الحرب الباردة 2.0:

كيف تتعامل دول العالم مع التوترات الأمريكية-الصينية؟ (حلقة نقاشية)
الحرب الباردة 2.0:
15 نوفمبر، 2021

تُخيّم أجواء الاستقطاب والتحفز على العلاقات الأمريكية-الصينية مما يزيد من معضلة إدارة دول العالم للتناقضات بين القطب الدولي الرئيسي في النظام الدولي ونظيره الصاعد الآخذ في التوسع عالمياً. وتتصل تعقيدات التعامل مع الصدام المكتوم بين بكين وواشنطن بتصاعد ضغوط الأخيرة على دول العالم لتحجيم علاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية مع الصين بصورة متزايدة. وفي هذا الإطار، نظم “إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية” حلقة نقاشية بعنوان “الحرب الباردة 2.0: كيف تتعامل دول العالم مع التوترات الأمريكية-الصينية؟”، حيث استضاف خلالها د. جوناثان فولتون، الأستاذ بجامعة زايد، والزميل غير المقيم في أتلانتيك كاونسل.

رؤية الصين للنظام العالمي

تتأسس الرؤية الصينية للتفاعلات العالمية على توازنات الداخل والمكانة الإقليمية، ورؤية الصين لمكانتها المركزية في النظام العالمي. وتتمثل أبرز ملامح السياسة العالمية لبكين فيما يلي:

1- مركزية الصين في عالم هيراركي: تعتبر الصين نفسها قلب العالم أو المملكة الوسطى، وهو معنى لفظ الصين باللغة الصينية، وتستند إلى رؤية حضارية تاريخية لعلاقاتها الدولية، حينما كانت آسيا قلب العالم القديم والصين في منتصف ممرات التجارة العالمية. والصين لديها رؤية هيراركية للنظام العالمي، ويبقى معيارا القوة والمصلحة حكمين لعلاقاتها الدولية، بحيث تتفاوت الدول في الرؤية الصينية من حيث القوة والأهمية لمصالحها.

2- الانتقال من الصعود الخفيّ إلى التمدد العالمي: اتبعت الصين منذ دينج زياوبينج استراتيجية “الانتظار والتخفي” (Bide and Hide) وإخفاء قدراتها، لكنها في عام 2008 غيّرت الاستراتيجية لعدة أسباب، منها: التدخلات العسكرية الأمريكية لنشر الديمقراطية في عهد بوش الابن، والأزمة المالية العالمية وعدم تأثر الاقتصاد الصيني بها، بالإضافة إلى أولمبياد بكين في 2008 وشعور الصين بالثقة في نموذجها وقابليته للانتشار. وأصبحت الصين تتبع استراتيجية التمدد العالمي القائمة على توسع النفوذ الصيني اقتصادياً وتقنياً، والسعي للوصول إلى مكانة القوى العظمى، وهو ما تجلّى لاحقاً في مشروع “الحزام والطريق” باعتبارها رؤية بكين لمستقبل العولمة والنظام الدولي.

3- ثلاثية الحكومة والتنمية والاقتصاد القوي: تركز الصين على قوة الحكومة وقوة الاقتصاد والتنمية الاقتصادية، ونظراً لأن الحزب الشيوعي الصيني حزب ثوري فهي تهتم بالتماسك الداخلي وتعزيز شرعية الحزب قبل أي شيء، وكافة سياساتها موجهة نحو الداخل أولاً، وتستهدف تعزيز شرعية الحزب الحاكم.

4- الصعود الشاق للقيادات إلى قمة السلطة: يتولى القيادات في الصين مناصبهم عبر عملية طويلة للغاية من التدرج في المناصب، وتكوين شبكات العلاقات والنفوذ وتعزيز القوة داخل الحزب، وهو ما يجعلهم ينظرون باستغراب لتولي القيادات في الغرب لمناصبهم بسبب تفضيلات الأكثرية عبر الانتخابات، ووصول شخصيات مثل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للسلطة رغم افتقارهم للخبرة السياسية.

5- “الداخل أولاً” في السياسة الصينية: تُعد مصالح الصين الأساسية هي تماسك واستقرار الداخل الصيني، لأن الحزب الشيوعي لا يزال يعتبر ذاته حزباً ثورياً، أولويته الحفاظ على الاستقرار والتصدي للمعارضين، ولذلك أولوياته تبدأ من الاستقرار السياسي الداخلي، وتعزيز قوة الداخل، والتصدي للمعارضين والمتمردين في إقليم شينجيانج، ومواجهة الأزمات الاقتصادية والبيئية، والتصدي للتهديدات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وفي العلاقة مع تايوان، وإدارة الصراع مع القوى الكبرى، ثم يأتي في نهاية هذه القائمة العلاقة مع الأقاليم البعيدة جغرافياً ذات التعقيدات السياسية والأمنية مثل الشرق الأوسط.

6- تفضيل إقامة جبهة موحدة مع الدول المركزية القوية: تسعى الصين لبناء حائط صد أمام واشنطن يتضمن الدول المركزية القوية التي لا تتبنى النموذج الديمقراطي الغربي، ولذلك تنحاز لهم في وجه الضغوط الغربية، وهو ما يدفعها لدعم الدول التي تتبنى سياسات صارمة أمام تمدد الإسلام السياسي، والتي تعارض بقوة التغلغل الغربي وتعتبره انتهاكاً لسيادتها.

7- جنوب ووسط آسيا.. المناطق المؤهلة لدور عسكري صيني: يرى المتحدث الرئيسي أنه قد تتجه الصين لإنشاء قواعد عسكرية في جوادار في باكستان وفي طاجيكستان في وسط آسيا لحماية المصالح الصينية في جنوب ووسط آسيا، والتحولات بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والمخاوف من حدود الصين المشتركة بين إقليم شينجيانج وأفغانستان.

وتعتبر الصين الإسلام السياسي والإرهاب أولوية قصوى في سياستها الخارجية، وتسعى للتصدي لحركة تحرير شرق تركستان في إقليم شنيجيانج، ولديها مخاوف من التأثيرات العابرة للحدود لصعود طالبان لسدة السلطة، وتسعى لاحتوائها وتحجيم نفوذها من خلال الدعم الاقتصادي والاستعانة بإيران وباكستان كوكلاء.

السياسة الشرق أوسطية للصين

تتسم السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط بالثبات النسبي والاستقرار؛ حيث تقوم على الانخراط الاقتصادي في الإقليم، وبناء شراكات استراتيجية أقل من مستوى التحالفات حرصاً على عدم تحمل التزامات دفاعية مكلفة في الإقليم وفقاً لاتجاهات رئيسية في الحلقة النقاشية. وتتمثل أبرز ملامح السياسة الصينية تجاه الإقليم فيما يلي:

1- اتّباع الصين سياسة “لا تحالفات” والاعتماد المتبادل: تتمسك الصين بسياسة عدم التحالف مع أي قوى حتى لا تتورط في التزامات دفاعية مكلفة تؤثر على تحقيق مصالحها، ولذلك تحتفظ بعلاقات شراكة مع إيران ودول الشرق الأوسط بصورة متزامنة، حيث تسعى الصين للتحرر من أسر العلاقات التحالفية والدفاع عن مصالح الغير. وتركز الصين على تعزيز التعاون الاقتصادي مع الشركاء بهدف توظيف العلاقات المتبادلة لدعم مصالحها السياسية، ودفع الدول إلى تبني مواقف تتماشى مع هذه المصالح.

2- تركيز بكين على المصالح المشتركة مع واشنطن: رغم الشائع حول الصدام بين القطبين الأمريكي والصيني، تركز بكين على أوجه التقارب مع واشنطن، مثل: حرية الملاحة في الخليج العربي، ووصول منتجات الطاقة للأسواق الدولية، وبقاء وأمن إسرائيل باعتبارها شريكاً تجارياً وتكنولوجياً رئيسياً للصين.

3- تبني استراتيجية غير عسكرية خارج الجوار: تسعى الصين لتجنب نشر قوات عسكرية كبيرة خارج إقليمها، وباستثناء القاعدة العسكرية في جيبوتي التي تقوم بمهام مكافحة القرصنة، لا تحتفظ الصين بقواعد عسكرية معلنة باستثناء الشائعات حول قاعدة عسكرية أخرى في ميناء جوادار في باكستان.

وتتسم القاعدة العسكرية في جيبوتي بمحدودية مهامها وانتشارها العسكري، وانقطاعها الجغرافي عن مراكز عمليات القوات الصينية في بحر الصين الجنوبي، وقدرة الولايات المتحدة على قطع طرق الإمداد العسكري لهذه القاعدة في أي وقت، ناهيك عن تأكيد الصين على أن انتشارها العسكري يأتي استجابة لمطالب الولايات المتحدة بتحمل تكلفة الانتشار الأمني وحماية التجارة وتدفقات النفط في الممرات الملاحية الحيوية.

4- سياسة بناء سلاسل الإمداد بدلاً من القواعد العسكرية: تُعد الصين قوة عظمى مختلفة عن الولايات المتحدة، وتركز بكين على تأسيس شبكات الأعمال (Business Clusters) بدلاً من التحالفات الأمنية، وتقوم بتأسيس موانئ وسلاسل للتوريد والإمداد بدلاً من القواعد العسكرية، وتنشر العمال والفنيين وخبراء التقنية بدلاً من الجيوش والقوات العسكرية.

ويرى المتحدث الرئيسي اتّباع الصين سياسة أكثر حزماً في جوارها الإقليمي المباشر، مثل: سياسة بناء الجزر في بحر الصين الجنوبي، والانتشار العسكري في الهندوباسيفيك، ومواجهة التحالفات المناوئة مثل التحالف الرباعي أو تحالف أوكوس، وتطويق تايوان عسكرياً، والسعي لتحجيم النفوذ الأمريكي في الإقليم، وتقويض سياسات الانخراط الأمريكي في آسيا.

5- اعتبار الصين “إيران” ورقة ضغط على الولايات المتحدة: يرى اتجاه رئيسي في الحلقة النقاشية أن الصين تعتبر إيران ورقة ضغط قوية لإبقاء واشنطن في الشرق الأوسط، ومنعها من ترك الإقليم في حالة فراغ. ووفقاً لهذه الرؤية التي تم طرحها في الحلقة النقاشية، لم يتم تنفيذ غالبية بنود اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران، وكانت فقط مجرد حركة على رقعة شطرنج لدفع واشنطن للبقاء في الإقليم. وتوظّف الصين علاقات الشراكة الاستراتيجية مع إيران لتحجيم سلوكها، ودفعها لتجنب تهديد مصالحها في استقرار الإقليم، مثل دفعها للتفاوض حول البرنامج النووي، أو عدم مهاجمة الناقلات في الممرات الملاحية الحيوية وتجنب تهديد دول الجوار.

6- أهمية ملفات أمن الطاقة والتجارة: يرى اتجاه رئيسي في الحلقة النقاشية أن الصين تعتبر منطقة الشرق الأوسط سوقاً واعدة ومصدراً للطاقة، لكنها تتجنب اعتباره مساحة للانتشار الجيواستراتيجي، كما أن الصين ترى أنها تفتقر للخبرة في التعامل مع مشاكل المنطقة، ودول الشرق الأوسط لا تعرف الصين جيداً، وهذا ما يجعل العلاقات بين الطرفين ضحلة نسبياً ومحدودة وفقاً لرؤية هذا الاتجاه.

التعامل مع الصعود الصيني

يحمل الصعود الصيني عوائد متعددة لدول الشرق الأوسط، بالإضافة للتحديات المتعلقة بالاستقطاب العالمي:

1– تعزيز فهم الصين في سياسة دول الإقليم: تبدأ بلورة سياسة تجاه الصين بضرورة فهم السياسة الصينية من خلال تشجيع تعلم اللغة الصينية، ودراسة الثقافة الصينية، والبعثات للصين، والاهتمام بالبعثات الدبلوماسية المرسلة للصين، بحيث يتم انتقاء نخبة الدبلوماسيين الأكثر نشاطاً ودراية بالملف الصيني لقيادة الجهود الدبلوماسية العربية في هذه الدولة المركزية.

2- وضع أجندة مستقبلية واسعة للعلاقات: ينبغي أن تتوجه العلاقات العربية-الصينية نحو مجالات المستقبل لتشمل نقل المعرفة التقنية، والتكنولوجيا، والصناعات فائقة التطور، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، وغيرها من القطاعات ذات العوائد الاقتصادية المرتفعة. فعلى سبيل المثال، تركز الصين والإمارات على مجالات المستقبل في العلاقات.

ووفقاً لتصريحات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة، خلال زيارته للصين في يوليو 2019، فقد تم وضع خريطة طريق العلاقات بين الدولتين عبر 100 عام قادمة، ولذلك كان التركيز على إنتاج اللقاحات المضادة لكورونا، وبحوث الأوبئة، والصناعات الطبية، ومجالات الذكاء الاصطناعي، وتقنيات الدرونز، وشبكات الجيل الخامس، وتطوير الموانئ، ومستقبل الطاقة، وهي قضايا ذات تطبيقات مدنية وعسكرية واسعة.

3- عدم الحاجة للاختيار بين الصين وواشنطن: يجب على الدول العربية ألا تقبل بوضعها في موقف اختيار بين الصين والولايات المتحدة، وإنما يمكنها استغلال الموقف لصالحها بالحفاظ على علاقات وثيقة مع الطرفين. ووفقاً للمشاركين في الحلقة النقاشية، أصبحت الصين غير قابلة للاستغناء عنها من جانب كافة حلفاء واشنطن بسبب الاحتياج للتوريدات الصينية والاستثمارات الصينية والتقدم التكنولوجي السريع، وغيرها من العوائد الاقتصادية من الانخراط مع الصين في شراكة اقتصادية نشطة، لذلك لن تقبل أي دولة أن يفرض عليها الاختيار بين واشنطن وبكين.

4- تنشيط دبلوماسية المسار الثاني: اقترح المشاركون في الحلقة النقاشية أن يتم تطوير قنوات للحوار بين واشنطن وبكين والدول العربية على مستوى مراكز التفكير والمؤسسات الأكاديمية والصحفيين والخبراء بعيداً عن مشاركة السياسيين الرسميين لفتح مسارات موازية للنقاش حول القضايا الخلافية ومناقشة الخيارات ومشروعات السياسات لتعزيز التعاون المشترك والمكاسب المتبادلة لتجاوز حالة الاستقطاب في العلاقات بين واشنطن وبكين.

ختاماً، يُتوقع أن تستمر علاقات الاستقطاب بين الولايات المتحدة والصين في ظل تصنيف واشنطن لبكين باعتبارها التهديد الرئيسي لمكانتها في النظام الدولي، واتباع الصين استراتيجية التمدد العالمي من خلال مشروع “الحزام والطريق”، وتوسع القضايا الخلافية بين الطرفين في مجالات التكنولوجيا والتجارة والأمن في الهندوباسيفيك.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d8%af%d8%a9-2-0-2/