه حفاظاً على الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت الحاجة ملحة لحكومة جديدة لإدارة شؤون البلاد، وتقديم علاجات لتصحيح كافة الأوضاع غير المستقرة في البلاد.

2- تمكين رئيس الدولة: حيث تشير الحكومة الجديدة إلى أن رئيس الدولة أصبح رقماً صعباً في معادلة موازين القوى السياسية، فقد أثبت رئيس الدولة “قيس سعيد” خلال الفترة الأخيرة قدرته على التأثير في إعادة رسم خريطة المشهد السياسي في البلاد، مستغلاً ضعف الأحزاب السياسية الحالية وانشغالها بخلافاتها وصراعاتها الحزبية الضيقة، رافعاً شعار مكافحة الفساد بشتى صوره المالي والإداري والسياسي، وهو ما أكدت عليه تصريحاته عقب أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمامه، بأنه لن يسمح لأي من الأطراف الداخلية العبث بسيادة الدولة والشعب، الأمر الذي يمكنه من توسيع صلاحياته والاتجاه نحو تغيير النظام السياسي الحالي وفقاً لرؤيته التي طرحها من قبل بتغييره إلى نظام سياسي رئاسي يتمتع فيه رئيس الدولة بصلاحيات أوسع.

3- تعزيز شرعية النظام الحالي: إذ جاء الإعلان عن تشكيلة الحكومة الجديدة في الوقت الذي تعالت فيه الأصوات الداخلية للضغط على رئيس الدولة “قيس سعيد” بضرورة الإسراع نحو إنهاء الإجراءات الاستثنائية، وتشكيل حكومة جديدة، ومن ثم فإن الإعلان عن هذه الحكومة من شأنه تهدئة الأوضاع الداخلية على كافة المستويات، وفي الوقت نفسه تأكيد الرئيس “قيس سعيد” على التزامه بتنفيذ تعهداته أمام الشعب التونسي وأمام المجتمع الدولي بحرصه على تحقيق الاستقرار السياسي في البلاد، ومن ثم كسب ثقة وتأييد كافة الأطراف الداخلية والخارجية المنخرطة في الشأن الداخلي التونسي وخاصة الولايات المتحدة، الأمر الذي يعزز من شرعية النظام السياسي القائم ويزيد من شعبية رئيس الدولة.

وختاماً، من شأن تشكيل الحكومة التونسية الجديدة أن يسهم في تحقيق نوع من الاستقرار السياسي الذي تحتاجه الدولة التونسية في الوقت الحالي، وذلك تمهيداً لإنهاء الإجراءات الاستثنائية المفروضة منذ يوليو الماضي. ومن المرجح أن يكون لذلك الأمر انعكاسات إيجابية على كافة المجالات، ولا سيما الأوضاع الاقتصادية المتردية، فتشكيل الحكومة الجديدة سوف يساعد تونس على استعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية المانحة، بما يشجع صندوق النقد الدولي على قبول الطلب التونسي بتحريك المفاوضات الخاصة بالحصول على قروض جديدة لإنعاش الاقتصاد الوطني المتهالك.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a3%d9%88%d9%84%d8%a7%d9%8b/