البديل النظيف:

هل تنجح سياسات التوسع في استخدام الهيدروجين الأخضر ؟
البديل النظيف:
22 نوفمبر، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial

في الوقت الذي يحاول العالم فيه البحث عن بدائل مواتية لتغير المناخ، ومساعيه للتخلص من الكربون، وفي ظل التحديات التي تتعرض لها بعض الدول بخصوص تأمين مصادر الطاقة، وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي؛ يبرز  الهيدروجين الناتج عن تقسيم جزيئات الماء إلى هيدروجين وأكسجين، حلاً جذاباً للعديد من الدول حول العالم؛ حيث يمثل الاعتماد عليه فرصة كبيرة للمساعدة في تلبية الطلب العالمي على الطاقة، إضافة إلى المساهمة في تحقيق أهداف العمل المناخي، نظراً لما لديه من قدرة على توفير طاقة نظيفة للتصنيع والنقل، ومنتجها الثانوي الوحيد هو الماء.

اتجاهات صاعدة

تشهد صناعة الهيدروجين الأخضر إقبالاً كبيراً على مستوى العالم، يظهر ذلك بوضوح في عدة اتجاهات، نستعرضها كما يلي:

1- زيادة الطلب العالمي على الهيدروجين الأخضر: ففي عام 2020، بلغ الطلب على الهيدروجين الأخضر ما يقدر بنحو 87 مليون طن متري، ومن المتوقع أن ينمو الطلب عليه إلى 500-680 مليون طن متري بحلول عام 2050، في ضوء النمو الذي شهده الطلب على الهيدروجين الأخضر خلال عام واحد من عام 2020 إلى عام 2021؛ حيث بلغت قيمة سوق إنتاج الهيدروجين نحو 130 مليار دولار في عام 2021، ومن المتوقع أن يستمر ذلك المعدل في النمو ليصل إلى 9.2% سنوياً حتى عام 2030.

2- قيادة مشاريع أمريكية في الهيدروجين الأخضر: تحاول الولايات المتحدة في الوقت الحالي تعزيز اعتماد الهيدروجين الأخضر ومواجهة التحديات المتعلقة به، عبر قيادة عدد من مشاريع الطاقة الخضراء في الدولة. وفي ذلك الإطار، تستثمر ولاية كاليفورنيا الأمريكية نحو 230 مليون دولار في مشاريع الهيدروجين قبل عام 2023، كما يُجرى بناء أكبر مشروع هيدروجين أخضر في العالم في لانكستر إحدى مدن ولاية كاليفورنيا، من قبل شركة الطاقة العالمية SGH2 ، وهو المشروع الذي يتم من خلاله إعادة تدوير النفايات؛ حيث يتم حرق 42 ألف طن من النفايات الورقية المعاد تدويرها سنوياً لإنتاج الهيدروجين الأخضر.

3- إطلاق الأمم المتحدة لمشاريع دعم الهيدروجين الأخضر: في إطار الرغبة العالمية في تقليل الاعتماد على الكربون، اتجهت الأمم المتحدة لتبني مشاريع غرضها الرئيسي دعم إنتاج الهيدروجين الأخضر؛ ففي ديسمبر من العام الماضي، كانت الأمم المتحدة قد أطلقت مبادرة Green Hydrogen Catapult، التي جمعت سبعة من أكبر مطوري مشاريع الهيدروجين الأخضر العالمية بهدف خفض تكلفة الهيدروجين الأخضر إلى أقل من دولارين للكيلوجرام وزيادة إنتاج الهيدروجين الأخضر بمقدار 50 ضعفاً بحلول عام 2027.

4- نمو فرص أفريقيا في سوق الهيدروجين الأخضر: من المرجح أن تستحوذ أفريقيا على 10% من السوق العالمية للهيدروجين الأخضر بحلول عام 2050، كما يُتوقع أن تخلق مشاريع الهيدروجين الأخضر ما يصل إلى 3.7 مليون وظيفة، بما يضيف ما يصل إلى 120 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للقارة السمراء في العقود الثلاثة المقبلة.

في ذلك الإطار، تسعى عدد من الدول الأفريقية للنهوض بسوق الهيدروجين الأخضر عبر زيادة عدد من مشاريع الطاقة الخضراء، منها ما تم في أبريل من العام الجاري، عندما اتفقت شركة “مصدر” بصفتها رائدة في مشاريع الطاقة النظيفة في شمال أفريقيا، مع شركة حسن علام للمرافق المصرية، على التعاون من أجل تطوير مصانع إنتاج الهيدروجين الأخضر في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وعلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. ومن المرجح أن تشهد الاتفاقية قيام شركتي مصدر وحسن علام للمرافق بإنشاء منصة استراتيجية لتطوير مصانع إنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر، كما يسعى المشروع إلى إنتاج ما يصل إلى 480 ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً.

5- اهتمام أوروبي بمشروعات الهيدروجين الأخضر: في الوقت الحالي،يروج الاتحاد الأوروبي لـ”الشراكة الأوروبية للهيدروجين النظيف”، وهي الرابطة الأوروبية الرئيسية المرتبطة بالهيدروجين التي تسعى إلى ترسيخ نفسها كعامل تمكين نشط لمجتمع خالٍ من الانبعاثات، ويتركز عملها على تطوير الابتكار وتعزيز تكنولوجيا الهيدروجين والاستجابة للتحديات القائمة. وتمتلك الرابطة حالياً أكثر من 1000 مشروع مرتبط بتحسين سلسلة قيمة الهيدروجين في مراحل مختلفة من البحث والتطوير، بدعم من بعض الوكلاء الرئيسيين في القارة الأوروبية، بما في ذلك مركز أبحاث تخزين الطاقة الكهروكيميائية والحرارية CIC energiGUNE.

فيما وقعت شركة الطاقة Plug Power اتفاقية لجلب الهيدروجين الأخضر إلى المنصات اللوجستية لمستودعاتها في أوروبا، وبهذه الطريقة من المتوقع أن توسع سلسلة المتاجر الكبرى في أوروبا استخدام الهيدروجين؛ حيث ستبدأ شركة بلج باور Plug Power وشركة أكيونا للطاقة المتجددة ACCIONA، من خلال مشروع مشترك، في بناء محطتين للهيدروجين الأخضر في إسبانيا في العام المقبل، ومن المرجح أن تبلغ طاقتهما المشتركة 30 طناً في عام 2024-2025، كما سيبلغ إجمالي الاستثمار نحو 200 مليون دولار.

مزايا جوهرية

للهيدروجين الأخضر، مزايا عديدة تقف وراء ارتفاع الطلب عليه والتوجه العالمي الصاعد نحوه، ويمكن تناول أهم تلك المميزات فيما يأتي:

1- المساهمة في تقليل الانبعاثات الناتجة عن إنتاج الكهرباء: يتطلب الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، التخلي عن استخدام الوقود الأحفوري في جميع القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك الصناعة. ويأتي الهيدروجين الأخضر كأحد الحلول المساهمة في إزالة الكربون في الأنشطة الأقل اعتماداً على الكهرباء.

فعلى سبيل المثال، تساهم صناعة الصلب بنسبة 7% من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO2) في جميع أنحاء العالم، ولتحقيق إزالة الكربون وتقليل البصمة الكربونية، فإنه من الممكن حقن الهيدروجين في أفران الصهر؛ حيث يصنع الفولاذ، ومن ثم استبدال وقود نظيف وهو (الهيدروجين الأخضر) مكان غاز فرن الكوك، بيد أن تلك التكنولوجيا لا تزال قيد الدراسة، إلا أن فرص تطبيقها تظل كبيرة في ظل الانفتاح العالمي على الاستفادة من الهيدروجين الأخضر في خفض البصمة الكربونية.

كذلك يمكن للهيدروجين الأخضر لعب دور في تقليل الانبعاثات الناتجة عن الطيران والشحن لمسافات طويلة وتصنيع الخرسانة والصلب. وفي هذا الصدد، تقوم 45 دولة بوضع أو نشر استراتيجيات تستهدف دعم وتحفيز استخدام الهيدروجين الأخضر كوسيلة لإزالة الكربون من الصناعة والبحث عن وسائل مبتكرة غرضها الرئيسي الاستفادة من الهيدروجين الأخضر في إزالة الكربون.

2- وفرة إمدادات الهيدروجين: يتمتع الهيدروجين بوفرة إمداداته التي لا حدود لها عملياً؛ حيث يمكن إنتاجه أو نقله إلى مكان آخر. وعلى عكس البطاريات التي لا تستطيع تخزين كميات كبيرة من الكهرباء لفترات طويلة من الزمن، يمكن إنتاج الهيدروجين من الطاقة المتجددة الزائدة وتخزينه بكميات كبيرة لفترة طويلة.  كذلك يحتوي الهيدروجين على ما يقرب من ثلاثة أضعاف الطاقة التي يحتويها الوقود الأحفوري؛ لذلك يمكن الاستفادة من القليل منه للقيام بأي عمل، كما أن من المزايا الخاصة بالهيدروجين الأخضر، أنه يمكن إنتاجه أينما وجد الماء والكهرباء لتوليد المزيد من الكهرباء أو الحرارة.

3- الاستخدامات العديدة للهيدروجين الأخضر: تشهد تقنيات إنتاج الهيدروجين الأخضر موجة متجددة من الاهتمام؛ وذلك لأن الاستخدامات المحتملة للهيدروجين تتوسع عبر قطاعات متعددة بما في ذلك توليد الطاقة وعمليات التصنيع في صناعات متنوعة كصناعة الصلب وإنتاج الأسمنت وخلايا الوقود للمركبات الكهربائية والنقل الثقيل مثل الشحن وإنتاج الأمونيا الخضراء للأسمدة ومنتجات التنظيف والتبريد.

كما يمكن استخدام الهيدروجين الأخضر في صورة غاز أو سائل، وبالإمكان تحويله إلى كهرباء أو وقود، كذلك ثمة طرق عديدة لإنتاجه. ويذكر في ذلك الإطار، أنه يتم إنتاج ما يقرب من 70 مليون طن متري من الهيدروجين على مستوى العالم كل عام لاستخدامه في تكرير النفط وإنتاج الأمونيا وتصنيع الصلب وإنتاج الكيمياويات والأسمدة وتجهيز الأغذية والمعادن وغير ذلك.

أضف إلى ذلك، إمكانية تخزينه في خطوط أنابيب الغاز الحالية لتشغيل الأجهزة المنزلية، والسيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية، كما يمكن استخدام خلايا الوقود في المجال العسكري أو في مناطق الكوارث والعمل كمولدات مستقلة للكهرباء أو الحرارة.

تحديات رئيسية

رغم المزايا من وراء استخدام الهيدروجين الأخضر، والاتجاهات الصاعدة في تبنيه واستخدامه، فإن ثمة تحديات تعيق فرص الاعتماد عليه بصورة تامة، نتناولها كما يأتي:

1- تكاليف الإنتاج المرتفعة للهيدروجين الأخضر: يعد سعر الهيدروجين الأخضر هو التحدي الأبرز والأهم أمام إنتاجه؛ إذ يكلف إنتاج الهيدروجين الأخضر ثلاثة أضعاف تكلفة الغاز الطبيعي، كما أنه أغلى بكثير من إنتاج الهيدروجين الرمادي أو الأزرق. فبينما يكلف الهيدروجين الرمادي نحو 1.50 يورو للكيلوجرام الواحد، فإن الهيدروجين الأزرق يكلف من 2 إلى 3 يوروهات للكيلوجرام، فيما يكلف الأخضر من 3.50 يورو إلى 6 يوروهات للكيلوجرام، وفقاً لدراسة حديثة.

ولعل تكاليف الإنتاج المرتفعة للهيدروجين الأخضر هو ما يعيق تطبيقه في قطاعات صناعية مختلفة؛ فبالرغم من استخدام صناعات الصلب والكيمياويات للهيدروجين بصورة رئيسية، فإن العديد من الشركات تحجم عن التحول إلى الهيدروجين الأخضر، في ظل ظروف السوق الحالية، حيث تتنافس المنتجات الخضراء ذات الأسعار الأعلى مع الخيارات الرمادية ذات الأسعار المنخفضة، لا سيما في القطاعات الكثيفة رأس المال ذات هوامش الربح المنخفضة.

لكن وبالرغم من ذلك، فإن من المتوقع في ظل انخفاض أسعار الطاقة المتجددة، إلى جانب انخفاض تكلفة المحلل الكهربائي المستخدم في إنتاج الهيدروجين، وزيادة كفاءته بسبب التحسينات التكنولوجية الجديدة، أن تزداد الجدوى التجارية لإنتاج الهيدروجين الأخضر مستقبلاً.

2- عدم الأمان المرتبط باستخدام الهيدروجين: من ضمن التحديات والمخاطر الناجمة عن استخدام الهيدروجين الأخضر هو قابليته للاشتعال؛ ما يجعل من الحذر في التعامل معه بشكل صحيح عند الاستعمال حتمية واجبة؛ إذ يعد أكثر قابلية للاشتعال عند مقارنته بالبنزين والغاز الطبيعي؛ وذلك نظراً لأن الهيدروجين خفيف جداً – أخف بنحو 57 مرة من أبخرة البنزين؛ ما يجعله ينتشر في الغلاف الجوي بسرعة وخفة شديدة.

3- صعوبة نقل الهيدروجين الأخضر: نظراً لأن الهيدروجين أقل كثافة بكثير من البنزين، فمن الصعب نقله؛ إذ يحتاج إما إلى التبريد إلى -253 درجة مئوية لتسييله، أو يحتاج إلى الضغط حتى 700 مرة من الضغط الجوي حتى يمكن نقله كغاز مضغوط. وحالياً، يتم نقل الهيدروجين عبر خطوط الأنابيب المخصصة، في شاحنات صهاريج سائلة منخفضة الحرارة، أو في مقطورات أنبوبية تحمل الهيدروجين الغازي، أو عن طريق السكك الحديدية أو السفن الحربية. وأحياناً تستخدم خطوط أنابيب الغاز الطبيعي لنقل كمية محدودة فقط من الهيدروجين؛ لأن الهيدروجين يمكن أن يجعل الأنابيب الفولاذية واللحام هشة؛ ما يتسبب في حدوث تشققات بها.

بيد أن ذلك يمكن التغلب عليهبمزج أقل من 5 إلى 10% منه مع الغاز الطبيعي؛ حيث يمكن توزيع الهيدروجين بأمان عبر البنية التحتية للغاز الطبيعي، إلا أنه من أجل توزيع الهيدروجين النقي بصورة سليمة، فإن ذلك يتطلب إدخال تعديلات كبيرة على خطوط أنابيب الغاز الطبيعي؛ لتجنب التهالك المحتمل للأنابيب المعدنية، أو قد يلزم إنشاء خطوط أنابيب هيدروجين منفصلة تماماً لتفادي أي خسائر.

4- ندرة محطات الهيدروجين الأخضر: من التحديات التي تواجه السيارات الكهربائية التي تعمل بخلايا الوقود هو كيفية تخزين كمية كافية من الهيدروجين – من خمسة إلى 13 كيلوجراماً من غاز الهيدروجين المضغوط – في السيارة، وهي الكمية الكافية لقيادة نحو 300 ميل؛ وذلك نظراً لصعوبة تخزين تلك الكمية إلا تحت شروط معينة وظروف معينة، ومن ثم فإن ذلك النوع من السيارات يحتاج إلى وفرة في محطات الهيدروجين، بحيث تستطيع السيارات التزود بالهيدروجين كلما تطلبت الحاجة ذلك.

غير أن ندرة محطات الهيدروجين تعيق التطور في سوق السيارات الكهربائية التي تعمل بخلايا الوقود؛ ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، حتى أغسطس الماضي، لم يكن هناك سوى 46 محطة لتزويد الوقود بالهيدروجين، 43 منها في ولاية كاليفورنيا، فيما يكلف الهيدروجين نحو 8 دولارات للرطل، مقارنة بـ3.18 دولار للجالون من الغاز في كاليفورنيا.

مستقبل واعد

في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بالهيدروجين، فمن المتوقع أن يلعب بأشكاله المختلفة، بما في ذلك الأخضر والأزرق والرمادي، دوراً رئيسياً خلال السنوات المقبلة، تزامناً مع رغبة العديد من الاقتصادات والصناعات في الانتقال إلى عالم منخفض الكربون للتخفيف من آثار تغير المناخ. وبناءً على ذلك، فمن المتوقع أن يصل حجم صناعة الهيدروجين إلى 183 مليار دولار بحلول عام 2023، ارتفاعاً من 129 مليار دولار في عام 2017، وفقاً لشركة Fitch Solutions فيتش سوليوشنز.

وفي ضوء زخم الاهتمام العالمي بالهيدروجين الأخضر، تم إبرام العديد من الاتفاقيات بين الدول حول إنشاء طرق تجارية للهيدروجين، هدفها التغلب على تحديات نقله وتخزينه. وبالرغم من أن العوامل الخاصة بالسوق -المتمثلة في ارتفاع تكاليف إنتاج الهيدروجين الأخضر -لا تزال غير مواتية للانتقال السريع إلى الهيدروجين الأخضر، فإن من الممكن بواسطة اللجوء إلى الابتكار وتبني السياسات الصناعية الجديدة معالجة إخفاقات السوق؛ وذلك من خلال مجموعة من التدخلات التي تجعل الهيدروجين الأخضر قابلاً للتطبيق على نطاق واسع، بما يسهم في التحول الجاد نحو التصنيع المنخفض الكربون وتحقيق أهداف العمل المناخي، وتحقيق التخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d9%8a%d9%81/