الخيار الصعب:

لماذا ترفض واشنطن إقامة منطقة حظر جوي فوق أوكرانيا؟
الخيار الصعب:
25 مارس، 2022

مع استمرار العمليات العسكرية الروسية في الأراضي الأوكرانية، والكثير من الخطوات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي بمُعاقَبة النظام الروسي، والسعي إلى عزل موسكو دولياً؛ لتحميلها تكلفة عملياتها العسكرية وتهديدها أمن حلفاء الولايات المتحدة من الدول الأوروبية؛ تعددت الدعوات المُطالِبة بفرض واشنطن منطقة حظر طيران عسكري فوق أوكرانيا، وهو ما رفضه بايدن في خطاباته الرسمية. وقد تكرَّر الرفض الأمريكي في خطابات وزيرَي الخارجية أنتوني بلينكن، والدفاع لويد أوستن، والمُتحدِّثة الرسمية باسم البيت الأبيض جين بساكي، وسط تساؤلات عن أسباب رفض الإدارة الأمريكية لتلك الدعوات.

مطالبات متعددة

تعدَّدت الأطراف المُطالِبة بفرض الولايات المتحدة منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا؛ وذلك على النحو الآتي:

1– دعوات “زيلينسكي” المتكررة إلى فرض حظر جوي: سبق أن طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عقب إعلان القوات الروسية سيطرتها الجوية الكاملة على أوكرانيا، في الأول من شهر مارس الجاري؛ بفرض منطقة حظر طيران فوق بعض الأجزاء الأوكرانية المُهمَّة، ثم عاد وناشد المشرعين الأمريكيين، خلال كلمته أمامهم، عبر الفيديو كونفرانس، بذل المزيد من الجهد لحماية بلاده من التدخل العسكري الروسي، وكرَّر مطالبته بهذا كي يضمن الغرب هزيمة “المعتدي دون سفك الدماء”، على حد تعبيره.

وقد ذكر في خطابه أمام الكونجرس أن موسكو حوَّلت سماء أوكرانيا إلى سبب لموت آلاف الأشخاص في عملية عسكرية لم تشهدها أوروبا منذ 80 عاماً، كما قال زيلينسكي في مقطع فيديو نُشر على تويتر: “أغلقوا السماء فوق أوكرانيا”. وقد قارن الرئيس الأوكراني بين هجوم بيرل هاربور على الولايات المتحدة في ديسمبر 1941 والهجوم الروسي على أوكرانيا الذي بدأ في 24 فبراير الماضي والذي لا يزال مستمرّاً، مطالباً بمزيد من الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي للرد على التدخل العسكري الروسي.

2– تأكيد مسؤولين سابقين ضرورةَ حظر الطيران: دعت شخصيات بارزة تولَّت مناصب سابقة في الإدارات الأمريكية، وكانت مُساهِمة في صنع السياسة الخارجية في السابق؛ الإدارة الأمريكية إلى فرض منطقة حظر طيران محدود فوق الأراضي الأوكرانية، سواء من قِبل حلف شمال الأطلنطي “الناتو”، أو من قِبل الولايات المتحدة. ويعد كورت فولكر السفير الأمريكي السابق لدى حلف الناتو، من أبرز المدافعين عن تلك الفكرة التي يمكن أن تحد من مخاطر الحرب، من خلال إبلاغ روسيا بطبيعة الهدف المرجو منها، وهو حماية المدنيين، على نحوٍ يؤكد عدم تراجع واشنطن أمام بوتين. وبجانب فولكر، 27 مسؤولاً حكومياً سابقاً ومحللاً في مجال السياسة الخارجية، منهم فيليب بريدلوف القائد الأعلى السابق للحلفاء في أوروبا، وقد أصدروا خطاباً مفتوحاً أكدوا فيه ضرورة فرض الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي منطقة حظر طيران؛ لحماية الممرات الإنسانية، مع الدفع بوسائل عسكرية إضافية للدفاع عن أوكرانيا.

3– ضغوط الرأي العالم الأمريكي لفرض حظر جوي: أظهر استطلاع حديث لوكالتي رويترز وإيبسوس، أن 74% من الأمريكيين –وهي نسبة أغلبيتها تشمل الديمقراطيين والجمهوريين– يؤيدون فرض الولايات المتحدة وحلفائها في حلف الناتو، منطقة حظر طيران في أوكرانيا، كما أظهر استطلاع آخر أجراه مركز بيو للأبحاث، أن 77% من الأمريكيين يساندون وجود أعداد كبيرة من القوات الأمريكية في دول حلف شمال الأطلنطي بالقرب من أوكرانيا، بيد أن 35% فقط أيَّدوا القيام بعمل عسكري وإن تمخض عنه نشوب صراع نووي مع روسيا.

4– تأييد بعض المشرعين حظر الطيران الروسي: أشار العديد من المشرعين البارزين، مثل السيناتور الديمقراطي جو مانشين، إلى أن خيار منطقة حظر الطيران يجب أن يظل مطروحاً على الطاولة، بالنظر إلى استخداماته الإنسانية؛ لأنه قد يسمح بدخول قطارات الإغاثة والاعتناء بالجرحى، كما دعا بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين إلى أن يصاحب فرض حظر الطيران، استخدامُ صواريخ أرض–جو أكثر تطوراً؛ لإسقاط القاذفات الروسية التي تُحلِّق في المجال الجوي الأوكراني، لا سيما أن خطوات بوتين لم تعد متوقعة. بيد أن المشرعين من كلا الحزبَيْن أيدوا قرار بايدن رفض السماح بوجود قوات أمريكية في أوكرانيا أو تطبيق حظر طيران على البلاد.

عوامل مُفسِّرة

يمكن الوقوف على أبرز الأسباب المُفسِّرة للموقف الأمريكي الرافض لفرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا من خلال النقاط التالية:

1– التخوُّف من الحرب المفتوحة مع روسيا: تُهدد منطقة حظر الطيران بوقوع صراع عسكري مباشر بين الولايات المتحدة وروسيا، ومن المُمكن أن يتصاعد هذا الصراع المُحتمَل إلى حرب عالمية ثالثة تتخوَّف إدارة بايدن من خوض غمارها. وفي هذا السياق، قال وزير الدفاع الأمريكي: “إن فرض منطقة حظر طيران سيعني الدخول في الحرب. هذا يعني أنك في مواجهة مع روسيا، وهذه واحدة من الأمور التي قلنا وقال عنها رئيسنا إننا لن نفعلها.. لن ندخل حربًا مع روسيا”.

وفي هذا الإطار، تُفضِّل الإدارة الأمريكية تدمير الدفاعات الجوية في الداخل الروسي؛ كي يتحقق هدف السيطرة على السماء. وقد أكد أوستن أن القوات المسلحة الأوكرانية نجحت، باستخدام دفاعاتها الجوية، في إحباط الهجمات الروسية، وهو ما يمكن تعزيزه بالنظر إلى نجاحها مع القوات الأوكرانية؛ إذ تعمل واشنطن على تعزيز قدرات القوات الأوكرانية للدفاع عن أراضيها، لا سيما أن القوات الأوكرانية لم تسمح لروسيا بالسيطرة الجوية الكاملة.

2– تجنُّب انخراط القوات الأمريكية في الحرب: سيضع إقامة الولايات المتحدة منطقة حظر الطيران فوق الأراضي الأوكرانية، قواتها المسلحة في صراع مباشر مع نظيرتها الروسية، وهو ما ترفضه الإدارة الأمريكية في وقت تسعى فيه إلى منع انخراط القوات الأمريكية في الأزمة الأوكرانية. ولكنها في المقابل تسعى إلى إنهاء التصعيد العسكري الروسي؛ حيث قال الرئيس الأمريكي إن “الولايات المتحدة تحاول إنهاء الحرب في أوكرانيا لا إشعال حرب أكبر”. كما كان بايدن واضحاً في هدفه بتجنب الولايات المتحدة أي نزاع مباشر مع روسيا، وألا تُحلق الطائرات الأمريكية ضد الطائرات الروسية، وألا توجد القوات الأمريكية في الأراضي الأوكرانية.

3– الخشية من اتساع رقعة الحرب على المسرح الأوروبي: إن فرض منطقة حظر طيران، يعني أن الولايات المتحدة سيتعيَّن عليها التأكد من تطبيق الحظر من خلال إرسال قوات أمريكية، وهو ما يعني إسقاط الطائرات الروسية التي ستُحلق فوق أوكرانيا، في اتساع محتمل للحرب التي ستتأجَّج في الملعب الأوروبي. وفي هذا السياق، أكد الرئيس السابق لمحطة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في موسكو دانيال هوفمان؛ أن “فرض منطقة حظر طيران يعني أن تحلق الطائرات الأمريكية بالتزامن مع الطائرات الروسية، بل معناه أن تسقط الطائرات الأمريكية والروسية بعضها بعضًا”.

4– صعوبة التدخُّل المباشر لدعم دولة خارج “الناتو”: أرجعت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية السبب وراء رفض الرئيس بايدن فرضَ منطقة حظر طيران جوي؛ إلى تباين المصالح الأمريكية–الأوكرانية على الرغم من قواسمهما المشتركة، وهي المصالح التي تحدد الخطوط الحمراء الأمريكية التي تتحدَّد بصفة خاصة في حماية الدول الأعضاء في حلف الناتو، وهي المصالح التي تُفرِّق بين الهجوم على كييف الذي على الرغم من خطورته يختلف عن الهجوم على برلين أو باريس أو لندن. وتتحدَّد المصالح المشتركة بين زيلينسكي وبايدن في التأكد من هزيمة بوتين في هذه الحرب، بيد أن هذه الهزيمة المحتملة إن كانت تعني للأوكرانيين الحفاظ على السيادة الأوكرانية، فإنها قد تجعل الأمريكيين يشعرون بالرضا على أقصى تقدير.

وختاماً، فإنه منذ بدء الحرب الروسية–الأوكرانية، رفضت إدارة بايدن إمكانية استخدام القوة العسكرية الأمريكية في أوكرانيا، لتتفق ألمانيا معها في أن فرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا سيعني إمكانية حدوث مواجهة عسكرية مباشرة بين حلف الناتو وروسيا، وهو أمر لا يرغب فيه أحد، لا سيما أن تلك المنطقة تعني أن القوات الجوية الأمريكية ستصبح أساس القوة الجوية الأوكرانية لتقاتل بجانب القوات البرية الأوكرانية ضد روسيا.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b9%d8%a8/