التكلفة المحدودة:

هل يقوض الداخل الأمريكي تعهدات "بايدن" خلال جولته بالشرق الأوسط؟
التكلفة المحدودة:
18 يوليو، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


أسفرت زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة من 13 إلى 16 من يوليو الجاري عن جملة من التعهدات والالتزامات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي طالت الطموحات النووية الإيرانية، والصناعات الدفاعية الإسرائيلية، والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي؛ وذلك من بين أمور أخرى. ولا شك أن تلك التعهدات قد صاحبتها مجموعة من الشكوك تطال جدواها ومصداقيتها بالنظر إلى مختلف التحديات التي تواجه الولايات المتحدة داخلياً؛ حيث ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الوقود، وتراجع شعبية “بايدن” بين الناخبين الأمريكيين.

تعهدات بارزة

يمكن إجمال أبرز التعهدات الأمريكية التي تمخضت عن زيارة “بايدن” الأولى إلى الشرق الأوسط في النقاط الآتية:

1– منع إيران من امتلاك سلاح نووي: تعهد “بايدن” في “إعلان القدس للشراكة الاستراتيجية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل” الذي وقعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد، بمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، كما أكد استعداد الولايات المتحدة لاستخدام كل عناصر القوة الوطنية لتحقيق ذلك الهدف. وفي سياق متصل، قال “بايدن” في أحد مؤتمراته الصحفية: “لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي”، مضيفاً أن ذلك “مصلحة أمنية حيوية لإسرائيل وللولايات المتحدة، وللعالم بأسره”. كما أكدت إسرائيل – في المقابل – أنها ستبذل كل ما يمكن لكبح طموحات إيران النووية عن العودة إلى اتفاق عام 2015 الذي أدى إلى تخفيف العقوبات على إيران مقابل الحد من برنامجها النووي، والذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

2– دعم المستشفيات الفلسطينية بالقدس الشرقية: تعهد بايدن بتقديم 100 مليون دولار إضافية لدعم المستشفيات في القدس الشرقية بهدف مساعدة الخدمات الصحية الفلسطينية، وقد قطع الرئيس الأمريكي ذلك الوعد في مستشفى المُطلع (أوجوستا فيكتوريا) في القدس الشرقية قبل لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وفي هذا الإطار، قال الرئيس الأمريكي: “يسعدني اليوم أن أعلن أن الولايات المتحدة تلتزم بتقديم 100 مليون دولار إضافية لدعم هذه المستشفيات وموظفيكم الذين يعملون من أجل الشعب الفلسطيني”. وبوجه عام، تضم شبكة مستشفيات القدس الشرقية 6 مستشفيات تقدم خدمات متخصصة لخمسين ألف مريض سنوياً من القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة، على أن توفر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التمويل الذي يقترن بإصلاحات النظام الصحي والمستشفيات.

3– دفع عملية اندماج إسرائيل في المنطقة: تعهد “بايدن” بتعزيز الاندماج الإسرائيلي في المنطقة في وقت شدد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد، على إعادة بناء ما يشبه التحالف العالمي القوي ضد إيران، في وقت تمكنت فيه إسرائيل خلال العامين الماضيين من عقد اتفاقيات سلام مع عدد من دول المنطقة. كما دفعت بعض التحليلات باحتمالية توقيع اتفاقيات أخرى بين إسرائيل ودول أخرى بالمنطقة. وهو أمر ربما تستخدمه إدارة “بايدن” للترويج لنجاح سياستها الخارجية في الشرق الأوسط، فتدعم صورتها المهتزة في الداخل الأمريكي. 

4– دعم إجراء تحقيق مستقل في اغتيال شيرين أبو عاقلة: تعهد الرئيس الأمريكي بقيام الولايات المتحدة بدورها من أجل دعم تحقيق مستقل في مقتل مراسلة الجزيرة “شيرين أبو عاقلة”، وأكد أنها فلسطينية ومواطنة أمريكية قتلت بينما كانت تقوم بدورها الإعلامي المستقل. ومن الجدير بالذكر أن عائلة أبو عاقلة سبق أن طلبت لقاء الرئيس الأمريكي خلال زيارته دون موافقة البيت الأبيض. وفي المقابل، أجرى وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” اتصالاً بالعائلة، ودعاها للقدوم إلى واشنطن من أجل الحديث عن القضية. وقد سبق أن أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، في 4 يوليو الجاري، نتائج التحقيق الذي أجرته حول مقتل “أبو عاقلة” الذي أكد صعوبة تحديد الجهة التي أطلقت الرصاصة التي تسببت في مقتلها. ورجحت واشنطن مقتلها برصاصة جندي إسرائيلي، وإن نفت وجود دليل على تعمد قتلها.

5– الالتزامات الأمريكية تجاه حلفاء المنطقة: رسمت تصريحات “بايدن” المتعددة ملامح سياسته تجاه المنطقة؛ حيث أكد أن الولايات المتحدة لن تبتعد عن منطقة الشرق الأوسط، ولن تترك فراغاً للصين وروسيا وإيران. كما أكد تصديه للتهديدات الإيرانية للمنطقة من خلال مواصلة الجهود الدبلوماسية الأمريكية للضغط على البرنامج النووي الإيراني. وأكد أيضاً ـتعزيز الدفاعات الجوية لدول المنطقة لمواجهة التهديدات الجوية، بجانب مواجهة التهديدات الإرهابية في المنطقة، ناهيك عن دعم حلفاء الولايات المتحدة فيها لمواجهة الإرهاب. كما تعهد بعدم السماح للقوى الخارجية بالتضييق على المضائق المائية في المنطقة، في إشارة إلى إيران والحركات المدعومة منها. ولفت “بايدن” إلى أن إدارته ستواصل العمل مع السعودية وعمان لإيجاد حل سياسي في اليمن، وتطوير المنطقة.

تأثير الداخل

من غير المرجح أن تؤثر الأزمات والأوضاع الأمريكية الداخلية في أي من التعهدات الأمريكية السالفة الذكر، وخصوصاً أنها تعد غير مكلفة بالنسبة إلى الداخل الأمريكي، وهو الأمر الذي يرتبط بالأبعاد الآتية:

1– المراهنة على سياسة الردع تجاه السلوك الإيراني: لا يعدو تعهد “بايدن” بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي أو استخدام كل عناصر القوة الوطنية لتحقيق ذلك الهدف كونه رسالة رادعة عمادها التلويح باستخدام القوة الشاملة لا الاستخدام الفعلي لها؛ إذ يعتمد الردع على التهديد باستخدام القوة العسكرية، ولا ينطوي على الاستخدام الفعلي لها؛ وذلك بهدف تخويف الخصم، وزرع القناعة لديه بالقدرة على الاقتصاص منه دون أن تتحول النوايا إلى فعل يلحق الأذى به. وهذا الحد الفاصل بين التهديد باستخدام القوة واستخدامها الفعلي هو الذي يشكل معنى الردع وكينونته. وهو ما يعني بالضرورة تراجع تكلفة الرسائل الرادعة؛ لأنها أقرب ما تكون إلى التهديدات اللفظية/المكتوبة في المقام الأول من ناحية، ولتكرار التلويح بها على لسان عدد كبير من المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين دون أن تترجم نفسها إلى استخدام فعلي للقوة من ناحية ثانية.

2– استمرار الالتزام الأمريكي الراسخ بدعم إسرائيل: بصرف النظر عن مدى سوء الأوضاع الداخلية الأمريكية، لا سيما الأوضاع الاقتصادية، فإن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يسبق أن تأثر بتلك الأوضاع؛ لكونه أقرب ما يكون إلى التزام دائم في السياسة الخارجية الأمريكية على تعاقب الرؤساء الأمريكيين من ناحية، ولتزايد تأثير ونفوذ اللوبي الإسرائيلي في السياسة الخارجية الأمريكية من ناحية ثانية. وهو ما يفسر تجديد “بايدن” الدعم الأمريكي لإسرائيل لا سيما في المجال العسكري؛ فقد تعهدت واشنطن وتل أبيب، بموجب إعلان القدس، بمزيد من التعاون في المشروعات الدفاعية والتكنولوجيا المدنية مع استعداد الولايات المتحدة لتقديم منح عسكرية لإسرائيل، وهو ما يعني ضخ مليارات من الدولارات في صورة تعاون عسكري، لا سيما في مجال الدفاع الجوي.

3– تعهدات غير مكلفة لواشنطن مقارنة بدعم دول أخرى: يتطلب النظام الصحي الفلسطيني مليارات الدولارات لتأسيس مستشفيات جديدة وعلاج المرضى ورفع كفاءة المنشآت الطبية وتوفير أحدث الأجهزة الطبية؛ ما يعني بالضرورة أن الدعم الأمريكي لن يكون كافياً من ناحية، ولا يمكن مقارنته بالمعونات والدعم الأمريكي المقدم لدول أخرى من ناحية. ولا شك أن اهتمام الولايات المتحدة بإحياء محادثات السلام الإسرائيلية–الفلسطينية بصرف النظر عن الشكوك الذي تحيط به من مختلف المجالات لن يُترجم – في المدى القصير على الأقل – إلى خطوات ملموسة تثقل كاهل الاقتصاد الأمريكي.

4– تسويق الإدارة الأمريكية الزيارة من زاوية المصالح: بالرغم من بعض الانتقادات التي واجهت إدارة “بايدن” وسياساتها الخارجية والداخلية، حاولت الإدارة التسويق للزيارة باعتبارها إعادة تأكيد للمكانة الأمريكية عالمياً، وحاولت إقناع الرأي العام الأمريكي بأن الإدارة لا تزل قادرة على التكريس لنفوذها في منطقة حيوية مثل الشرق الأوسط، وتقويض أي تحركات محتملة من القوى المناوئة، مثل روسيا والصين، لتعزيز نفوذها في المنطقة. أضف إلى ذلك، مراهنة الإدارة الأمريكية على تحالفها مع إسرائيل باعتبار ذلك أداة للحصول على الدعم الداخلي.

وعود غير قاطعة

يمكن القول إن تعهدات “بايدن” التي تمخضت عن زيارته إلى المنطقة لن تؤثر على الداخل الأمريكي، الذي يعاني بالفعل من أزمات متلاحقة، بقدر ما ستؤثر فيه الوعود التي لم يتمكن بايدن من انتزاعها من الرؤساء العرب، وفي مقدمتها استقرار أسعار النفط التي هزتها الحرب الروسية–الأوكرانية، وبخاصة مع ارتفاع أسعار الوقود في الداخل الأمريكي، وتنامي السخط الشعبي من جراء ارتفاعها المتزايد. فقد تمثل أحد الأهداف الأمريكية من وراء جولة بايدن في المنطقة في إقناع الرياض بزيادة إنتاج النفط من أجل خفض أسعاره عالمياً، وهو الهدف الذي لم يترجم في صورة وعد قاطع.

ختاماً.. يمكن النظر إلى مختلف تعهدات الرئيس الأمريكي خلال زيارته إلى المنطقة بوصفها محاولة لإعادة ملء الفراغ الأمريكي الذي نجم عن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، ومهرباً خارجياً يصرف النظر عن أزمات الداخل المتلاحقة قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، ووسيلة لهندسة منطقة الشرق الأوسط خوفاً من تغلغل النفوذين الروسي والصيني بها. وعلى تعدد الأهداف المرجوة منها، يمكن القول إن من غير المتوقع أن ترتدع إيران عن طموحاتها النووية أو يلتحم الصدع في العلاقات الأمريكية–السعودية أو يعول الفلسطينيون على الإدارة الأمريكية في إدارة صراعهم ضد إسرائيل حتى مع تعهد “بايدن” بمواصلة الجهود الرامية إلى دعم حل عادل للصراع الإسرائيلي–الفلسطيني.


https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%83%d9%84%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af%d8%a9/