التفاوض الصوري:

لماذا تُبدي القوى الدولية مخاوف من موقف إيران في فيينا؟
التفاوض الصوري:
23 نوفمبر، 2021

لم تقلل موافقة إيران على استئناف المفاوضات النووية في فيينا في 29 نوفمبر 2021، من حالة القلق التي لا تزال تنتاب القوى الدولية المعنية بتلك المفاوضات والمنخرطة فيها؛ فهذه القوى لم تَعُد ترى أن مجرد تحديد موعد جديد للجولة السابعة مؤشر على إمكانية الوصول إلى صفقة في النهاية تعزز استمرار العمل بالاتفاق النووي الحالي وتُجنِّب المنطقة مخاطر نشوب حرب جديدة، في ظل استمرار المخاطر التي يُنتجها النشاط النووي الإيراني المستمر.

وفي هذا السياق، وجَّه وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، في 19 نوفمبر 2021، تحذيرات إلى إيران ما سماه “التفاوض الصوري”، في مقابلةٍ مع صحيفة “لوموند”؛ حيث قال في هذا الصدد: “إذا كانت هذه المناقشات صورية، فسنضطر إلى اعتبار خطة العمل الشاملة المشتركة فارغة من مضمونها”، وأضاف: “الولايات المتحدة على استعداد للعودة إلى المفاوضات من النقطة التي توقفت فيها في يونيو؛ كي يتسنى اختتامها على نحو سريع. سنقيِّم الوضع اعتباراً من يوم 29 نوفمبر وفي الأيام التالية، لنعلم إن كانت هذه هي رغبة إيران أيضاً”. يمكن تفسير مخاوف القوى الدولية إزاء الموقف الإيراني من المفاوضات في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها فيما يلي:

1– تعيين مجموعة متشددة في فريق التفاوض: اعتبرت القوى الدولية أن إبعاد رئيس وفد التفاوض السابق مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية السابق عباس عراقجي من منصبه، مؤشر على أن الحكومة الجديدة برئاسة إبراهيم رئيسي تتبنى سياسة أكثر تشدداً من الحكومة السابقة؛ حيث كان عراقجي يتبنى التوجه الأكثر مرونةً مع وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، وكان أحد المسؤولين الرئيسيين الذين ساهموا في الوصول إلى الاتفاق النووي في 14 يوليو 2015. في حين أن علي باقري كني رئيس الوفد الجديد معروف بتشدده بدرجة لافتة إزاء الاتفاق النووي.

وقد سبق أن عمل الأخير مع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي السابق سعيد جليلي الذي تولى إدارة المفاوضات خلال فترة الرئيس الأسبق أحمدي نجاد، وهي الفترة التي تصاعدت فيها حدة التوتر في العلاقات مع القوى الدولية، نتيجة استمرار النشاط النووي الإيراني، وارتفاع مستوى العقوبات الدولية المفروضة عليها.

كما أن “باقري” وجَّه انتقادات شديدة إلى السياسة الأوروبية بسبب “تقاعس” الدول الأوروبية عن رفع مستوى العلاقات مع إيران لتقليص حدة الضغوط التي فرضتها العقوبات الأمريكية عقب انسحاب إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018.

2– تسارُع وتيرة تقدُّم النشاط النووي الإيراني: لم ترفق إيران موافقتها على استئناف الجولة السابعة من مفاوضات فيينا، في 29 نوفمبر الجاري، بالإعلان عن وقف التقدم في نشاطها النووي، بل تعمدت قُبيل الإعلان عن موعد الجولة السابعة، الكشف عن التقدم الذي حققته على صعيد تخصيب اليورانيوم؛ فقد أعلن المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي، في 5 نوفمبر الحالي، أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وصل إلى 25 كيلوجرامًا، في حين بلغ مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 20% نحو 120 كيلوجرامًا.

ومعنى ذلك أن إيران تريد ممارسة ضغوط أقوى على القوى الدولية قبل استئناف المفاوضات، من أجل الحصول على أعلى مستوى من العوائد الاقتصادية مقابل عدم تقديم أي تنازلات رئيسية في بعض الملفات الخلافية.

ومن هنا، كان لافتاً أنه بالتوازي مع تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، حرص المبعوث الأمريكي لإيران روبرت مالي، في 19 نوفمبر الجاري، على التحذير من مغبة إفراغ الاتفاق النووي من مضمونه، في حالة مواصلة إيران أنشطتها النووية؛ حيث قال: “إن طهران تقترب من نقطة اللا عودة لإحياء الاتفاق النووي بعدما عززت مخزونها من اليورانيوم المخصب قبل استئناف المحادثات هذا الشهر”، وأضاف: “إن إيران تخاطر بأن يكون من المستحيل الحصول على أي فائدة من إحياء الاتفاق الذي كان معلقًا منذ انسحاب الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب منه في 2018”.

3– خشية من سعي طهران لكسب الوقت: تشير تصريحات “لودريان” و”مالي” إلى أن القوى الدولية ترى أن إيران قد تكون تعمدت الإعلان عن موعد جديد للمفاوضات دون أن تكون لديها نية حقيقية للوصول إلى اتفاق، بغية كسب مزيد من الوقت؛ لتحقيق هدفين: أولهما تقليص حدة الضغوط الدولية التي تعرضت لها في الفترة الماضية، بسبب مماطلتها في الإعلان عن استئناف المفاوضات، لدرجة أن القوى الشريكة لها، مثل روسيا، أبدت امتعاضها من هذا الموقف.

وقد بدا “الامتعاض” الروسي واضحاً في “التغريدة” التي كتبها المندوب الروسي لدى المنظمات الدولية ميخائيل أوليانوف على موقع “تويتر”، في 24 أكتوبر الفائت، والتي تساءل فيها عن معنى كلمة “قريباً” التي كان يرددها المسؤولون الإيرانيون عند ردهم على تساؤلات حول موعد استئناف المفاوضات؛ حيث تساءل: “قريباً.. هل يعرف أحد ما تعنيه تلك العبارة عملياً؟!”.

وثانيهما الوصول إلى مرحلة أكثر تقدماً من المستوى الحالي، سواء على صعيد رفع مستوى التخصيب إلى 60%، أو على صعيد استخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تطوراً.

4– محاولة طهران الضغط للبدء من نقطة الصفر: تبدي الدول الغربية مخاوف من أن إيران قد تمارس ضغوطاً من أجل التفاوض من نقطة الصفر مجدداً؛ إذ لا يوجد، في رؤيتها، ما يؤشر على أن الحكومة ووفد التفاوض الجديد تتبنى رؤية إيجابية تجاه ما تم الوصول إليه من توافق بشأن بعض النقاط الأساسية خلال الجولات الست السابقة. وهنا، فإن ذلك يفرض أعباءً أكثر على الدول الغربية، ويزيد احتمالات عدم الوصول إلى صفقة في النهاية تُنهي الأزمة الحالية العالقة بين الطرفين.

5– سوابق التفاف طهران على الاتفاق النووي: تستند الدول الغربية في موقفها إلى سوابق التفاف إيران على الاتفاق النووي؛ فقد حرصت إيران على تخفيض مستوى التزاماتها في الاتفاق النووي، رداً على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية بدايةً من 7 أغسطس 2018 بعد انسحابها من الاتفاق في 8 مايو من العام نفسه.

وهنا، ورغم أن بعض الدول الأوروبية –بجانب روسيا والصين– اعتبرت أن أساس الأزمة الحالية يعود إلى هذا القرار الذي اتخذته إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إلا أن الدول الأوروبية لم تُعْفِ إيران في الوقت نفسه من المسؤولية عن الأزمة الحالية التي يواجهها الاتفاق النووي، في ظل حرصها على الالتفاف على الاتفاق، واستمرار أنشطتها النووية بشكل بات يثير مخاوف من احتمالات وصولها إلى مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية.

خلاصة القول، أن كل ما سبق يعني أن المفاوضات القادمة لن تكون سهلة، في ظل اتساع نطاق الخلافات بين إيران والدول الغربية، التي لم تعد تنحصر في الملفات الخلافية الرئيسية على مستوى تخصيب اليورانيوم وأجهزة الطرد المركزي فقط، وإنما باتت تمتد أيضاً إلى مدى قدرة إيران على الانخراط في التزام دولي جديد بشكل صارم، في حالة الوصول إلى صفقة نووية تُنقذ الاتفاق النووي الحالي من خطر الانهيار.


https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%81%d8%a7%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%b1%d9%8a/