الجنرال “دفورنيكوف”:

كيف يفكر القائد الروسي الجديد للحملة العسكرية في أوكرانيا؟
الجنرال “دفورنيكوف”:
14 أبريل، 2022

اتجه الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين إلى تعيين جنرال جديد لإدارة التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا؛ وذلك عقب خروج العديد من التقارير التي تجادل حول فشل الجيش الروسي في تحقيق أهدافه الكاملة، لا سيما ما يتعلق بالسيطرة على العاصمة الأوكرانية كييف. ومن هنا جاء الإعلان عن تعيين “ألكسندر دفورنيكوف” لقيادة العمليات العسكرية في أوكرانيا. ويتمتع الأخير بخبرة واسعة بأوكرانيا؛ حيث كان على رأس العمليات العسكرية الروسية في منطقة دونباس منذ عام 2017، كما أنه تولى قيادة العمليات العسكرية الروسية في شرق أوكرانيا وجنوبها منذ بدء عمليتها العسكرية الخاصة في فبراير الماضي.

 خبرة عسكرية

انعكست السياقات التاريخية التي وُلد وعاش فيها القائد الجديد للحملة الروسية في أوكرانيا، على خبراته الشخصية ومؤهلاته العلمية، وعلى أفكاره وعقليته العسكرية؛ وذلك على النحو الآتي:

1– النشأة في حقبة الاتحاد السوفييتي: ولد “ألكسندر دفورنيكوف” في مدينة أوسوريسك الروسية الواقعة على الحدود بين روسيا والصين، بأغسطس من عام 1961، وقد انضم إلى الجيش السوفييتي في سن السابعة عشرة. عقب تخرُّجه في مدرسة “أوسوريسك سوفوروف” العسكرية في عام 1978. وقد تشكَّلت تجربته العسكرية المبكرة ضابطاً شابّاً متوسط الرتبة خلال سنوات انهيار الاتحاد السوفييتي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وهي الفترة المعروفة باسم “سنوات الشفق”.

2– خبرات أكاديمية وعسكرية واسعة: تلقى “دفورنيكوف”، عقب ذلك المزيد من التعليم العسكري، في مدرسة “موسكو للتدريب على القيادة العليا”، وتخرَّج فيها عام 1982، وخدم عقب تخرجه في كتيبة “منطقة الشرق الأقصى” ضابطاً، ثم ترقى عقب ذلك إلى منصب قائد سرية، ورئيس أركان كتيبة. وفي عام 1991، تخرج “دفورنيكوف” في “أكاديمية فرونز العسكرية” المرموقة، ليتولى عقب ذلك منصب نائب قائد كتيبة المشاة المسلحة بالبنادق الآلية الموجودة في المجموعة الغربية للقوات السوفييتية في ألمانيا، لينتهي به المطاف قائداً للكتيبة حتى عام 1994.

3– تاريخ حربي زاخر بالإنجازات العسكرية: ارتقى “ألكسندر دفورنيكوف” باطراد في الرتب العسكرية منذ أن بدأ قائد فصيلة في عام 1982؛ حيث شغل بين عامي 1995 و2000 منصب رئيس الأركان، ثم قائد فوج المشاة الآلي في منطقة موسكو العسكرية، وبعدها شغل منصب رئيس الأركان وقائد كتيبة المشاة الآلية في منطقة شمال القوقاز العسكرية، حتى عام 2003. وخلال تلك الفترة يُعتقد أنه شارك في حرب الشيشان الثانية؛ وذلك قبل أن يقود القوات الروسية في سوريا في سبتمبر عام 2015. وفي غضون عام من انتشار القوات الروسية في سوريا، استقر نظام “الأسد” وعاد “دفورنيكوف” منتصراً إلى روسيا، ليحظى بثقة وتقدير الرئيس “فلاديمير بوتين”. وقد تم تكريمه لخدماته في عام 2016؛ حيث تحصَّل على ميدالية “بطل الاتحاد الروسي”، وهي أعلى وسام عسكري في روسيا.

4– عقيدة قتالية روسية وطنية تقليدية: يُوصَف الجنرال “ألكسندر دفورنيكوف” صاحب الستين عاماً، بأنه جنرال قومي يتبع مدرسة الحرب القديمة، وهو مُدرَّب على المذاهب العسكرية السوفييتية، التي ترى أن القضاء على الأهداف المدنية وسيلة لاكتساب زخم في ساحة المعركة. وقد أوكل الرئيس الروسي “بوتين” إليه مهمة دعم العمليات العسكرية الروسية في سوريا ومساندة الرئيس السوري “بشار الأسد”، وقد جاء على رأس عدد قليل من القوات العسكرية الروسية المقاتلة – لم تتجاوز بضعة آلاف – إلا أنه تمكن من تحقيق نجاح كبير في الداخل السوري، وهذا يعود إلى استراتيجيته العسكرية.

5– انتقادات دولية لدوره في الصراع السوري: نتيجة لتوارد العديد من التقارير والإحصائيات من معارضي النظام السوري ومنظمات حقوق الإنسان، التي تفيد بأن العملية العسكرية التي قادها “دفورنيكوف” في الداخل السوري، قد أدت إلى سقوط آلاف الضحايا من المدنيين السوريين، فقد بدأت وسائل الإعلام الغربية تصفه بلقب “جزار سوريا”. ونتيجةً أيضاً للهجمات التي استخدم فيها أسلحة كيمياوية، كالعملية العسكرية ضد حلب وإدلب، طالبت العديد من منظمات المجتمع المدني بإدانة “دفورنيكوف” ومحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ملامح الاستراتيجية العسكرية

يمكن توضيح أبرز ملامح الاستراتيجية العسكرية، سواء في سوريا، أو المحتملة في أوكرانيا بالنسبة إلى الجنرال الروسي “دفورنيكوف”؛ وذلك على النحو الآتي:

1– الاعتماد على التفوق العسكري في الجو: استندت استراتيجية الجنرال “دفورنيكوف” على استخدام التفوق الجوي الروسي لقصف المدن السورية عشوائيّاً. كان الهدف هو إحداث أكبر قدر ممكن من الضرر للمعارضة السورية، وترويع المدنيين وبث الخوف بين الجماعات المتمردة. وادعت بعض التقارير أنه لم يتردد في استهداف المستشفيات والمدارس والمواقع الإنسانية في سوريا. وقد أنشأ “دفورنيكوف”، قاعدة جوية بالقرب من الساحل الشمالي الغربي لسوريا، وهو ما ساهم في التدمير السريع للبلدات والمدن في جميع أنحاء محافظة إدلب، التي كانت تخضع لسيطرة المعارضة في ذلك الوقت.

علاوة على ذلك، فقد استعاد نظام “بشار الأسد” مدينة حلب في سوريا، بفضل الضربات الجوية الروسية التي تم نقلها من قاعدة حميميم الجوية، واستهدفت على نحو روتيني المستشفيات والمدارس وطوابير الخبز وغيرها من أعمدة الحياة المدنية، كما أعطت البطاريات المضادة للطائرات التي وجه بتركيبها، تفوقاً جوياً للطائرات الروسية والسورية على إدلب.

2– قطع خطوط الإمداد ومحاصرة العدو: اعتمد “دفورنيكوف” في استراتيجيته العسكرية بسوريا أيضاً على تعطيل خطوط إمداد العدو والخدمات اللوجستية. وقد تبنى سياسة دقيقة لتدمير سلاسل التوريد المناهضة للنظام السوري من خلال تعطيل القدرات الهجومية للمعارضة وإعطاء التحالف الموالي للنظام المبادرة في جانب الهجوم، وتنفيذ العمليات العسكرية؛ وذلك خلال أوائل عام 2016، وصولاً إلى منتصف عام 2017.

3– توظيف الميليشيات في المعارك العسكرية: كلَّف “دفورنيكوف” ضباط اتصال ومستشارين روساً بتدريب الميليشيات الشيعية السورية والإيرانية وحزب الله، وإطلاق العنان لها لقيادة وخوض العديد من المعارك الواسعة النطاق، دون تدخل مباشر من القوات الروسية على الأرض، كما قاد عملية إرسال وتوزيع قوات “فاجنر” في الأراضي السورية.

4– تقليل تكلفة الحرب قدر الإمكان: اختار الجنرال “دفورنيكوف” وكبار موظفيه، عدم إرهاق القدرات المحدودة لروسيا بالانخراط في اشتباكات غير ضرورية ضد سلاح الجو الإسرائيلي والجيش التركي، واكتفى باستعادة السيطرة على المناطق الاستراتيجية للنظام الروسي، عبر توجيه ضربات قاتلة للمعارضة، والتعاون مع الميليشيات الإيرانية، والاعتماد على قوات “فاجنر” كما تمت الإشارة مسبقاً.

5– معرفة كبيرة بالجنوب والشرق الأوكراني: في أواخر عام 2017، خدم “دفورنيكوف” على نحو أساسي في منطقة الدونباس الواقعة بشرق وجنوب أوكرانيا، وهي المناطق التي احتلتها روسيا منذ غزوها في ربيع عام 2014، وهو ما يعني أنه على خبرة واسعة بمنطقة الدونباس، كما أنه كان على رأس العمليات هناك منذ إعلان روسيا بدء عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا.

6– اعتبار تعيينه تحولاً في الحرب الأوكرانية: يعد تعيين “دفورنيكوف” قائداً للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، خطوة هامة وتحولاً كبيراً في استراتيجية حرب موسكو ضد كييف؛ فقبل تعيينه، لم يكن هناك قائد عسكري واحد لجميع القوات الروسية. وقد يتغير هذا الافتقار إلى التماسك التنظيمي في وجود “دفورنيكوف” الذي يرى الكثير من الخبراء والمسؤولين الأمريكيين والغربيين أنه شخصية عسكرية رفيعة المستوى. وعلى صعيد العمل الميداني، يتمتع “دفورنيكوف” بخبرة واسعة بمنطقة الدونباس الواقعة شرق أوكرانيا؛ حيث تقول موسكو إنها ستركز جهودها الحربية في تلك المنطقة، بعد فشلها في الاستيلاء على كييف والضواحي المحيطة بها. وفي حالة نجاحه في تحقيق مآرب الرئيس الروسي “بوتين” في هذه العملية العسكرية، يتوقع أن يحل محل رئيس الأركان الروسي “فاليري جيراسيموف”.

وختاماً، يواجه “دفورنيكوف” مجموعة مختلفة من التحديات في أوكرانيا، بالمقارنة بسوريا؛ فمن ناحية، لا تسيطر القوات الجوية الروسية على الجو في أوكرانيا، كما أن قواتها البرية قد استُنفدت بصورة كبيرة، بفعل الإمدادات المنتظمة من الأسلحة المتقدمة التي تقدمها الدول الغربية إلى كييف، خلافاً لما كان عليه الوضع في صراعه مع المعارضة السورية. ومن ناحية أخرى، يواجه الجيش الروسي أيضاً معضلة الحرب الإعلامية؛ إذ لا تقود موسكو رواية الحرب في أوكرانيا؛ حيث يخرج من البلاد كم هائل من البيانات التي تدحض مزاعم روسيا عن النجاح في ساحة المعركة؛ فبينما كان يُنظر إلى سوريا على أنها أفضل صراع مؤرخ في العصر الحديث، فإن هذا الجهد يتضاءل أمام الطريقة التي جلبت بها الهواتف الذكية والتكنولوجيا الرقمية الصراع الأوكراني إلى العالم.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%b1%d8%a7%d9%84-%d8%af%d9%81%d9%88%d8%b1%d9%86%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%81/