الخصم العنيد:

لماذا يصعب استبعاد "عمران خان" من المشهد السياسي في باكستان؟
الخصم العنيد:
8 سبتمبر، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial

انتهت ولاية رئيس الوزراء الباكستاني السابق “عمران خان” خلال شهر أبريل الماضي، في أعقاب تصويت البرلمان على حجب الثقة عنه بموافقة 174 صوتاً من أصل 342 صوتاً. وعلى الرغم من اعتقاد الكثيرين أن خروج “خان” من سدة الحكم سيساعد على إعادة الاستقرار إلى الداخل الباكستاني؛ حيث ضاعف وجوده حالة الاستقطاب العام في البلاد، خاصة بين أعضاء الحزب الحاكم “تحريك إنصاف الباكستاني” وبين الأطياف السياسية الأخرى من ناحية، وكذلك الاستقطاب بين المكون المدني الحاكم والمؤسسة العسكرية من ناحية أخرى، إلا أن إبعاد “خان” عن السلطة قد أدخل البلاد في موجة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية، ضاعفت حدتها تغيراتُ المناخ والفيضانات المصاحبة لذلك.

المجال المضطرب

لم يؤدِّ رحيل “عمران خان” عن منصب رئاسة الوزراء إلى غيابه عن المشهد السياسي الباكستاني؛ إذ يظل أحد الفاعلين المؤثرين، وربما المربكين أيضاً لحسابات الحكومة الباكستانية الحالية. وقد تجلى حضور “خان” في المشهد الباكستاني من خلال ما يلي:

1- تصادم علني بين “خان” والحكومة الجديدة: بالرغم من إقصاء رئيس الوزراء الباكستاني عن الساحة السياسية، ما زال يلعب عدداً من الأدوار السياسية الخفية، عبر مناصريه. ويتهم “خان” الحكومة الحالية بأنها موالية للولايات المتحدة الأمريكية التي رفض طلبها إقامة قواعد عسكرية على الأراضي الباكستانية، في أعقاب انسحابها من أفغانستان. وبالتزامن مع ذلك تسعى حكومة رئيس الوزراء الجديد “شهباز شريف” إلى إلقاء “خان” في غياهب السجن؛ حيث اتُّهم بالإرهاب؛ وذلك على الرغم من حصوله على وعود سابقة في شهر أغسطس الماضي من محكمة “إسلام أباد”، بعدم تعرضه للملاحقة القضائية خلال الفترة القادمة، ناهيك عن زجها بعدد من كبار قياداته الحزبية في السجن، في قضايا ذات طبيعة غير أخلاقية، وهو ما يفتح الباب لدخول الحكومة وأنصار “خان” في اشتباكات موسعة لا تُحمد عقباها.

2- المطالبة بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة: فقد قاد “عمران خان” خلال الشهور التي تلت إقصاءه من رئاسة الوزراء تجمعات حزبية وفردية مناوئة للحكومة الحالية، تقوم على مهاجمة شرعيتها وتدعو إلى إجراء انتخابات جديدة وعاجلة. وقد اكتسبت هذه الدعوة زخماً كبيراً عقب الانتخابات المحلية التي أجريت في إقليم البنجاب في شهر يوليو الفائت، وأدت إلى فوز حزب “حركة الإنصاف”، الذي يتزعمه خان، بمجموع 15 مقعداً من أصل 20، متفوقاً على غريمه حزب “الرابطة الإسلامية الباكستانية”.

3- مناوشات خفية بين “خان” والمؤسسة العسكرية: يرى بعض الخبراء السياسيين أن المؤسسة العسكرية تلعب دوراً كبيراً في هذا الصراع الذي يبدو على السطح أنه صراع بين “خان” والإدارة الجديدة. ويؤكد عدد من المتخصصين بالشأن الباكستاني الفرضية القائلة إن تهم الإرهاب التي تلاحق “خان” في الوقت الحالي لم تكن نتيجة تهديده وإهانته النظام القضائي والشرطي في البلاد، بل لانتقاده العلني والحاد للمؤسسة العسكرية.

فقد اتهم “خان” المؤسسة العسكرية في وقت سابق، خلال خطاب له أمام تجمع لأنصاره بمدينة راولبندي، بأنها تقف وراء جميع الأزمات السياسية التي تعصف بالبلاد، كما أشار إلى تحيز اللجنة الانتخابية ضد أعضاء حزبه، وإصدارها العديد من القرارات المناوئة لهم، بأوامر مباشرة من جهات عليا – بالإشارة إلى الجيش والمخابرات – ترفض انخراطهم في العملية السياسية في الوقت الحالي.  وطالب “خان” المؤسسة العسكرية بإثبات حيادها وترفعها عما يدور في البلاد حالياً، وحذر في ذات الوقت من تصاعد حدة الأزمة السياسية، ومساندة الجيش المخربين والمتآمرين.

وبالرغم من هذا الموقف الصدامي من جانب “خان”، سعى الجيش إلى تهدئة الموقف، ونفى الاتهامات التي وجهها “خان” إليه، مؤكداً أنه لا يقف وراء الحملة الأخيرة المعادية لأنصار خان ووسائل الإعلام، وقال إن المؤسسة تبنت موقفاً محايداً، وتنأى بنفسها عن الصراع القائم حالياً في الساحة السياسية. كما شدد مسؤولون عسكريون على أن الجيش لا علاقة له بقضايا الشرطة والمحاكم المدنية. وصرح المتحدث الرسمي باسم المؤسسة العسكرية “بابار إفتخار” بأن الجيش لن يَنْسَق إلى السياسة، وأنه قرر عدم تفضيل أي فصيل سياسي على حساب الأطراف الأخرى.

4- الحشد الشعبي والتهديد بالعصيان المدني: تصاعدت حدة الأزمة بين أنصار “عمران خان” والسلطة الحاكمة بعد إعلان هيئة تنظيم الإعلام الإلكتروني في باكستان، يوم 20 أغسطس الماضي، حظر بث خطابات مباشرة لرئيس الوزراء السابق عمران خان، وبررت القرار بأن “خان” يوجه “اتهامات لا أساس لها، وينشر خطاب كراهية”، وأضافت أن “تصريحاته الاستفزازية ضد مؤسسات وضباط الدولة، ستُحدِث اضطرابات، على الأرجح، للسلم والهدوء العام”.

وبالتزامن مع هذا الحظر، سارعت الشرطة الباكستانية إلى توجيه تهمة الإرهاب لرئيس الوزراء السابق، تمهيداً لاعتقاله، إلا أن المئات من أنصاره توافدوا وحاصروا منزل “خان”، استجابةً لدعوات واسعة أطلقها حزبه للذود عن رئيسهم. وقد نجحت هذه التجمعات في منع اعتقاله، كما حذر الحزب من محاولة اختبار صبره وتجاوز الخطوط الحمراء، في إشارة إلى إمكانية إلقاء القبض على “عمران خان”.  وقال “ذو الفقار عباس بخاري” أحد المساعدين المقربين من عمران خان: “إذا تم تجاوز هذا الخط الأحمر، فسنضطر إلى إغلاق البلاد”. “القبض عليه سيؤدي إلى تمرد وعصيان عام على مستوى البلاد”.

تحديات موازية

في الوقت الذي تعاني فيه باكستان من عدم الاستقرار السياسي، تشهد البلاد أيضًا أزمات تزيد من الضغوط على الحكومة الحالية، وربما تعزز الفرص السياسية لعمران خان. وتتمثل أبرز هذه الأزمات فيما يلي:

1- الجدل حول الإدارة الحكومية لكارثة الفيضانات: تعيش باكستان كارثة طبيعية غير مسبوقة، منذ بدء موسم الأمطار الموسمية في يونيو الماضي؛ حيث اجتاحت الفيضانات أغلبية أرجاء البلاد، وتسببت في أضرار جمة بالعديد من القرى والمدن. وقد تفاقمت هذه الأزمة منذ 25 أغسطس الماضي؛ حيث تضاعفت نسبة الأمطار بمقدار 2.8 عن السنوات الثلاثين الماضية، وسجل إقليم بلوشستان زيادة بـ5 أضعاف عن المعدلات السنوية المعتادة، كما شهد إقليم السند تضاعفاً مقدراه 5.5 بالمقارنة بالعقود الثلاث الماضية، وفقاً لإحصاءات موقع “ريليف ويب” للمعلومات الإنسانية التابع للأمم المتحدة.

وتشير التقارير إلى إن عدد ضحايا الأمطار الموسمية وصل إلى نحو 1061، منهم 119 لقوا حتفهم في يوم واحد فقط. ويتوقع العديد من الخبراء أن الخسائر الاقتصادية والتحديات السياسية ستتفاقم في البلاد نتيجة لهذه الكارثة، وخاصة أن الأزمة كشفت عن عدم كفاية البنى الأساسية المادية وضعف التأهب للكوارث؛ حيث تضررت 3 من مقاطعات باكستان الأربع بشدة من الفيضانات. وأفادت الهيئة الوطنية الباكستانية لإدارة الكوارث بأن نحو 30 مليوناً قد نزحوا ودُمر ما يقرب من 149 جسراً وأكثر من 170 متجراً.

2- نظرة سلبية إلى الأوضاع الاقتصادية: تأتي هذه الفيضانات في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية طاحنة. وعلى الرغم من إعلان استئناف برنامج الإنقاذ من صندوق النقد الدولي الذي ستساعد نفقاته على تجنب تخلف البلاد عن السداد والنضوب السريع لاحتياطاتها من العملات الأجنبية، فإن عدداً من المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، توقعت ألا يقل التضخم خلال السنة المالية الحالية عن معدل 20%؛ ما يجعل من الصعب على حكومة “شريف” التفوق على الدعم الشعبي الذي يتمتع بها غريمه “عمران خان”، ويعزز من حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها البلاد.

3- استمرار التهديدات الأمنية في باكستان: لا تزل باكستان تواجه حالة من انعدام الاستقرار الأمني؛ إذ تضاعف خطر الجماعات المسلحة التابعة لعدد من الحركات الإرهابية على غرار حركة طالبان باكستان؛ حيث تعثرت مفاوضات السلام بين الحكومة الحالية والحركة، بالرغم من استمرار العمل باتفاق وقف النار السابق. كما أن تردي الأوضاع في أفغانستان، واستمرار نشاط حركة داعش – خراسان هناك يفرض العديد من الضغوط الأمنية على باكستان؛ لأن الأزمات الأمنية في أفغانستان من السهل أن تنتقل إلى باكستان.

4- سيطرة الغموض على مستقبل الانتخابات التشريعية: من المقرر أن تعقد الانتخابات التشريعية القادمة في باكستان، خلال أكتوبر من عام 2023، إلا أن جميع الأطياف السياسية والشعبية تشكك في إمكانية الالتزام بهذه الأجندة الانتخابية. فمن ناحية، ضاعفت الأزمات الثلاثية التي تشهدها البلاد (الاضطرابات البيئية والاقتصادية والأمنية) من شعبية “خان” بالرغم من الإجراءات التي تتخذها الحكومة الحالية ضده وضد أنصاره. كما تظهر الآراء المتداولة للمتفاعلين عبر وسائل التواصل الاجتماعي واستطلاعات الرأي المحللة تعاطف الكثيرين مع رئيس الوزراء السابق، واعتباره ضحية جديدة للمؤامرات الخارجية التي تحاك ضده، خاصة من الجانب الأمريكي.

وزادت هذه الادعاءات مع قتل زعيم القاعدة “أيمن الظواهري”، وبروز بعض التقارير التي تؤكد أن الطائرة المسيرة التي تم استخدامها لاغتيال الظواهري قد أقلعت من الداخل الباكستاني، وصولاً إلى المجال الجوي الأفغاني. وقد استغل “خان” التعاطف الشعبي العام معه للدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة، إلا أن الحكومة الحالية ترفض هذا الطرح. كما أن الجيش على الرغم من إعلانه الحياد السياسي رداً على اتهامات “خان” السابقة له، سلطت قياداته الضوء على أزمة الفيضانات التي تشهدها البلاد في الوقت الحالي، واستحالة عقد انتخابات مبكرة في ظلها.

العودة الصعبة

خلاصة القول، فإنه مع غياب وجود شخصية سياسية بديلة، تتمتع بثقل وشعبية “عمران خان” في الساحة السياسية الباكستانية، سيظل خان أحد الفاعلين المؤثرين في المشهد الباكستاني. ولكن مع ذلك، فإن تصاعد حدة الاستقطاب بين الأطياف السياسية والعسكرية، وانعدام الدعم الأمريكي لـ”خان”، وكذلك ضعف الدعم السياسي الصيني لشخصه، يجعل من الصعب على رئيس الوزراء السابق العودة إلى منصبه، إلا أنه من المرجح أن تستمر معاناة باكستان من حالة عامة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وهو ما قد يفسح المجال بالتبعية للجماعات الإرهابية والمسلحة لزيادة أنشطتها في الداخل.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b5%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d9%8a%d8%af/