التصويت العقابي:

قراءة في النتائج الأولّية للانتخابات التشريعية العراقية
التصويت العقابي:
12 أكتوبر، 2021

تشير النتائج الرسمية الأوَّلية الصادرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية، حتى الآن، إلى بعض المفاجآت من حيث المقاعد التي حصلت عليها التحالفات والتكتلات؛ حيث حصل تحالف “سائرون” التابع للتيار الصدري على 73 مقعداً من أصل 329 مقعداً. وحلَّ تحالف “تقدم” بزعامة محمد الحلبوسي ثانياً بـ41 مقعداً، وجاء تحالف “دولة القانون” بزعامة نوري المالكي ثالثاً بـ37 مقعداً. وكانت المفاجأة الكبرى حصول تحالف “الفتح” المدعوم من إيران على 14 مقعداً، كما حصد الحزب الديمقراطي الكردستاني على 32 مقعداً، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني على 15 مقعداً، وحصل تحالف “عزم” بزعامة خميس الخنجر على 20 مقعداً.

وتبيِّن النتائج الأوَّلية للانتخابات تحقيق قوى الحراك الاحتجاجي والقوى المدنية المتحالفة معهم؛ تقدماً كبيراً، وصل –حسب بعض التقارير– إلى 20 مقعداً. وحصل تحالف “قوى الدولة” الذي يضم رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، على نحو 20 مقعداً فقط. وتمكنت حركة “الجيل الجديد” من الفوز بنحو 9 مقاعد، كما حصل الاتحاد الإسلامي على أربعة مقاعد، فيما حصلت الجماعة الإسلامية على مقعد واحد.

أوزان متغيرة

ستُسهم نتائج الانتخابات العراقية في إحداث تحولاتٍ جِذريةٍ في طبيعة التحالفات المقبلة، وهو الأمر الذي سينعكس بطبيعة الحال على العملية السياسية برمتها، خاصةً مسألة تشكيل الحكومة المقبلة وعمل مجلس النواب. وفي ضوء ذلك، تحمل النتائج الأولية للانتخابات عدة دلالات، لعل أهمها ما يلي:

1- إظهار التيار الصدري قوة شعبيته المتجذرة: أظهرت نتائج الانتخابات تجذُّر شعبية التيار الصدري على المستوى العراقي العام، وعلى المستوى الشيعي الخاص؛ وذلك بتمكن التيار من حصد أكثرية مقاعد مجلس النواب وتحسين وضعه بالمقارنة بمجلس النواب المنتهية ولايته، الذي كان مُمثلاً خلالَه بـ54 مقعداً. ويمكن إرجاع النجاح الكبير الذي حقَّقه التيار الصدري بصورةٍ أساسيةٍ إلى التغير الحاصل في شخصية زعيم التيار مقتدى الصدر الملهمة لأنصاره ومحبيه.

ويتضح هذا التغير من حرص الصدر في الشهور الأخيرة، وبشكلٍ غير مسبوقٍ، على الظهور في صورة رجل الدولة؛ حيث تعاطى بشكلٍ مختلفٍ مع العديد من القضايا التي تمس العراق على الصعيدَيْن الداخلي والخارجي؛ وذلك في محاولةٍ منه لتغيير الصورة النمطية المعروفة عنه، التي تتسم بالحِدَّة والثورية، في أوساط الرأي العام العراقي، وكذلك لدى المحيطَيْن الإقليمي والدولي. والأهم في هذا الأمر أن التيار الصدري أعلن مؤخراً، للمرة الأولى، عن رغبته في تشكيل الحكومة، وأن يكون رئيس الوزراء ذا خلفيةٍ صدريةٍ.

2- ظهور مسألة العقاب الشعبي لقوى شيعية: برزت مسألة العقاب الشعبي للقوى السياسية بصورةٍ أساسيةٍ في حالة تحالف “الفتح” المدعوم من إيران؛ حيث حقق هذا التحالف 14 مقعداً فقط، رغم تبوُّئِه المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية في عام 2018؛ وذلك بحصوله على 48 مقعداً. ويأتي السقوط المُدوِّي لتحالف “الفتح” على الرغم من تصنيف بعض التقديرات لهذا التحالف بأنه الأقوى على المستوى الشيعي قبل إجراء الانتخابات. ويمكن إرجاع خسارة تحالف “الفتح” للانتخابات إلى عدة عوامل، يأتي على رأسها وجود رفضٍ شعبيٍّ قويٍّ للنفوذ الإيراني في العراق في الفترة الأخيرة.

وتجلَّى ذلك بصورةٍ أساسيةٍ في تظاهرات أكتوبر 2019 والفعاليات الاحتجاجية التي أعقبتها. يُضاف إلى ذلك القرار الأخير للمفوضية العليا للانتخابات في العراق بعدم تضمين قوات الحشد الشعبي في التصويت الخاص بالأجهزة العسكرية؛ حيث أثار هذا القرار استياءً في أوساط الحشد الشعبي. ومن الواضح أن انفصال رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض عن تحالف “الفتح”، وتشكيله ما يُعرف بتحالف “العقد الوطني”، أثَّر بالسلب على حظوظ التحالف، خاصةً أن الفياض كان حليفاً رئيسياً لتحالف “الفتح” في انتخابات عام 2018.

3- تحسن ملحوظ بوضعية ائتلاف “دولة القانون”: عبَّرت نتائج الانتخابات العراقية عن تمكُّن ائتلاف “دولة القانون” من تحسين مكانته في الشارع العراقي، خاصةً مع وجود الائتلاف في طليعة الكيانات السياسية الفائزة؛ حيث تقدَّم هذا الائتلاف بنحو 12 مقعداً بالمقارنة بانتخابات 2018، التي حصل خلالها على 25 مقعداً. وتعني نتائج ائتلاف “دولة القانون” أنه نجح في التغلب على حالة الانقسام التي حدثت له في السنوات الأخيرة، وتحديداً داخل أهم مُكوِّنٍ له وهو حزب الدعوة؛ وذلك حينما انشق تيار رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي عنه.

4- ارتفاع مكانة قوى سنيةٍ وكرديةٍ رغم التشرذم: على الرغم من حالة التشرذم والتفتُّت الملحوظة في نتائج التحالفات السنية والكردية في الانتخابات، فإن من اللافت أن بعض القوى السنية والكردية نجحت في رفع مكانتها في الخارطة السياسية العراقية، وهو الأمر الذي يؤكد أن تلك التحالفات سيكون لها دورٌ رئيسيٌّ في عملية تشكيل الحكومة. ويبرز هذا الأمر في حالة تحالف “تقدم” بزعامة رئيس البرلمان المنتهية ولايته محمد الحلبوسي، الذي احتل المرتبة الثانية في نتائج الانتخابات رغم طبيعته السنية، وكذلك نتائج الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي أضاف 7 مقاعد إضافية إلى حصته بالمقارنة بالبرلمان السابق.

5- تقدم القوى الثورية والمدنية وتراجع العلمانيين: بيَّنت نتائج الانتخابات التشريعية تقدُّماً لافتاً لقوى الحراك الشعبي والقوى المدنية المتحالفة معها؛ حيث تُبيِّن أعداد المقاعد التي حصلت عليها هذه الفئة –وهي 20 مقعداً، حسب المؤشرات الأولية– أن هناك إيماناً في الشارع العراقي بتلك القوى ومواقفها التي تجلَّت في حراك 2019، الذي أفضى إلى إجراء الانتخابات بشكل مبكرٍ، كما بيَّنت المؤشرات الأولية استمرار تراجع مكانة التيار العلماني، الذي تتمثل أبرز مكوناته في ائتلاف “الوطنية” بزعامة إياد علاوي، في الأوساط العراقية؛ حيث لم يُرصَد حتى الآن تحقيقه أي مقعدٍ في البرلمان.

6- عزوف قطاعٍ كبيرٍ من الشعب عن المشاركة: كشفت النتائج عن تراجعٍ ملحوظٍ في نسبة المُشارَكة الشعبية في الانتخابات؛ حيث أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن نسبة المشارَكة بلغت 41%، وهي أقل من نسبة المشارَكة المُسجَّلة في عام 2018 وهي 44.5%. وتعتبر نسبة الـ41% هي أقل نسبة مشاركةٍ سُجِّلت بالمقارنة بالانتخابات التشريعية الأربعة التي أُجريت بعد سقوط نظام صدام حسين. وتعبِّر نسبةُ المشارَكة المُسجَّلة في الانتخابات عن وجود صدًى لدعوات بعض القوى إلى مقاطعة الانتخابات. ومن الوارد أن تكون لجائحة كورونا دورٌ في ضعف المشارَكة، خاصةً مع احتلال العراق مرتبةً متقدمةً عالمياً من حيث الإصابات المسجلة.

رحلة التوافق

تُوحي نتائج الانتخابات العراقية بأن تحالف “سائرون” التابع للتيار الصدري، قادرٌ على قيادة عملية توافقٍ من أجل تأمين أغلبية 165 مقعداً المطلوبة لتكوين الكتلة الكبرى في البرلمان. ومن ثم تشكيل الحكومة، بالنظر إلى علاقات التيار الصدري الجيدة بالحزب الديمقراطي الكردستاني، وكذلك إبداء مسؤولي تحالف “تقدُّم” السني ترحيبهم بالدخول في تحالفٍ مع تحالف “سائرون”، وكذلك قدرة الصدر على ضم أصوات ما يُعرف بتيار الاعتدال الشيعي، الذي يمثله بصورةٍ أساسيةٍ تحالف “قوى الدولة”. وعلى الرغم من ذلك، لن تكون هذه المسألة يسيرةً؛ وذلك في ضوء ما يلي:

1- تشكيك القوى الموالية لإيران في الانتخابات: تحاول القوى الموالية لإيران –وعلى رأسها تحالف “الفتح”– التشكيك في العملية الانتخابية رغم الشهادات الدولية بنزاهتها، وتطابق نتائج الفرز اليدوي بنسبة 100% مع نتائج الفرز الإلكتروني. وتتمثل أبرز مظاهر هذا التشكيك في إعلان زعيم تحالف “الفتح” هادي العامري عن رفضه نتائج الانتخابات، ووصفها بأنها مفبركة. يُضاف إلى ذلك وصف المتحدث باسم ميليشيا كتائب حزب الله أبو علي العسكري، الانتخابات بأنها “أكبر عملية احتيالٍ”، داعياً من سمَّاهم “المقاومة” إلى الاستعداد لمرحلةٍ “حساسةٍ”. وتحمل هذه المواقف تهديداتٍ صريحةً من جانب هذه القوى بأنها قادرةٌ على عرقلة العملية السياسية باللجوء إلى السلاح.

2- تطلُّع بعض القوى إلى تأمين مقاعد الكتلة الكبرى: ثمة احتمالٌ قائمٌ بقوةٍ في المشهد العراقي الحالي، وهو احتمالية إقدام بعض القوى –وعلى وجه التحديد ائتلاف “دولة القانون”– على السعي إلى تأمين تحالفاتٍ لتشكيل الكتلة الكبرى المطلوبة لتشكيل الحكومة. ويدعم احتمالية إقدام ائتلاف “دولة القانون” على مثل هذا الأمر، النجاحُ النسبيُّ الذي حقَّقه الائتلاف في انتخابات 2021 بالمقارنة بانتخابات 2018، وهو الأمر الذي يمكن أن يُغري زعيم الائتلاف نوري المالكي بالسعي إلى هذا الأمر، خاصةً أنه عبَّر في أكثر من مناسبةٍ سابقةٍ عن تطلُّعه إلى العودة لرئاسة الحكومة. يُضاف إلى ذلك تطلعُ ائتلاف “دولة القانون” إلى تقديم طعونٍ، على أمل أن يؤدي ذلك إلى زيادة عدد مقاعده.

3- الخبرات السلبية السابقة لعملية تشكيل الحكومات: تشير تجارب تشكيل الحكومات العراقية إلى أن هذا الأمر لا يتم بسلاسةٍ دائماً؛ حيث تدخلُ الكتل الحاصلة على أكثرية المقاعد في مفاوضاتٍ شاقَّةٍ وطويلةٍ مع الكتل الأقل لتأمين أعداد المقاعد المطلوبة. ويُشار في هذا الصدد إلى أن هذا الأمر حدث عقب الانتخابات التشريعية العراقية في أعوام 2010 و2014 و2018؛ إذ استغرق تشكيل الحكومة العراقية بعد انتخابات عام 2010 نحو تسعة أشهرٍ من المفاوضات، كما استغرق تشكيل الحكومة بعد انتخابات عام 2014 ثلاثة أشهرٍ من المفاوضات. واستغرق تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2018 نحو خمسة أشهرٍ من المفاوضات بين الكتل السياسية.

وختاماً، سيدخل تحالف “سائرون” الصدري في مفاوضاتٍ شاقَّةٍ في الأيام المقبلة مع بعض التحالفات السياسية بغرض تشكيل الكتلة الكبرى اللازمة لتشكيل الحكومة، خاصةً أنه لا يوجد بديلٌ عن خيار الشراكة لتحقيق هذا الأمر. ومن المُتوقَّع ألا يكون هذا الأمر سهلاً بالنظر إلى الممانعة والمقاومة التي ستُبدِيها القوى السياسية الموالية لإيران بعد خسارتها الانتخابات؛ وذلك في ضوء إيمان تلك القوى بأن خسارتها السياسية ستُضعف –بالتبعية– نفوذها وحضورها في المشهد العراقي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%88%d9%8a%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%8a/