الخاصرة الرخوة:

لماذا تصاعد تحفز إيران عسكرياً في مواجهة أذربيجان؟
الخاصرة الرخوة:
20 أكتوبر، 2021

يكشف التصعيد الأخير الذي طرأ على العلاقات بين أذربيجان وإيران عن أن باكو باتت تمثل تهديداً كبيراً بالنسبة لطهران، في ضوء الاعتداء الأذربيجاني على السفارة الإيرانية في باكو، مطلع أكتوبر 2021، والذي أعقب قيام إيران بإجراء مناورات عسكرية على الحدود مع أذربيجان، بعد أن فرضت حكومة “إلهام علييف” تعريفات جمركية مشددة على الشاحنات التي تنقل الوقود الإيراني إلى مدينة ستيبانكيرت عاصمة إقليم قره باغ المدعوم من أرمينيا، هذا إلى جانب نفوذ تل أبيب المتغلغل داخل مؤسسات صنع القرار في أذربيجان، ولا سيما الأمنية والاستخباراتية، فضلاً عن التضامن بين كل من أنقرة وتل أبيب وباكو وكردستان العراق في مواجهة إيران.

نفوذ تل أبيب

وفي هذا الإطار، يأتي إقرار الأوساط السياسية في إيران بأن أذربيجان تهديد رئيسي على خلفية بعض المظاهر التي تكشف عن تزايد العلاقات الخاصة بين باكو وتل أبيب (العدو اللدود لطهران)، والتي يتمثل أبرزها في:

1- اتساع نطاق التغلغل العسكري الإسرائيلي بأذربيجان: ينبع التهديد الأذربيجاني لإيران في المقام الأول من نفوذ تل أبيب داخل الهيكل السياسي والأمني والاستخباراتي لباكو؛ حيث يمكن فهم الموقف الإيراني المؤيد لأرمينيا في صراعها مع أذربيجان حول إقليم ناغورني قره باغ في إطار الدعم الإسرائيلي لأذربيجان؛ إذ أدى عجز باكو السابق عن السيطرة على هذا الإقليم، إلى تزايد الحاجة لتأسيس برنامج دفاعي عسكري متطور، مما جعلها مستورداً رئيسياً لتقنيات الدفاع الإسرائيلية، فضلاً عن قيام تل أبيب بتدريب القوات الخاصة الأذربيجانية والحراس الشخصيين للقادة، وبناء أنظمة أمنية لمطار باكو، وتحديث المعدات العسكرية الموجودة من الحقبة السوفيتية، ولا سيما فيما يتعلق بالدبابات.

2- تعزيز الحضور التكنولوجي الاستخباري لإسرائيل: أدت اتهامات باكو المتكررة لطهران بمحاولة تأجيج الصراع مع أرمينيا على الأرض من خلال إرسال شاحنات كبيرة من الأسلحة إلى إقليم ناغورني قره باغ، إلى جعل تل أبيب بمثابة شريك مريح لأذربيجان؛ حيث ساعد الموقع الجغرافي لهذه الأخيرة على الحدود الإيرانية إسرائيل على بناء محطات إلكترونية على طول الحدود الأذربيجانية مع إيران في التسعينيات لجمع المعلومات الاستخباراتية.

3- مباركة واشنطن للدور الإسرائيلي بأذربيجان: على الرغم من الموقف الأمريكي المعلن برفض العنف القائم بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورني قره باغ، ودعوة أطراف الصراع للعمل ضمن مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا بغرض العودة إلى محادثات جدية في أقرب وقت ممكن؛ إلا أنه يمكن القول إن العلاقات المتطورة لباكو وتل أبيب تنسجم مع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. ففي وقت سابق، شجعت واشنطن إقامة علاقات ثلاثية موسعة بين تركيا وأذربيجان وإسرائيل، وأُضيفت جورجيا لاحقاً بغرض أن يكون هذا التضامن بمثابة حائط صد في مواجهة التطلعات الإيرانية في الشرق الأوسط ومنطقة القوقاز.

وتستدل إيران على ذلك بالأعمال الإرهابية والتخريبية الإسرائيلية في الصناعة النووية الإيرانية، وسرقة وثائق إيران النووية السرية، مشيرة إلى أنها تمت عن طريق التعاون الاستخباراتي والأمني من قبل جمهورية أذربيجان.

سباق المحاور

كما تنظر إيران بعين الريبة إلى دور أذربيجان المتزايد في محاولات تطويقها إقليمياً في إطار استراتيجية العقوبات والضغوط التي تمارسها واشطن على طهران لإجبارها على تقليص أنشطتها النووية والعودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، والذي تخلت إيران عن معظم بنوده تذرعاً بالانسحاب الأمريكي من الاتفاق خلال حقبة الرئيس “دونالد ترامب”، وهو ما يمكن تناوله عبر النقاط التالية:

1- تأسيس تحالفات إقليمية موجّهة ضد طهران: تكمن المخاوف المتصاعدة لإيران من التهديد الأذربيجاني بالنسبة لها من التضامن الذي بات موجهاً ضدها من قبل بعض الأطراف المعادية لها بالمنطقة، والتي يتمثل أبرزها في إسرائيل وتركيا والأكراد؛ حيث تؤسس أنقرة علاقات واسعة مع تل أبيب ولا سيما فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي، وبعض العلاقات السرية بين هذين الطرفين وإقليم كردستان. وبالتالي، فبعد توقيع اتفاقيات السلام في 15 سبتمبر 2020، والإعلان عن تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البحرين والإمارات مع إسرائيل؛ باتت إيران ترى أن تل أبيب توجه تهديدات لها من خلال حدودها المائية في الخليج العربي ودول الخليج ذاتها.

علاوة على ذلك، تكشف الأوساط السياسية الإيرانية عن أن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “بنيامين نتنياهو” إلى عُمان في 25 أكتوبر 2018، ولقاءه مع السلطان الراحل السلطان “قابوس”، تشير إلى أن تل أبيب قد سيطرت على بحر عمان أيضاً، ومن هنا يتضح أن الحدود الإيرانية من جهة الشمال والشمال الغربي والغرب والجنوب الغربي والجنوب باتت تخضع -في رؤية اتجاهات إيرانية- لسيطرة إسرائيل بشكل عملي. وعليه، يكشف ما سبق عن أن هناك رغبة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها بالمنطقة للحد من النفوذ الإيراني من خلال تغيير طبيعة التوازن الجيوسياسي في جنوب القوقاز لغير صالحها.

2- تكثيف الضغوط الإقليمية والدولية: ترغب الولايات المتحدة في تعزيز الضغوط المفروضة على إيران، على خلفية تأخر هذه الأخيرة في استئناف مفاوضات فيينا، وتشددها بشأن الملفات التي من الممكن تضمينها داخل هذه المحادثات، ولا سيما فيما يتعلق بالنفوذ الإيراني بالمنطقة والبرنامج الصاروخي. ويتوازى ذلك مع تلقي إيران دعماً كبيراً من قبل روسيا في مواجهة أذربيجان، وهو الأمر الذي اتضح من خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني “حسين أمير عبداللهيان” إلى موسكو في بداية أكتوبر 2021، عندما تم طرح هذه القضية، فضلاً عن استمرار التنسيق بين هذه الأخيرة وتركيا في سوريا.

ومن ناحية أخرى، يأتي ما سبق في سياق تراجع النفوذ الإيراني في العراق، وهو ما اتضح في نتائج الانتخابات التي أسفرت عن انخفاض عدد المقاعد التي حصل عليها الحليف الإيراني الأبرز “تحالف الفتح” مقارنة بالانتخابات البرلمانية التي عُقدت في عام 2018، وتقدم التيار الصدري، وتحالف “تقدم” برئاسة رئيس البرلمان المنتهية ولايته “محمد الحلبوسي”، الأمر الذي يشير إلى إمكانية اتجاه بغداد خلال الفترة القليلة القادمة للعودة إلى المحيط العربي والبعد نسبياً عن طهران.

فضلاً عن ذلك، شرعت سوريا في الاتجاه نحو اتخاذ خطوات على الصعيد العربي، وهو ما اتضح في موافقة الحكومة السورية على المساهمة في تخفيف حدة الأزمة اللبنانية عن طريق المشاركة في إيصال الغاز والكهرباء من بعض الدول العربية مثل مصر والأردن إلى بيروت، وهو ما يتم انطلاقاً من رغبة الرئيس السوري “بشار الأسد” في أن يحظى بالمزيد من الشرعية بين دول المنطقة.

3- محاولات تغيير الجغرافيا السياسية بالقوقاز: يمكن القول إنه بالإضافة إلى نفوذ إسرائيل المنتشر في الهياكل الاستخباراتية والعسكرية لجمهورية أذربيجان، ترغب كل من تل أبيب وأنقرة وباكو في تغيير الجغرافيا السياسية لمنطقة جنوب القوقاز عن طريق قطع ممرات العبور بين طهران ويريفان. وعليه، تحاول جمهورية أذربيجان التوصل إلى اتفاقات من وراء الكواليس مع الجهات الفاعلة الإقليمية وعبر الإقليمية بدعم من إسرائيل وتركيا للوصول إلى هذا الهدف. وما يدعم ذلك أنه عندما تجد أرمينيا ذاتها في فضاء جيوسياسي مغلق، وحصار بين تركيا وأذربيجان وجورجيا، فإنها ستحاول التوصل إلى اتفاقيات مع كل هؤلاء من أجل إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية للخروج من هذا الحاجز الجيوسياسي عبر تنشيط سبل التجارة مع هذه الدول.

ومن هنا، يعكس ما سبق الانتصارات التي حققتها أذربيجان على أرمينيا في حرب قره باغ التي اندلعت خلال سبتمبر 2020، الأمر الذي أدى لتعزيز الوجود التركي-الأذري على حساب طهران. ويتوازى ذلك مع تغذية هذه الصراعات للنزعة القومية لدى الأذريين في شمال غرب إيران، المتعاطفين بطبيعة الحال مع أذربيجان، ولديهم تطلعات قومية تصل إلى حد الانفصال عن إيران، مما أدى إلى إجراء مناورات عسكرية إيرانية على الحدود مع أذربيجان، رداً على المناورات المشتركة بين تركيا وباكستان وأذربيجان التي تم إجراؤها في سبتمبر الفائت.

ختاماً، يتضح مما سبق أنه بالتوازي مع التفاهمات النووية التي أعلن وزير الخارجية الإيراني “حسين أمير عبداللهيان” عن استئنافها الأسبوع المقبل، فإن إيران مقبلة على فترة تاريخية صعبة، خاصةً في ظل التهديدات الجديدة التي باتت تحيط بها، والتي يتمثل أبرزها في أفغانستان وجنوب القوقاز، والتي من المحتمل أن تفرض تداعيات قد لا تبدو هينة على المستويين المحلي والإقليمي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b5%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ae%d9%88%d8%a9/