التأقلم المرن:

كيف تتعامل روسيا وإيران مع العقوبات الأمريكية؟ (حلقة نقاشية)
التأقلم المرن:
25 نوفمبر، 2021

عقد “إنترريجونال” للتحليلات الاستراتيجية حلقة نقاشية، في نوفمبر 2021، بعنوان “رؤية من موسكو: كيف تتعامل روسيا وإيران مع العقوبات الأمريكية؟”، استضاف خلالها د. فيوليتا أركيبوفا، باحث اقتصادي أول في الأكاديمية الروسية للعلوم، والممثل الرسمي للمستشار الاقتصادي للرئيس “بوتين” بشأن قضايا التعاون الدولي، وعضو باللجنة الأوراسية الاقتصادية التابعة لوزير التكامل والاقتصاد الكلي.

تطرّقت الحلقة إلى ثلاثة محاور رئيسية، هي: ملامح العقوبات المفروضة على روسيا وإيران، وتأثير تلك العقوبات على الدولتين، بالإضافة إلى استراتيجيات موسكو وطهران للتعامل معها. ويمكن استعراض أبرز ما خَلُصت إليه الحلقة النقاشية، وذلك من خلال ما يلي:

ملامح عامة:

أكدت الحلقة النقاشية على أن أبرز ملامح العقوبات المفروضة على الجانبين الروسي والإيراني من جانب الولايات المتحدة تتمثل فيما يلي:

1- تنوع كبير في طبيعة العقوبات المفروضة: ثمّة تنوع لافت في العقوبات المفروضة على موسكو وطهران، حيث توجد عقوبات مفروضة على أفراد وعقوبات أخرى مفروضة على جهات، وهناك عقوبات مفروضة ضد سلع وأخرى ضد خدمات. وتوجد كذلك عقوبات مفروضة بشكل ثنائي أو جماعي. وغالباً ما تكون العقوبات المفروضة بشكل جماعي هي الأخطر مقارنةً بأنواع العقوبات الأخرى. ويوجد نوع من العقوبات يُسمى العقوبات التجريبية، والهدف منها هو اختبار تأثيرها على الشخص أو الجهة المفروض عليها هذا النوع من العقوبات.

2- التركيز على القطاعات التجارية والمالية: تترك العقوبات التي يتم فرضها تأثيرات سلبية في جميع الأحوال على الأطراف التي تتعرض لها. وتظهر تلك التأثيرات السلبية بوضوح في العقوبات التي يتم فرضها لفترات طويلة وواسعة النطاق. وغالباً ما تكون القطاعات التجارية والمالية في كل من روسيا وإيران هي الأكثر تضرراً من العقوبات التي تطال الدولتين. وتطال العقوبات التجريبية في الغالب القطاعات التجارية والمالية. وتعتبر الولايات المتحدة أكبر طرف يفرض عقوبات اقتصادية على موسكو وطهران، يليها الاتحاد الأوروبي.

3- غموض أسباب فرض واشنطن للعقوبات: تحمل العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على روسيا وإيران أسباباً خفية غير معلن عنها. وتستخدم واشنطن تلك العقوبات كأداة رئيسية لتعزيز قوتها الناعمة. وعلى الرغم من عدم تحقيق العقوبات الأمريكية المفروضة على موسكو وطهران التأثيرات والأهداف السلبية المرغوبة؛ إلا أنها لا تزال تُستخدم بكثافة من قبل الولايات المتحدة لمعاقبة أي شخص أو جهة دون إبداء أسباب واضحة.

تأثيرات متعددة:

شددت الحلقة النقاشية على أن التأثيرات التي خلفتها العقوبات الأمريكية على روسيا وإيران تتمحور حول ما يلي:

1- تبعات سلبية محدودة على اقتصاد روسيا: استناداً إلى أحد النماذج البحثية التي تم استخدامها لقياس مدى تأثر الاقتصاد الروسي بالعقوبات، كان هناك تأثير سلبي فعلي للعقوبات على الاقتصاد الروسي، ولكن ليس بالمستوى المرغوب أو المتوقع لدى الدول التي فرضت العقوبات. ويعتبر القطاع المالي الروسي هو الأكثر تضرراً من العقوبات. ولعبت السياسات الاقتصادية الداخلية دوراً رئيسياً في تخفيف حدة العقوبات.

ووفقاً للنموذج المشار إليه، تعرضت روسيا خلال الفترة من عام 2014 إلى 2016 لمجموعة موسعة ومكثفة من العقوبات، كان أبرزها ربط الاتحاد الأوروبي رفع عقوباته عن روسيا بالتنفيذ الكامل لاتفاق مينسك في 2015. وبحسب هذا النموذج، كان التأثير الأكبر للعقوبات على الروبل في عام 2015، كما تواجه روسيا نظاماً معقداً للعقوبات، وهناك محاولات مستمرة لتوسيع نطاق تلك العقوبات.

2- التسبب في خُمس مشاكل اقتصاد إيران: تُعتبر الحالة الإيرانية من أكثر الحالات المثيرة للاهتمام البحثي بمسألة فرض العقوبات، خاصةً وأن طهران تتعرض بشكل مستمر لأنواع مختلفة من العقوبات منذ الثورة الإيرانية في عام 1979. وبالاستناد إلى أحد النماذج البحثية التي تم استخدامها لقياس مدى تأثر إيران بالعقوبات، فقد تم التوصل إلى أن 20% من التأثيرات السلبية التي تعرض لها الاقتصاد الإيراني كان سببها العقوبات الغربية على إيران بشكل عام، والأمريكية منها بشكل خاص، في حين تسببت المشكلات الداخلية في 80% من التأثيرات السلبية.

3- خلق انقسامات في بنية النظام الدولي: تمتد تداعيات العقوبات الأمريكية على روسيا وإيران لتطال جميع دول العالم مثل تأثير كرة الثلج حتى وإن كان تأثير تلك العقوبات على موسكو وطهران محدوداً، حيث تتسبب هذه العقوبات -في كثير من الأحيان- في خلق المزيد من الانقسامات والاستقطاب بين الدول، كما أنها تتسبب في صدمات للنظام الدولي.

وتتمثل أبرز ملامح ذلك في أن الأطراف الثالثة أو الدول غير المعنية بالعقوبات تكون مضطرة إلى التعامل مع وقائع غير طبيعية جراء العقوبات الأمريكية على موسكو وطهران، حيث تحاول تلك الأطراف الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة باعتبارها الجهة التي فرضت العقوبات، وفي الوقت نفسه التعامل مع روسيا وإيران باعتبارهما من الدول المتضررة من تلك العقوبات.

استراتيجيات المقاومة:

نوّهت الحلقة النقاشية إلى أن روسيا وإيران تبنتا جملة من الاستراتيجيات بهدف التصدي للعقوبات الأمريكية وتقليل تأثيراتها السلبية، ويمكن استعراض أبرز تلك الاستراتيجيات من خلال ما يلي:

1- التعويل على الإصلاحات الاقتصادية: أدركت كل من روسيا وإيران بشكل مبكر أن تعزيز الإمكانات الاقتصادية الذاتية، وزيادة القدرة على الاستفادة من تلك الإمكانات عبر برامج الإصلاح الاقتصادي، وخلق اقتصادات قائمة على المعرفة والابتكار؛ يعد أحد السبل الرئيسية التي لا غنى عنها للتغلب على الآثار السلبية التي تخلفها العقوبات الغربية والأمريكية على اقتصاد البلدين. وبالتالي، عولت الدولتان على بناء قدرات اقتصادية داخلية قوية لتعزيز القدرة على مقاومة العقوبات وإفشال مفعولها.

2- تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الشرق: حرصت روسيا وإيران على البحث عن بدائل يمكن من خلالها التصدي للعقوبات الأمريكية وتقليص حدة تأثيراتها السلبية. ويعتبر حرص كل من موسكو وطهران على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الشرق أحد الحلول الرئيسية التي تبنتها الدولتان. فعلى سبيل المثال لا الحصر، سعت روسيا وإيران لتعزيز علاقاتهما الاقتصادية مع الجانب الصيني، واستفادت الدولتان بشكل كبير من وراء تلك العلاقات في زيادة قدراتهما على الصمود في وجه تلك العقوبات.

وحرصت موسكو وطهران -في هذا الصدد- على الانضواء في بعض التكتلات الاقتصادية الإقليمية، على اعتبار أن هذا الأمر كفيل بخلق مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي بشكل عام، وتعزيز التضامن بين الدول التي تتعرض للعقوبات بشكل خاص. ويدلل على ذلك إشادة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في سبتمبر الماضي بحصول بلاده على العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون، حيث اعتبر أن هذا الانضمام يُعد إنجازاً دبلوماسياً، مشيراً إلى أنه سيوفر لبلاده فرصاً اقتصادية جديدة هائلة.

3- تبني مواقف دبلوماسية مضادة: لم تكتفِ روسيا وإيران باتخاذ تدابير اقتصادية مضادة للعقوبات الأمريكية المفروضة عليهما، سواء بتعزيز القدرات الاقتصادية الذاتية أو الدخول في شراكات اقتصادية دولية؛ لكن الأمر تطور ليشمل مواقف دبلوماسية اتخذتها كلتا الدولتين من أجل إظهار القدرة على تحدي العقوبات والمواقف العدائية الأمريكية. ويتضح هذا الأمر، على سبيل المثال، من خلال المناكفة الدبلوماسية التي تقوم بها موسكو باستمرار لواشنطن في العديد من المحافل والمؤسسات الدولية.

وفي الختام، أكد المشاركون في الحلقة النقاشية أن العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا وإيران مثيرة للاهتمام نظراً للطابع الممتد لتلك العقوبات، وحرص واشنطن على توظيفها كأداة رئيسية ضد الدولتين. وأشارت الحلقة إلى أنه على الرغم من تعرض الدولتين تقريباً لنفس أنماط العقوبات الأمريكية، إلا أن استجابة كل منهما لتلك العقوبات مختلفة نوعاً ما، وإن كان الإطار العام الحاكم لسياسة المقاومة واحداً.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a3%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%86/