الداخل أولًا:

ما الذي تغيّر في الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة التهديدات الإرهابية؟
الداخل أولًا:
8 سبتمبر، 2021

لم تنقطع محاولات الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، لإنهاء الحروب الأمريكية التي خاضتها إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، بدعم من التيار المحافظ بشقيه السياسي والديني، في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، في سياق حربها العالمية على الإرهاب. وقد تُوِّجت هذه التوجهات بسحب إدارة الرئيس جو بايدن القوات الأمريكية من أفغانستان، في 31 أغسطس الماضي، رغم معارضة بعض القادة العسكريين والسياسيين داخل واشنطن، وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية حول العالم.

ويتوقع أن تدفع إخفاقات الاستراتيجية الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والحروب والتدخلات العسكرية التي خاضتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، خلال العقدين الماضيين؛ لإحداث تحولات في المقاربات الأمريكية للحرب على الإرهاب، لأن عائدها كان أقل من التكلفة التي تكبدتها الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن تتغير أولوية قضية الإرهاب خلال السنوات القادمة على أجندة صانع القرار في واشنطن لصالح تهديدات وتحديات دولية أكثر أهمية للمصالح والأمن القومي الأمريكي، وإعادة تعريف استراتيجية مكافحة الإرهاب، وإعطاء الأولوية لحماية الأمريكيين من التهديدات الإرهابية الداخلية، وتوجيه مخصصات الحرب على الإرهاب للتحديث الداخلي، وتراجع الربط بين الحرب على الإرهاب وبناء الدول بالقوة العسكرية، وزيادة الاعتماد على الشركاء المحليين في محاربة التنظيمات الإرهابية.

حسابات “التكلفة بلا عائد”:

رغم غياب التقديرات الأمريكية الرسمية عن تكاليف الحرب الأمريكية على الإرهاب منذ أحداث سبتمبر الإرهابية، فإن دراسات بحثية وأكاديمية قد قدرت تكلفتها بتريليونات الدولارات. فوفقًا لدراسة عن مشروع تكاليف الحرب بجامعة براون، أنفقت الحكومة الفيدرالية الأمريكية 2,3 تريليون دولار على العمليات العسكرية في أفغانستان وباكستان، و2,1 تريليون دولار في العراق وسوريا، و355 مليار دولار في الصومال ومناطق أخرى في إفريقيا. وقد تم إنفاق 1,1 تريليون دولار إضافية على تدابير الأمن الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2001، لتصل إجمالي النفقات الأمريكية المباشرة للحرب على الإرهاب في الداخل والخارج إلى حوالي 5,84 تريليونات دولار.

ويصل هذا المبلغ إلى ما يقدر بـ8 تريليونات دولار إذا ما تمت إضافة 2,2 تريليون دولار للإنفاق على رعاية قدامى المحاربين بحلول عام 2050. ولا تشمل تقديرات الجامعة إنفاق حلفاء الولايات المتحدة، ولا التكاليف التي تتكبدها الولايات الأمريكية والحكومات المحلية، ولا الأموال التي تم إنفاقها على المساعدات الإنسانية في مناطق الحرب والتنمية الاقتصادية.

وتشير تقديرات الجامعة إلى أن التكلفة البشرية لحروب ما بعد 11 سبتمبر، والتي تشمل وفيات ‏الحرب المباشرة في مناطق الحرب الرئيسية، وهي: أفغانستان وباكستان (أكتوبر 2001 – أغسطس 2021)، والعراق (مارس 2003 – أغسطس 2021)، وسوريا (سبتمبر 2014 – مايو 2021)، واليمن (أكتوبر 2002 – أغسطس 2021) ومناطق الحرب الأخرى بعد تلك الأحداث الإرهابية، تُقدر بما بين 897000 إلى 929000 شخص قد لقوا مصرعهم خلال تلك الحروب. وتختلف التقديرات النهائية للحروب الأمريكية على الإرهاب مع ما توقعه المسؤولون الأمريكيون في بدايتها.

ورغم ارتفاع تكلفة الحروب الأمريكية على الإرهاب في أعقاب أحداث سبتمبر الإرهابية، إلا أنها زعزعت استقرار منطقة الشرق الأوسط، وولّدت صراعات ثانوية، وحروبًا أهلية، ناهيك عن صعود تنظيمات إرهابية جديدة كتنظيم داعش الذي سيطر على مساحات شاسعة من دولتي العراق وسوريا في عام 2014، والذي لا يزال فاعلًا ومؤثرًا رغم الهزائم التي تعرض لها، وقد كان آخر عملياته الهجوم الإرهابي على مطار كابول والذي أسفر عن مقتل 13 عسكريًا أمريكيًا. ناهيك عن الإخفاق في القضاء على تنظيم القاعدة، والانسحاب الفوضوي للقوات الأمريكية من أفغانستان بعد حرب مكلفة، وجلوس كبار المسؤولين الأمريكيين مع حركة طالبان -التي حاربتها واشنطن طيلة عقدين- على طاولة المفاوضات لمناقشة مستقبل أفغانستان بعد انسحاب القوات الأمريكية، وسيطرة الحركة على مقدرات الدولة الأفغانية مع بدايات خروج الأمريكيين وحلفائهم من أفغانستان.

ملامح “المقاربة الجديدة”:

ستدفع إخفاقات الاستراتيجية الأمريكية طيلة العقدين الماضين لمجابهة الإرهاب عالميًا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 الولايات المتحدة لإحداث جملة من التغييرات في مقارباتها لمكافحة التنظيمات الإرهابية حول العالم، والتي يتمثل أبرزها فيما يلي:

1- مراجعة أولوية “الحرب على الإرهاب”: بعد عقدين من حروب أمريكية مكلفة، ومعارضة الرأي العام الأمريكي لانخراط القوات العسكرية الأمريكية في الصراعات والحروب خارج الحدود، وتصاعد الدعوات إلى سحب القوات الأمريكية من الخارج، وزيادة التأثير الانتخابي للجيل الذي لم يشهد أحداث سبتمبر الإرهابية في تحديد الفائز في الانتخابات الأمريكية؛ من المقرر أن تتراجع قضية الحرب على الإرهاب على أجندة الحكومة الأمريكية، ولا سيما مع تصاعد التحديات الداخلية، وخاصة بعد جائحة (كوفيد-19)، التي أظهرت حجم أزمات الداخل الأمريكي، والتي ستؤثر في حال استمرارها والإخفاق في التعامل معها على مستقبل القوة والقيادة الأمريكية للنظام الدولي.

وستتراجع قضية الحرب على الإرهاب كأولوية ملحة مع التحدي الذي تمثله الصين وروسيا للمصالح والأمن القومي الأمريكي، ونظر الإدارات الأمريكية منذ إدارة أوباما إلى إدارة بايدن لتلك القوى على أنها “قوى تعديلية” تسعى إلى إحداث تغييرات في النظام الدولي الراهن الذي أُسس على قيم وقواعد تخدم مصالح الولايات المتحدة والقوى الغربية الحليفة لها بصورة أساسية؛ وهو ما دفع الإدارات الأمريكية باختلاف انتماءاتها الحزبية إلى تبني سياسات “منافسة القوى العظمي” من جديد.

2- إعادة تعريف استراتيجية مكافحة الإرهاب: أدركت الولايات المتحدة الأمريكية بعد عقدين من الحرب على التنظيمات الإرهابية، مثل تنظيمي القاعدة وداعش، أنها تفشل في القضاء نهائيًا على تلك التنظيمات، وأنها لن تستطيع تخليص العالم من كل المنظمات الإرهابية، وكذلك من الظروف التي تؤدي للإرهاب. ولهذا، فإنه يتوقع أن تعمد واشنطن إلى استراتيجية جديدة هدفها إدارة تهديد الإرهاب، والتركيز بشكل أساسي على الدفاع عن الأراضي الأمريكية؛ حيث إن التهديدات البارزة للولايات المتحدة منذ أحداث سبتمبر جاءت من أشخاص يعيشون في الداخل بالأساس.

3- إعطاء الأولوية لحماية الأمريكيين من الإرهاب: بالغت الولايات المتحدة في تقييم التهديد الإرهابي الخارجي، واحتمالات أن تتعرض الأراضي الأمريكية لهجمات مماثلة لأحداث 11 سبتمبر، مما أدى إلى حملة عالمية لمكافحة الإرهاب لا علاقة لها بحماية الأمريكيين من الهجمات الإرهابية. ولكن العميات العسكرية الأمريكية في الخارج جعلت الأمريكيين أقل أمنًا. وبدلًا من ذلك ستركز الولايات المتحدة على تعزيز جهود الأمن الداخلي المستمرة لمجابهة الإرهاب والتي تعتمد على وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات.

4- توجيه مخصصات الحرب للتحديث الداخلي: أشارت العديد من التقديرات إلى ارتفاع تكلفة الحرب الأمريكية العالمية على الإرهاب، وفي المقابل فإن فوائدها على المواطن الأمريكي كانت أقل. ولهذا تزايد الحديث عن توجيه المخصصات المالية للعمليات العسكرية في الخارج لمجابهة الإرهاب إلى تحسينات ومشاريع وبرامج فيدرالية تهدف إلى إنقاذ آلاف الأمريكيين. ناهيك عن إمكانية تحقيق طفرات في أمن وسلامة الأمريكيين بتكلفة أقل بكثير من التي أنفقتها واشنطن على الحروب طويلة الأجل لحماية الأمريكيين من الإرهاب الخارجي.

5- تراجع الربط بين الحرب على الإرهاب وبناء الدول: أظهرت إخفاقات الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حدود الدور الأمريكي في بناء الدول، واستخدام القوة العسكرية في نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك إخفاق الفرضية الأمريكية التي على أساسها خاضت واشنطن حروبها الخارجية، ومفادها أن تراجع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان تُساعد في تفريخ الإرهاب، حيث شهدت دول ديمقراطية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، صعودًا لتنظيمات متطرفة وعنيفة، نفذت عمليات إرهابية خلال العقدين الماضيين، ويفوق ضحاياها أحداث سبتمبر الإرهابية.

وقد ساهم التدخل العسكري الأمريكي في الخارج، واستخدام القوة في بناء الدول، في توليد أزمات وصراعات وحروب أهلية مشتعلة حتى وقتنا هذا، وتحويل الدول من تلك المسيطرة على حدودها إلى دول فاشلة لا تستطيع إحكام قبضتها على أراضيها وحدودها، وتحويلها إلى ملاذات آمنة للتنظيمات الإرهابية، وخلق الظروف التي تؤدي إلى الإرهاب بدلًا من تقليصه، ناهيك عن زيادة المشاعر المعادية للولايات المتحدة بتلك الدول.

6- تبني استراتيجية “كسب العقول والقلوب”: ركزت الاستراتيجية الأمريكية خلال العقدين الماضيين على قتل الإرهابيين، بينما يعتقد كثيرون أن أسباب الإرهاب ضد الولايات المتحدة الأمريكية تكمُن في الأسس الأيديولوجية المعادية للولايات المتحدة وكراهية قيمها أو الرغبة في تدميرها، ولذلك هناك اتجاه يدعو لأن تركز الاستراتيجية الأمريكية في المدى الطويل على معركة القلوب والعقول من أجل القضاء على المعتقدات السلبية حول واشنطن.

7- زيادة الاعتماد على الشركاء المحليين: في ظل الاستراتيجية الأمريكية لإعادة انتشار قواتها حول العالم لمواجهة التحدي الروسي والصيني، ولا سيما مع رؤية وزارة الدفاع الأمريكية في وثائقها أنها نجحت في هزيمة التنظيمات الإرهابية بمنطقة الشرق الأوسط؛ فإن استراتيجيتها لمحاربة الإرهاب ستعتمد على الحلفاء، بحيث يكون لهم الدور الرئيسي في شن العمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية على الأرض، مع تقديم العسكريين الأمريكيين المشورة لهم والمعلومات الاستخباراتية، بالإضافة إلى إمداد واشنطن حلفاءها بالأسلحة الأمريكية التي تساعدهم في حربهم ضد التنظيمات الإرهابية.

في الختام، ستدفع إخفاقات السياسات الأمريكية على مدار عقدين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى تحولات في استراتيجية الولايات المتحدة لمجابهة الإرهاب العالمي، في وقتٍ تراجعت فيه قضية الإرهاب من على أجندة صانع القرار في واشنطن لصالح تهديدات وتحديات دولية أكثر أهمية للمصالح والأمن القومي الأمريكي، وإعادة تركيز الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الداخل الأمريكي، وخاصةً مع التحولات الجيلية والديمغرافية، واهتمامات الناخب الأمريكي الذي أضحى أكثر اهتمامًا بقضاياه الداخلية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%a7%d8%ae%d9%84-%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%8b%d8%a7/