التصعيد المتزامن:

كيف استغلت كوريا الشمالية حرب أوكرانيا في تحقيق مصالحها؟
التصعيد المتزامن:
30 نوفمبر، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial

منذ الأيام الأولى للحرب الروسية–الأوكرانية، تقدم كوريا الشمالية دعماً مستمراً لحليفتها الاستراتيجية (روسيا)؛ وذلك بفضل العلاقات الثنائية القوية التي تجمع بين البلدين منذ العهد السوفييتي، لا سيما في ضوء العزلة الدولية التي تتعرض لها بيونج يانج نتيجة معاداة الدول الغربية لها، ولكن عادة ما تقوم كل من موسكو وبكين بكسر هذه العزلة ومساندتها؛ الأمر الذي دفع كوريا الشمالية لتقديم مجموعة من المساعدات العسكرية والدبلوماسية لروسيا في هذه الحرب، وعلى إثرها استطاعت تحقيق جملة من المكاسب المتعددة، خاصة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، إلى جانب تنفيذ أهدافها الإقليمية والاقتصادية. وبوجه عام، بدت الحرب الأوكرانية فرصة مواتية بالنسبة لكوريا الشمالية من أجل تعظيم مكاسبها.

انتهاز الفرصة

ثمة أدوار متعددة اضطلعت كوريا الشمالية بها خلال الحرب الأوكرانية، وتنوعت بين الأدوار السياسية والعسكرية والاقتصادية، بهدف مساندة موسكو في حربها التي اندلعت منذ نحو 9 أشهر، ويمكن تناول أبرز هذه الأدوار على النحو التالي:

1- الاعتراف بالخطوات الروسية لضم الأقاليم الأوكرانية: في شهر يوليو الماضي، اعترفت كوريا الشمالية بانفصال إقليمي دونيتسك ولوهانسك في شرق أوكرانيا، وبذلك تعد سوريا وكوريا الشمالية هما الدولتين الوحيدتين من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة – بجانب روسيا – اللتين تعترفان باستقلال الإقليمين اللذين ترعاهما روسيا. ورداً على ذلك، قطعت كييف العلاقات الدبلوماسية مع بيونج يانج، وهي العلاقات التي كانت بالأساس غير جوهرية على أي حال. إلى جانب ذلك، كانت كوريا الشمالية هي الدولة الوحيدة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي اعترفت بالاستفتاءات التي تدعمها موسكو في دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزاباروجيا، وسرعان ما أيدت بيونج يانج نتائج هذه الاستفتاءات، مشيرة إلى أن الأغلبية الساحقة من الناخبين أيدت الاندماج في روسيا.

واستكمالاً لخطواتها السابقة، ألمحت حكومة بيونج يانج إلى أنها مهتمة بإرسال عمال بناء للمساعدة في إعادة بناء المناطق الانفصالية الموالية لروسيا في شرق أوكرانيا؛ إذ ربما يكون العمل هو المورد الوحيد الذي يمكن أن تشاركه كوريا الشمالية مع روسيا؛ حيث سبق أن اعتاد الاتحاد السوفييتي، وروسيا فيما بعد، استيراد العديد من العمال الكوريين الشماليين؛ لذا ينظر المسؤولون الروس في مسألة استئناف استيراد العمالة من كوريا الشمالية، على الرغم من حظر هذه الممارسة من قبل مجلس الأمن الدولي.

2- تكثيف الدعم العسكري لموسكو: أكد مسؤولو إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ما جاء في تقرير استخباراتي أمريكي رفعت عنه السرية، في شهر سبتمبر الماضي، من أن روسيا كانت بصدد شراء الملايين من الأسلحة من كوريا الشمالية، بما في ذلك قذائف المدفعية والصواريخ، سراً لدعمها في حربها في أوكرانيا، بينما تخفي بيونج يانج الوجهة الحقيقية لشحنات الأسلحة من خلال محاولة جعلها تبدو كأنها مرسلة إلى دول في الشرق الأوسط، وخاصة إيران، لا سيما أن صادرات الأسلحة الكورية الشمالية إلى روسيا تنتهك قرارات الأمم المتحدة التي تحظر على بيونج يانج استيراد أو تصدير الأسلحة.

بيد أن الأخيرة تعد مصدراً جذاباً للصواريخ والقذائف بالنسبة لروسيا؛ وذلك بسبب أنها تنتج عيار الأسلحة التي كانت تنتجها أنظمة الحقبة السوفييتية ولديها مخزونات كبيرة منها. ولكن السلطات الكورية الشمالية قد أنكرت تلك الاتهامات، مبررة بأنها لم تصدر أي أسلحة إلى روسيا خلال الحرب في أوكرانيا وليس لديها خطط للقيام بذلك، وأن تقارير المخابرات الأمريكية عن عمليات نقل الأسلحة كانت محاولة لتشويه صورة كوريا الشمالية.

3- الاتهامات الغربية لكوريا الشمالية بإبرام صفقة مع موسكو: هناك العديد من التكهنات الغربية حول اتفاق قائم بين موسكو وبيونج يانج على تبادل أسلحة وجنود كوريين شماليين للقتال في أوكرانيا مقابل استيراد الحبوب الروسية والنفط الروسي؛ إذ يرى البعض أن من المرجح أن تحتاج كوريا الشمالية الغذاء والوقود والمواد الأخرى من روسيا لأنها تجد صعوبة في شراء مثل هذه البضائع من الخارج بموجب عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على برنامجها النووي، وبالفعل سبق أن انتشر بين الخبراء ووسائل الإعلام أنباء عن خطط إرسال كوريا الشمالية ما يصل إلى 100 ألف جندي إلى دونيتسك ولوهانسك في شرق أوكرانيا، ولكن الخارجية الروسية أنكرت كل هذه الادعاءات.

4- التصريحات العدائية ضد الغرب: فور اندلاع الحرب في أوكرانيا، صرحت الخارجية الكورية الشمالية بأن السبب الجذري للأزمة الأوكرانية يكمن كلياً في سياسة الهيمنة للولايات المتحدة والغرب اللذين ينغمسان في التعسف والاستبداد ضد الدول الأخرى، وهو ما من شأنه تهديد الأمن القومي الروسي، فدفع بدوره موسكو لإجراء عمليتها العسكرية الاستباقية في شرق أوكرانيا، بل قامت بيونج يانج باتهام واشنطن أيضاً بتبني معايير مزدوجة حيال بقية العالم، لا سيما التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى باسم السلام والاستقرار، معتبرة أن الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة تهيمن على العالم قد ولت.

عوائد الحرب

استطاعت بيونج يانج تحقيق مجموعة متنوعة من المكاسب العسكرية والاقتصادية من جراء اندلاع الحرب في أوكرانيا، هذا إلى جانب وجود العديد من المكاسب الأخرى المحتملة، التي يمكن إيجاز أبرزها فيما يأتي:

1- الضغط على الخصوم الإقليميين: استفادت بيونج يانج من أحداث الحرب الأوكرانية في تصعيد الضغوط على الخصوم الإقليميين، وتصدير تهديدات أمنية لهم، وخاصة عبر إجراء تجارب صاروخية نووية جديدة، وهي التجارب التي كانت قد توقفت منذ عام 2017، مستفيدة من ذلك في تشتت أذهان العالم نحو الحرب في أوكرانيا، فضلاً عن المشاحنات القائمة بين الصين والولايات المتحدة بشأن تايوان، لا سيما رؤيتها بضرورة الاستعداد لاحتمالات اندلاع حرب عالمية ثالثة، وهو ما قد تستغله لتحقيق أهدافها الإقليمية؛ إذ إن الشعور المتزايد بالإفلات من العقوبات الذي تتمتع به كوريا الشمالية، بفضل الدعم المستمر من روسيا والصين، قد حمسها لتصعيد التوترات مع الدول الغربية عبر سلسلة من عمليات إطلاق الصواريخ التي هزت كلاً من كوريا الجنوبية واليابان المجاورتين خلال الآونة الأخيرة.

2- التوسع في البرنامج النووي: إن كان من المأمول إحجام بيونج يانج عن تطوير برنامجها النووي، فإن من المرجح نتيجة للأحداث في أوكرانيا، أن تكون بيونج يانج أكثر حذراً وتردداً في الموافقة على أي قيود على برامج أسلحتها النووية، بل دفعتها الأحداث أيضاً إلى التوسع في تجاربها النووية، خاصة في محيطها الإقليمي؛ ولذلك قام برلمان بيونج يانج، في سبتمبر الماضي، بإقرار قانون يأذن لها بالاستخدام الاستباقي للأسلحة النووية حال حدوث مجموعة متنوعة من السيناريوهات التي قد تتعرض فيها البلاد للتهديدات الخارجية، وهو ما تبعته أنشطة تجريبية متكررة تهدد باحتمالات نشوب نزاع نووي مع كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة.

3- تعزيز التحالفات الخارجية: تعمل الحرب الأوكرانية على تعميق العلاقات بين موسكو وبيونج يانج؛ حيث من المرجح أن تؤدي حاجة موسكو المتزايدة إلى الأسلحة من بيونج يانج إلى إحداث مواءمة أكبر للمصالح الدبلوماسية والعسكرية بينهما. وبفضل التقارب الاستراتيجي بين الجانبين، تطمئن كوريا الشمالية من وجود روسيا كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ من أجل حمايتها من أي إدانات أو قرارات يتم فرضها عليها؛ حيث استخدمت روسيا بدورها حق النقض في مجلس الأمن في وقت سابق من هذا العام لعرقلة عقوبات جديدة ضد كوريا الشمالية، بالإضافة إلى الاستفادة من التحويلات النقدية القادمة من روسيا، لا سيما بحث حكومة بيونج يانج عن التكنولوجيا والمواد اللازمة لبرامج الصواريخ الباليستية التي تطورها مؤخراً.

كما سعت بيونج يانج إلى توطيد العلاقات مع موسكو من خلال تصويتها ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يطالب بانسحاب روسيا من أوكرانيا، وضد أي إجراءات أخرى ذات صلة. هذا وقد أعربت بيونج يانج مراراً وتكراراً عن دعمها الإجراءات الروسية، وألقت باللوم في الأزمة الأوكرانية على الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وكييف؛ فالتحالف الروسي مع كوريا الشمالية ليس فقط عسكرياً بارداً، بل يجمعهما القيم نفسها التي تسعى إلى الصدام مع الغرب باعتباره مصدر كل أزماتهما.

4- فرصة سانحة لاختبار أسلحة كوريا الشمالية: استغلت كوريا الشمالية الحرب كنافذة لتسريع تطوير أسلحتها، واختبرت العشرات منها، بما في ذلك أول صواريخها البعيدة المدى منذ عام 2017، مستغلة الانقسام في مجلس الأمن الدولي؛ حيث منعت روسيا والصين محاولات الولايات المتحدة للتشديد على الأسلحة الكورية الشمالية التي تقوم بتجربتها، بما في ذلك الصواريخ القصيرة المدى، التي من المحتمل أن تكون قادرة على حمل رؤوس نووية، علاوة على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي يمكن أن تستهدف أراضي الولايات المتحدة نفسها؛ حيث دائماً ما تصرح بيونج يانج بأنها تختبر الصواريخ والمدفعية حتى تتمكن من ضرب أهداف رئيسية في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة بلا رحمة إذا أرادت ذلك.

وفي هذا الصدد، صرح زعيم كوريا الشمالية ” كيم جونغ أون”، يوم 27 نوفمبر الجاري، بأن بلاده تعتزم امتلاك “أقوى قوة استراتيجية في العالم”؛ وذلك خلال احتفال بإطلاق صاروخ جديد عابر للقارات باسم صاروخ “هواسونج17″، وهو صاروخ قادر، بحسب العديد من التقارير، على استهداف الأراضي الأمريكية، كما تم اختبار الصاروخ في 18 نوفمبر الجاري وسقط بالقرب من اليابان. وذكر “أون” أن “هواسونج17 أقوى سلاح استراتيجي في العالم ويُشكل قفزة هائلة إلى الأمام في تطوير تكنولوجيا تركيب رؤوس حربية نووية على صواريخ باليستية”.

5- تحقيق مكاسب اقتصادية: بالرغم من تجمد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين روسيا وكوريا الشمالية منذ أوائل عام 2020، عندما علقت بيونج يانج روابط النقل المباشر من أجل احتواء انتشار فيروس كورونا، بيد أنه كانت هناك توقعات باستئناف حركة خط سكة الحديد الرابط بينهما في سبتمبر 2022، لكن حتى الآن أبقت كوريا الشمالية حدودها مع روسيا مغلقة، وإن كانت بعض التقارير، في شهر نوفمبر الجاري، أشارت إلى التقاط صور بالأقمار الصناعية تظهر حركة قطار من كوريا الشمالية إلى روسيا عبر الطريق البري بين الدولتين.

 وفي سياق متصل، قد يتم استغلال ظروف الحرب من أجل إعادة حركة التجارة المتبادلة بينهما، ناهيك عن تخطيط بيونج يانج لإرسال عمال إلى شرق أوكرانيا، وفتح خط أنابيب جديد لاستيراد النفط الذي يحتاجه نظام كيم بشدة، كما قد توفر العلاقات الاقتصادية مع دونيتسك ولوهانسك أيضاً مجموعة من الفرص لبيونج يانج؛ نظراً لأن المناطق الانفصالية ليست دولتين من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فلن تكون أي منهما ملزمة باتباع قرارات مجلس الأمن الدولي التي تفرض عقوبات على كوريا الشمالية؛ ما يجعلها من المناطق الوحيدة في العالم التي يمكن لكوريا الشمالية أن تتاجر معها بحرية؛ حيث لن يتم حظر تبادل مجموعة واسعة من السلع والخدمات الكورية الشمالية، بدءاً من العمال المغتربين إلى أنظمة المدفعية، كما هو الحال بالنسبة للدول الأعضاء في الأمم المتحدة مثل روسيا.

خلاصة القول: كان لكوريا الشمالية دور ملحوظ في الحرب الروسية–الأوكرانية، من حيث المساندة المتواصلة التي قدمتها لحليفتها الروسية، وكذلك استمرار مناوشاتها المتكررة مع الدول الغربية وحلفائها في المنطقة (كوريا الجنوبية واليابان) بهدف تشتيت الجهود الغربية الموجهة نحو تحجيم روسيا وحلفائها في آسيا، بل من المتوقع أن يستمر هذا الدعم الكوري الشمالي دون انقطاع خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل العوائد التي تحققها وتستفيد منها بيونج يانج.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%b2%d8%a7%d9%85%d9%86/