التحالف الاستراتيجي:

كيف يمكن لاتفاقية الشراكة الشاملة بين الهند والإمارات أن تعزز أمنهما الاقتصادي؟
التحالف الاستراتيجي:
7 مارس، 2022

وقَّعت الهند والإمارات العربية المتحدة، في 19 فبراير 2022، اتفاقية تجارية مهمة وشاملة من شأنها أن تقرب الاقتصادَين صوب تحقيق 100 مليار دولار في مجال التبادل التجاري على مدى السنوات الخمس المقبلة. وقد اجتمع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عبر اتصال مرئي لتدشين اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة. ويأتي توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي هذه نتيجةً للشراكة الاستراتيجية الآخذة في التوسع بين دولة الإمارات والهند، ومن المنتظر أن تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ في الأسبوع الأول من شهر مايو 2022.

وقد ارتفع التعاون الهندي الإماراتي على مدى السنوات القليلة الماضية بوتيرة سريعة؛ ذلك التعاون الذي مُدَّت جسوره منذ زيارة الرئيس الهندي الراحل “أبو بكر زين العابدين عبد الكلام” إلى الإمارات في عام 2003. وفي عام 2015، أصبح “مودي” أول رئيس وزراء هندي يزور الإمارات العربية المتحدة منذ 34 عاماً. ثم زار ولي عهد أبوظبي الهند، في عام 2016، بوصفه ضيف شرف خلال الاحتفالات بيوم الجمهورية في البلاد. وقد عزز كلا البلدين روابطهما في عام 2017 إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الشاملة”. وفي حين أن اتفاقيات التجارة الحرة (FTA) عادةً ما تستغرق سنوات، بل حتى عدة عقود، حتى تؤتي بثمارها؛ فإن النجاح في التوقيع على اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (التي وُقِّعت في وقت لم يتجاوز 90 يوماً من المفاوضات) يمثل نموذجاً جديداً للتعاون الثنائي.

وتزيل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مناورة العقبات لتسهيل التبادل السهل والناجع لكل من المنتجات والخدمات. وتنص الاتفاقية –على سبيل المثال– على إلغاء بنود التعريفة الجمركية بنسبة 80% التي تغطي ما يقرب من 90% من قيمة صادرات الهند إلى الإمارات العربية المتحدة. ومن المقرر أن يرتفع هذا الإعفاء من التعريفة الجمركية إلى نحو 97% خلال السنوات القليلة المقبلة، مع تنفيذ اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة. وستستفيد القطاعات، بدءاً من القطاعات الشديدة المنافسة مثل المنسوجات (التي تخضع حاليّاً لنظام التعريفة الجمركية، في حين أن الاقتصادات الأخرى، مثل بنجلاديش، التي تَبرَع في المنسوجات؛ لا تدفع أي رسوم جمركية على هذه الصادرات إلى الإمارات العربية المتحدة) مروراً بقطاعات المجوهرات والسيارات والمستحضرات الصيدلانية، وما إلى ذلك من اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة.

ووفقاً للتوقعات الهندية، فإن من شأن هذه الاتفاقية أن تخلق ما يقدر بمليون فرصة عمل جديدة في الهند. وتُلزم الاتفاقية –بالإضافة إلى ذلك– دولة الإمارات العربية المتحدة بتقديم 1.4 مليون تأشيرة عمل للمهنيين ذوي المهارات العالية من الهند. ومن الجدير بالذكر أن منطقة الخليج برمتها، موطن لأكثر من ثمانية ملايين مواطن هندي (وهو تعداد يساوي سكان سويسرا كلها تقريباً). وعلى الرغم من أن الهند كان يُنظر إليها تاريخيّاً على أنها تزود دول الخليج بعمالة رخيصة، فإن هذا الاتجاه يتغير تدريجيّاً؛ حيث يفضِّل رأس المال الخليجي على نحو متزايد الهند باعتبارها وجهة رئيسية لرأس المال البشري العالي المهارة.

وقد أدى توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة إلى تحطيم الحواجز؛ لا نقول: على الجبهة الهندية الإماراتية فقط، بل بشأن قضية اتفاقيات التجارة الحرة أيضاً. ولا يمكن إنكار حقيقة أن الهند موطن لسوق محلية متقلبة وشديدة الحساسية؛ حيث تظل الصناعات الصغيرة والمتوسطة الحجم أكبر أرباب العمل. ونظراً إلى أن مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة التي تجريها الهند مع دول ومناطق أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأستراليا وما إلى ذلك؛ تواجه حواجز وتحديات كبيرة للطرفين، فإن الاتفاقية مع الإمارات العربية المتحدة تسلط الضوء على اهتمام اقتصادات الخليج المتزايد بالهند، باعتبارها حاضنة للأعمال التجارية والاستثمارات الجديدة. وتكمن هذه المصالح بوجه خاص في مجالات مثل أمن الطاقة والأمن الغذائي والبيئات الآمنة لاستثمار صناديق الثروة السيادية، ناهيك عن أن الاقتصادات النامية (مثل الهند) ستظل بحاجة إلى إمدادات ثابتة من الهيدروكربونات (النفط والغاز) على مدى العقدين المقبلين على الأقل.

ومن المتوقع أيضاً أن تمضي المحادثات قدماً عن توسيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة كمنصة إطلاق في منطقة الخليج برمتها، بوتيرة سريعة من الآن فصاعداً. وقال وزير التجارة الهندي بيوش جويال إن الهند في طريقها إلى إبرام اتفاقية التجارة الحرة مع مجلس التعاون الخليجي (GCC) بحلول نهاية العام. وستدمج هذه الاتفاقية اقتصادات الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين وعمان وقطر والكويت في تكتل تجاري واحد، مع اتفاقيات مماثلة بشأن التعريفة الجمركية على النحو المنصوص عليه في اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة. وتعد دول مجلس التعاون الخليجي إجمالاً، بالفعل، أكبر تكتل تجاري منفرد في الهند؛ إذ تضاعفت التجارة بين الطرفين عشرة أضعاف بين عامي 2000–2001 و2015–2016. وفي هذا السياق، كان التبادل التجاري بين الهند والإمارات طليعة للشراكة الاقتصادية بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي.

كما وفرت إعادة الترتيب الأخير للواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، بيئة أكثر مراعاةً لتعاون اقتصادي أكبر وأكثر استقراراً. وأتاحت الاتفاقيات الإبراهيمية التي جمعت مجموعة من الدول العربية (بقيادة الإمارات العربية المتحدة) لتدشين العلاقات مع إسرائيل؛ المزيد من الفرص للتعاون الاقتصادي كجزء من إعادة الهيكلة هذه. وتُجري الهند أيضاً مفاوضات مع إسرائيل بشأن اتفاقية تجارة حرة. وفي أكتوبر 2021، اجتمع وزراء خارجية الولايات المتحدة والهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة عبر اتصال مرئي لمناقشة التعاون المستقبلي في المنطقة.

وقد سلط العرض الأمريكي للاجتماع، الضوء على التبادل التجاري وتغير المناخ والطاقة والأمن البحري كمجالات أساسية ذات الاهتمام المشترك؛ حيث تجد دولاً مثل الهند نفسها اليوم في بيئة تجارية وسياسية أقل صعوبة نسبياً، مع تزايد احتمالات توسيع التعاون الاقتصادي الإماراتي الإسرائيلي في القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا. ومن ثم، ستجد الهند على هذا النحو، أن من الأسهل بكثير الآن موازنة علاقاتها الاستراتيجية بين إسرائيل والعالم العربي وإيران.

وخلاصة القول أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة هي أكثر من مجرد علامة على الروابط الهندية الإماراتية الناشئة؛ حيث توفر اتفاقيات التبادل التجاري ذات الأسس القوية والاحترام المتبادل للمصالح المشتركة، بعض شبكات الأمان لاقتصادات وشعوب كلا الطرفين، التي تشتد الحاجة إليها، مع الاضطرابات الكبيرة للاقتصاد العالمي الناجمة عن جائحة كوفيد–19 والأزمة في أوكرانيا وفرض التعريفات الجمركية على البضائع الصينية بدرجة متزايدة. إن العديد من الخطوات التي تمت في الوقت الحاضر بين الهند والإمارات العربية المتحدة، ما كانت لتتحقق في التسعينيات. ويُظهر المسار السريع لتطور العلاقات الهندية الإماراتية على مدى العقد الماضي أن البلدين يبدآن صفحة جديدة. وحقيقة أن الدوافع التي تقود هذا التغيير هي الاقتصاد والتجارة والعلاقات الشخصية المتميزة، هو مظهر من مظاهر التقدم الإيجابي لكلا البلدين.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d8%a7%d9%84%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%ac%d9%8a/