الجولة الثامنة:

هل تنجح إدارة بايدن في حسم المفاوضات النووية مع إيران؟
الجولة الثامنة:
4 فبراير، 2022

من المرتقب استئناف الجولة الثامنة من محادثات فيينا خلال الأسبوع الجاري، وقد توقفت هذه الجولة مؤقتاً لعودة الوفود المشاركة للتشاور في العواصم للنظر في إمكانية اتخاذ “قرارات سياسية”. ومن المتوقع أن تكون الجولة الثامنة هي الأخيرة قبيل التوصل إلى اتفاق أو الإعلان عن فشل المفاوضات واتجاه واشنطن نحو البحث عن خيارات بديلة للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني. ويأتي ذلك بالتزامن مع إبداء القيادة الإيرانية بعض المرونة حيال إمكانية الانخراط في محادثات مباشرة مع الجانب الأمريكي بعد أن كانت رافضة هذا الاحتمال رفضاً قاطعاً منذ بدء المفاوضات في أبريل الماضي.

كما يأتي هذا الأمر في وقت تصاعدت فيه تحذيرات الخبراء والعديد من الساسة الأمريكيين من أن الوقت بدأ ينفد بالفعل، وأن العودة إلى الاتفاق النووي بصيغته القديمة لن تُجدي نفعاً مع تطور القدرات النووية لإيران بدرجة كبيرة. وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي جو بايدن قد حدد مهلة للتوصل إلى اتفاق بنهاية يناير الماضي وبداية فبراير الجاري، فإنه لا توجد مؤشرات حتى الآن على أن الاتفاق وشيك بين الوفود المفاوضة. وقد أدى هذا الوضع الجانب الأمريكي إلى إعطاء مهلة زمنية جديدة، وهي “أسابيع بعدد أصابع اليد الواحدة” للتوصل إلى الاتفاق.

سياقات سلبية

يأتي تحديد واشنطن مهلة جديدة للجانب الإيراني للتوصل إلى اتفاق خلال مفاوضات فيينا في ظل إحباط أمريكي عام بشأن هذه المفاوضات. ويمكن استعراض ملامح ذلك من خلال ما يلي:

1- اختلاف وجهات النظر داخل الفريق المفاوض الأمريكي: أشارت بعض التقارير الصحفية الأمريكية مؤخراً إلى خلاف داخل الفريق المفاوض الأمريكي في المحادثات النووية واعتراض عدد من المفاوضين على السياسة التي يتبعها المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران روبرت مالي. ولفتت التقارير إلى تصاعد الحديث عن افتقار واشنطن إلى الصرامة والجدية في المحادثات؛ ما أتاح الفرصة لإيران للاستخفاف بمدى جديتها والإصرار على التقدم في برنامجها النووي. ويدعم هذه التقارير أنه منذ بدء مفاوضات فيينا في أبريل الماضي، استقال ثلاثة من الفريق المفاوض الأمريكي، منهم نائب المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران ريتشارد نيفيو.

2- تعالي أصوات المنتقدين لإدارة بايدن للمفاوضات: بدأت أصوات المنتقدين لكيفية إدارة بايدن للملف النووي تتعالى، في ظل فقدان الأمل من إمكانية عقد اتفاق يُعيد إيران إلى الامتثال لالتزاماتها؛ وذلك مع تعاظم القدرات النووية لإيران، خاصةً أنها باتت في المرحلة السابقة مباشرةً لتخصيب اليورانيوم بنسبة 90%. ويعتقد البعض أن إحجام إدارة بايدن عن معاقبة إيران على الانتهاكات التي ارتكبتها ينم على موقف ضعف، وأن ذلك شجَّع طهران على المضي قدماً في تخصيب المزيد من اليورانيوم، خاصةً عندما سمحت الولايات المتحدة للصين باستيراد المزيد من النفط الإيراني، في محاولة لإتاحة الفرصة لطهران لتحسين الحالة الاقتصادية للبلاد، ولو بدرجة طفيفة.

3- تصاعد دعوات أعضاء الكونجرس إلى التشدد ضد إيران: تزايدت دعوات أعضاء الكونجرس لإدارة بايدن إلى تبني نهج أكثر تشدداً تجاه إيران. وعلى سبيل المثال، دعا رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور “بوب مينينديز” بايدن إلى اتخاذ موقف أشد صرامةً تجاه إيران، وتبني استراتيجية جديدة تنطوي على التفكير “خارج الصندوق”، بما يشمله ذلك من الإقدام على انتهاج “مبادرات دبلوماسية إبداعية”، والحرص على إنفاذ العقوبات بصرامة، معرباً عن مخاوفه من تداعيات الاستمرار في التفاوض مع إيران في ظل اقترابها من الحصول على المواد اللازمة لصنع السلاح النووي.

كما أعرب “مينينديز” عن ارتيابه لعدم تضمن الاتفاق النووي المبرم على بنود تتعامل مع السلوك الإيراني الإقليمي المزعزع للاستقرار، فضلاً عن عدم تضمنه ما ينظم البرنامج الصاروخ الإيراني. ومن جانب آخر، انتقد النائب الجمهوري “مايكل والتز” الرئيس الأمريكي؛ لتعريضه الأمن القومي للولايات المتحدة للخطر، وأشاد باستقالة ثلاثة من المفاوضين الأمريكيين في مفاوضات فيينا؛ لإدراكهم أن الدبلوماسية لن تجدي ثمارها مع إيران، خاصةً أنها وضعت الولايات المتحدة في موقف ضعف، وحث بايدن على العودة إلى انتهاج سياسة الضغط القصوى مع إيران، حسب قوله.

دوافع محفزة

يمكن استعراض دوافع الجانب الأمريكي لتحديد مهلة الأسابيع المعدودة للجانب الإيراني بشأن التوصل إلى الاتفاق النووي؛ وذلك على النحو التالي:

1- إصرار “بايدن” على التوصل إلى اتفاق نووي: تبذل إدارة بايدن جهوداً حثيثة للعودة المتبادلة إلى الاتفاق النووي، في محاولة للوفاء بأحد وعود الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي؛ وذلك رغم أنها لا تقوض إنتاج إيران للصواريخ النووية، ولا تتناول الدور الإيراني في دعم الإرهاب، كما أنها لن تحد من دور طهران في تأجيج الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط. ومن الملاحظ أن مهلة الأسابيع المعدودة من الجانب الأمريكي تعد محاولة من إدارة بايدن لإعطاء دفعة سياسية للجولة الثامنة من مفاوضات فيينا.

2- التمهيد لاحتمالية اللجوء لاتفاق مؤقت: بات هدف إدارة بايدن يتمحور حول ضرورة التوصل إلى اتفاق مؤقت مع إيران والعودة المتبادلة إلى الاتفاق النووي بصيغته القديمة. وعلى الرغم من تأكيد إيران خلال الأشهر الماضية أن هدفها من المحادثات يتمحور حول التوصل إلى اتفاق دائم؛ لرغبتها في عدم تكرار تجربة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 في عهد إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب في عام 2018، إلا أن الموقف الإيراني تحول جزئياً في الآونة الأخيرة؛ حيث أكد رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني “وحيد جلال زاده” مؤخراً أن بلاده لا تمانع التوصل إلى اتفاق مؤقت إذا تطلبت الأمور ذلك.

3- العمل على تصدير الضغوط إلى الجانب الإيراني: من الملاحظ أن الجانب الأمريكي يحاول تصدير الضغوط إلى إيران في الفترة الأخيرة الحاسمة من المفاوضات. ويأتي إلقاء إدارة بايدن الكرة في الملعب الإيراني في ضوء تزايد الشكوك الأمريكية –على المستويات الرسمية وغير الرسمية– من استعداد إيران للموافقة على الشروط التي تم التوصل إليها، لا سيما أن الأمر بات مرهوناً بموافقة المرشد الأعلى الإيراني “آية الله خامنئي”، في ظل كشف بعض المسؤولين، وفقاً لما تضمنته صحيفة “نيويورك تايمز”، أن المحادثات وصلت إلى مرحلة صنع القرار بالفعل.

وتأتي هذه المستجدات في الوقت الذي أعلن فيه كبير المفاوضين الإيرانيين “علي باقري كني” عن أن المفاوضات تسير على نحو إيجابي؛ حيث تم التوصل إلى الأرضية والشروط اللازمة لعقد اتفاق للجميع على مبدأ “رابح رابح”، لافتاً إلى أن جدية وحسن نية الدول الغربية يُعدان شرطين رئيسيين لإنجاح المفاوضات. وتأتي المرونة الشكلية من الجانب الإيراني على الرغم من أن مواقف طهران الفعلية تُوحي بأن طهران لا تنوي التوصل إلى اتفاق، وإنما تتلاعب بالوقت لحين امتلاك القدرات اللازمة لصنع السلاح النووي.

4- توظيف القضية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية: تأتي مهلة الأسابيع المعدودة، التي تعني حرص واشنطن على إنجاح المفاوضات، في ظل حرص إدارة بايدن على تحقيق مكاسب سياسية داخلية؛ حيث يرغب الرئيس الأمريكي في تحقيق مكاسب سياسية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بالنظر إلى تضاؤل شعبيته. وترى إدارة بايدن كذلك أن التوصل إلى صفقة يعد خياراً جيداً أمام طهران لرفع بعض العقوبات وتحقيق بعض الانفراج بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، خاصةً أن البلدين كليهما لا يرغبان في الدخول في مواجهة عسكرية.

عوامل محددة

وختاماً، على الرغم من أن جميع الأطراف المشاركة في مفاوضات فيينا أكدت مراراً وتكراراً إحراز تقدم في المفاوضات، فإنه لم يتم التوصل بعد إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع تحجم إيران عن التقدم أكثر في برنامجها النووي، لا سيما مع إصرار الأخيرة على إنتاج المزيد من أجهزة الطرد المركزي المتطورة المستخدمة في تخصيب اليورانيوم. ولا يزال الجانبان الأمريكي والإيراني يؤكدان أنه لا يزال هناك عدد من القضايا العالقة التي تتطلب التفاوض بشأنها للتوصل إلى نتائج مرضية لكِلَيهما. إذ تصر طهران على ضرورة رفع الولايات المتحدة كافة العقوبات المفروضة عليها، في مقابل تمسُّك إدارة بايدن برفض البعض فقط، كما تصر إيران على الحصول على ضمانات بعدم خروج الولايات المتحدة من أي اتفاق مبرم بينهما في وقت لاحق. وبوجه عام، سيعتمد التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني في الأسابيع المقبلة على عدة عوامل، وعلى رأسها استعداد إيران للتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، ومقدار التنازلات التي من الممكن أن يقدمها كلا الجانبين من أجل عقد الاتفاق.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%85%d9%86%d8%a9-2/