التعايش المشترك:

أبعاد الاهتمام الإماراتي بقضايا السلام والتسامح
التعايش المشترك:
22 سبتمبر، 2022

احتفت دولة الإمارات بـ”اليوم الدولي للسلام”، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في تاريخ 21 سبتمبر من كل عام، وهو الاحتفاء الذي يأتي في ظل السياسات التي عملت الدولة على التكريس لها خلال السنوات الماضية بهدف دعم قيم السلام والتسامح إقليمياً ودولياً. هذا الاهتمام بقضايا السلام مرتبط بعدد من المحددات الرئيسية ربما يكون أهمها أن دولة الإمارات تقع في منطقة محتدمة الأزمات والمشكلات على النحو الذي يتطلب التفاعل معها بصورة مستمرة للحفاظ على الاستقرار والتهدئة؛ وذلك علاوةً على الطابع الكوزموبوليتاني لدولة الإمارات الذي جعلها نموذجاً للتعايش السلمي بين مكونات مجتمعية مختلفة.

الرؤية الإماراتية

صاغت دولة الإمارات على مدار السنوات الماضية عدداً من المبادئ والتوجهات الرئيسية الحاكمة لرؤيتها للسلام والتسامح، وهو ما يمكن تناوله من خلال ما يلي:

1) الربط بين الاستقرار والسلام والتنمية الاقتصادية: فقد اعتمدت الرؤية الإماراتية على الربط المستمر بين السلام والتنمية الاقتصادية؛ فعلى سبيل المثال، أكد صاحب السمو الشيخ “محمد بن زايد” رئيس دولة الإمارات، خلال المشاركة في قمة قادة مجموعة “I2U2” يوليو 2022، أهمية ترسيخ السلم والاستقرار في العالم، وأضاف أن “دولة الإمارات تؤمن بأن الاقتصاد هو السبيل الأمثل لتحقيق السلام والأمن والتقدم، خاصةً عندما تمتلك الحكومات والشعوب الإرادة لبناء الشراكات ومواجهة التحديات”.

كما تجلَّى هذا الرابط في خطاب سمو الشيخ “محمد بن زايد”، في 13 يوليو 2022، حينما أشار إلى أن “سياسة دولة الإمارات ستظل داعمة للسلام والاستقرار في منطقتنا والعالم، وعوناً للشقيق والصديق، وداعية إلى الحكمة والتعاون من أجل خير البشرية وتقدمها، وسنستمر في نهجنا الراسخ في تعزيز جسور الشراكة والحوار والعلاقات الفاعلة والمتوازنة القائمة على الثقة والمصداقية والاحترام المتبادل مع دول العالم لتحقيق الاستقرار والازدهار للجميع”.

2) تعزيز البنية التشريعية الداعمة للتسامح والسلام: إذ عملت الدولة على تعزيز البنية التشريعية الهادفة إلى تكريس قيمة التسامح والتعايش بين الجنسيات والديانات المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، صدر في يوليو 2015، مرسوم بقانون رقم (2) بشأن مكافحة التمييز والكراهية، وهو القانون الذي استهدف إثراء ثقافة التسامح العالمي، ومواجهة مظاهر التمييز والعنصرية، كما اعتمد مجلس الوزراء في عام 2016 البرنامج الوطني للتسامح بهدف ترسيخ قيم التسامح والتعددية الثقافية، ونبذ التمييز والكراهية والتعصب. وعلى مدار السنوات الماضية، تعددت المبادرات الرسمية والمجتمعية الداعمة لفكرة التسامح.

3) إنشاء مؤسسات معززة للتسامح والسلام: استكمالاً لتطوير الإطار التشريعي لقيم التسامح والسلام المجتمعي، استحدثت الإمارات بعض المؤسسات مثل وزارة الدولة للتسامح في فبراير 2016 بهدف دعم موقف الدولة نحو ترسيخ قيم التسامح والتعددية، والقبول بالآخر، كما تم إنشاء المعهد الدولي للتسامح، ومركز “هداية” لمكافحة التطرف العنيف، وكذلك مركز صواب من أجل دحض الكراهية والتعصب.

وفي هذا الإطار، طرحت الدولة مبادرات وجوائز عدة تخدم التسامح والسلام العالمي، ومنها جائزة “محمد بن راشد للتسامح”، التي أُطلِقت في 2016، وتهدف إلى بناء قيادات وكوادر عربية شابة في مجال التسامح، ودعم الإنتاجات الفكرية والثقافية والإعلامية المتعلقة بترسيخ قيم التسامح والانفتاح على الآخر في العالم العربي، وتسعى إلى تغيير حياة 130 مليون إنسان خلال السنوات القادمة في كافة المجالات، وجائزة محمد بن راشد آل مكتوم للسلام العالمي التي أطلقت عام 2011، وتهدف إلى تكريم كافة الفئات والجهات التي لها إسهامات متميزة في قضية حفظ السلام في العالم والاستقرار وتنميتهما.

4) التبني المكثف لقيم التعايش: يكشف تتبع السياسات والخطابات الرسمية الصادرة عن صناع القرار في دولة الإمارات عن التبني المكثف لقيم وخطاب التعايش بين كافة الفئات؛ إذ يوجد بالدولة أكثر من 200 جنسية مختلفة، وتجمعها علاقات دبلوماسية بأكثر من 190 دولة، بالإضافة إلى 73 قنصلية وأكثر من 110 سفارات أجنبية. ولا يمكن إغفال أن هذه المعطيات عززت من دور الإمارات في نشر ثقافة السلام والتسامح إقليمياً ودولياً.

تحركات مختلفة

تأسيساً على أبعاد الرؤية الإماراتية للسلام والتسامح، تبنت الإمارات بعض التحركات الداعمة للسلام والتسامح إقليمياً وعالمياً، ويمكن تناول أهم هذه التحركات فيما يلي:

1) الانخراط في جهود التهدئة الإقليمية: إذ عكست التحركات الإماراتية خلال السنوات الأخيرة محاولات لتحقيق التهدئة الإقليمية. ولعل هذا ما اتضح مع إعلان أبو ظبي، في شهر أغسطس الماضي، عن إعادة سفيرها إلى إيران لتأكيد التزامها بإقامة علاقات إيجابية بطهران وكافة الأطراف بالمنطقة. كما ظهر ذلك التوجه حينما وقَّعت الإمارات اتفاقية سلام وأقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، في سبتمبر 2020؛ إذ أكدت الإمارات أن التوقيع على هذه الاتفاقية يستهدف تعزيز الاستقرار في المنطقة، والبحث عن حل مستدام وعادل للقضية الفلسطينية؛ فقد أكد صناع القرار، في أكثر من مناسبة، استمرار التزام الإمارات بدعم القضية الفلسطينية، والسعي إلى إيجاد حلول عادلة لها.

2) جهود الوساطة في بعض الصراعات: اضطلعت الإمارات خلال السنوات الماضية بدور فاعل في تحقيق السلام الدولي، عبر التوسط في بعض الصراعات؛ فعلى سبيل المثال، لعبت أبو ظبي دوراً هاماً في التقريب بين إثيوبيا وإريتريا، وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى توقيع الدولتين اتفاق سلام في يوليو 2018 بعد سنوات طويلة من العداء، كما أشارت تقارير عديدة، في مارس 2021، إلى أن الإمارات قامت بدور رئيسي، وتوسَّطت في محادثات سرية بين الهند وباكستان لتهدئة التوترات بين الدولتين، وهو ما أدى إلى إعلان جيشَي البلدين، عبر بيان مشترك في فبراير 2021، التعهُّد بالالتزام باتفاق وقف إطلاق النار لعام 2003، كما حرصت الإمارات على القيام بدور الوساطة في الملف السوداني والتقريب بين القوى السودانية في مرحلة ما بعد الإطاحة بالرئيس السابق “عمر البشير” في عام 2019.

3) محاولة صياغة إطار عالمي للتعايش بين الأديان: سعت الإمارات، ضمن جهودها للتكريس للسلام والتسامح عالمياً، إلى صياغة إطار للتعايش بين الأديان، وتقديم هذا الإطار بديلاً لأطروحات الصراع الحضاري؛ فعلى سبيل المثال، استضافت الإمارات في شهر فبراير 2019 بابا الفاتيكان، والبابا فرانسيس، في زيارة تضمنت إقامة قداس ضخم اجتذب نحو 120 ألف شخص، ناهيك عن التوقيع على وثيقة الأخوة الإنسانية بين شيخ الأزهر والبابا، كما حاولت تجسيد هذا التوجه داخلياً؛ إذ يوجد في عاصمة دولة الإمارات أبو ظبي، مسجد مريم أم عيسى عليهما السلام، الذي تم بناؤه في عام 1985 تحت اسم مسجد “الشيخ محمد بن زايد”، لكن في يونيو 2017 وجَّه سمو الشيخ “محمد بن زايد” بإطلاق اسم “مريم أم عيسى” على المسجد، محاطاً بالكنائس والكاتدرائيات الكاثوليكية والأرثودوكسية في منطقة المشرف والتي تُعبِّر عن تعزيز التعايش الديني والتسامح في الدولة.

4) المشاركة في أنشطة مكافحة الإرهاب إقليمياً: حيث تلتزم دولة الإمارات بتنفيذ استراتيجيتها وقوانينها الوطنية الرامية إلى مكافحة الإرهاب؛ فعلى سبيل المثال، وضعت الإمارات، خلال السنوات الماضية، عدداً من القوانين لمكافحة التطرف في الفضاء السيبراني، كما اشتركت الإمارات والولايات المتحدة الأمريكية في تأسيس مركز “صواب” الذي انطلقت أعماله في مارس 2015، وهو مبادرة تفاعلية للتراسل الإلكتروني، تهدف إلى دعم جهود التحالف الدولي في حربه ضد التطرف والإرهاب. وتعد الإمارات جزءاً من التحالف الدولي ضد داعش، ناهيك عن الدور الذي لعبته في مكافحة الإرهاب باليمن خلال السنوات الماضية.

5) توسيع دور منتديات السلم: فخلال السنوات الماضية عملت دولة الإمارات على تطوير دور منتديات السلم في دعم وتعزيز الاستقرار والسلام إقليمياً وعالمياً، ولعل النموذج الأبرز على ذلك منتدى أبوظبي للسلم الذي ظهر نشاطه في عام 2014، وكان تحت مسمى منتدى “تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” وتم تأسيسه بهدف التكريس لقيم التسامح والسلام؛ حيث يشير الموقع الرسمي للمنتدى إلى أن المنتدى يناقش “الإشكاليات والقضايا الإنسانية المحدقة بالإنسان في عالم اليوم، التي نجمت عن الصراعات الفكرية والطائفية في المجتمعات المسلمة”. كما شكل المنتدى فرصة لاستضافة الخبراء والعلماء من خلفيات دينية وثقافية مختلفة.

وخلال السنوات الماضية، أعلن المنتدى عن عدد من المبادرات الرئيسية على غرار إعلان “مراكش”، يناير 2016، بشأن حقوق الأقليات في العالم الإسلامي، الذي حاول التكريس لثقافة التعايش الديني والحفاظ على حقوق المختلفين دينياً في المجتمعات المسلمة. ودخل نشاط المنتدى مرحلة جديدة في عام 2021، مع الإعلان، أثناء الاجتماع السنوي للمنتدى في ديسمبر 2021، عن تحوُّله إلى مُسمَّى “منتدى أبوظبي للسلام”، وإصدار إعلان أبوظبي للمواطنة الشاملة الذي يؤكد قيم التسامح والتعايش السلمي داخل المجتمعات المختلفة.

ختاماً، فإن السياسات التي تبنتها الإمارات خلال السنوات الماضية لتعزيز قيم السلام والتسامح، باتت تشكل مُحدداً هاماً في مساعي الإمارات لصياغة علامة وطنية مميزة لها على المستويَيْن الإقليمي والعالمي؛ وذلك في خضم التحولات في أدوات السياسة الخارجية والعلاقات بين الدول، وتنامي تركيز الدول على بناء نفوذها الناعم، وهو أمر من المؤكد أنه يخدم المصالح الاقتصادية والسياسية للإمارات، لا سيما أنها تقع في منطقة محتدمة الأزمات والصراعات المزمنة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d8%b4-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d9%83/