الذكرى الـ 20:

الاتجاهات الصاعدة في أنشطة التنظيمات الإرهابية بعد عقدين من 11 سبتمبر
الذكرى الـ 20:
7 سبتمبر، 2021

بعد مرور نحو عشرين عامًا على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما أعقبها من حملة عالمية على الإرهاب قادتها الولايات المتحدة، يبدو المشهد الإرهابي أكثر تعقيدًا. صحيح أن الولايات المتحدة وحلفاءها تمكنوا عبر عقدين من الزمن من إلحاق الخسائر بالتنظيمات الإرهابية، وإفقادها عددًا من قياداتها المؤثرة على غرار “أسامة بن لادن” و”أبو بكر البغدادي”؛ بيد أن هذه الخسائر لم تؤدِّ إلى انتهاء تهديد التنظيمات الإرهابية بالكلية، ولكنها استمرت ولا سيما مع لجوء التنظيمات إلى التكيف مع الواقع المتغير، وابتكار آليات جديدة لتعزيز حضورها، واستغلال هيكل الفرص المتاحة لها.

ولعلّ هذا ما يتضح من الاستراتيجية التي اتّبعها تنظيم داعش بعد انتهاء دولته المزعومة بسقوط الباغوز في سوريا (مارس 2019)، والإعلان بعد ذلك عن مقتل زعيم التنظيم “أبو بكر البغدادي” في أكتوبر 2019، حيث لم يختفِ التنظيم، ولكنه تبنى آلية الحراك الجغرافي بحثًا عن مناطق أخرى لتعزيز نفوذه.

أضف إلى ذلك طبيعة التكنولوجيا الحديثة وشبكة الإنترنت، التي لم تكن متاحة بصورة واسعة عشية هجمات 11 سبتمبر، والتي سمحت للتنظيمات الإرهابية بإنتاج حضور جديد لها، وخلق أنماط من الولاءات والأتباع الجدد لها، ولا سيما مع تحول التنظيمات الإرهابية العالمية (مثل: القاعدة، وداعش) إلى علامة تجارية أو “براند” يبحث عن وكلاء له. وعليه، أصبحت هذه التنظيمات تحظى بشبكة من المؤيدين والمنتمين محليًا لها، والذين هم على استعداد لتنفيذ أهداف التنظيم دون أن يتم تجنيدهم بالطرق التقليدية لتجنيد العناصر الإرهابية.

محفّزات استمرار الإرهاب

ارتبطت أنشطة التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الماضية بعددٍ من المحفزات الرئيسية التي ساعدت هذه التنظيمات في الاستمرار، والتوسع في مناطق مختلفة. وتتلخص هذه المحفزات فيما يلي:

1- تفاقم أزمات بعض الدول المركزية: تجلّت هذه الأزمات في مناطق عديدة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط ودول إفريقيا جنوب الصحراء، حيث كان للحضور المتعاظم لظاهرة الدولة الفاشلة تأثير إيجابي على أنشطة التنظيمات الإرهابية، فقد قدمت لها فرصًا مواتية لعدة اعتبارات أهمها: تراجع قدرة الدولة على إنفاذ القانون واحتكار العنف، حيث ينازعها في وظائفها فاعلون كثر، وخاصة مع ظهور ما يُعرف “بمناطق خارج سيطرة الدولة” stateless areas، والتي تعطي للتنظيمات الإرهابية إمكانية أكبر لتؤسس نمطًا مستقلًا من السلطة بعيدًا عن الدولة، علاوة على تزايد معدلات العنف والسخط داخل تلك الدول، بصورة توفر للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود مخزونًا بشريًا يمكن الاعتماد عليه لتدعيم القوة البشرية للتنظيم.

2- إثارة سؤال الهوية ومعضلة الطائفية: تستند التنظيمات الإرهابية الدينية إلى أيديولوجيا محددة تستصحب مكانة مركزية لفكرة الهوية، وبالتالي تطرح نفسها كبديل عنيف يعبر عن خيار هوياتي في خضم جدل الهويات غير المحسوم في المجتمعات، فتلك التنظيمات تقوم بالأساس على فكرة العداء للدولة الوطنية، على اعتبار أن تأسيس هذه الدولة -وفقًا لاعتقادهم- كان نتاجًا لتجربة غربية علمانية خالصة لا تتوافق بالضرورة مع النصوص الدينية، بالإضافة إلى اعتماد هذه الدولة الوطنية على القوانين الوضعية وعدم الاحتكام للشريعة وفقًا لمزاعم تلك التنظيمات المتطرفة.

وبالتوازي مع استثمار التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود لأزمة الهوية، كانت معضلة الطائفية تمثل هي الأخرى دافعًا لتوسيع شبكات الإرهاب العابر للحدود؛ فقد وظفت التنظيمات الإرهابية الصراعات الطائفية الدائرة في المنطقة -وخاصة بين السنة والشيعة- للتأسيس لخطاب يلقى ترحيبًا لدى البعض، ويدفعهم للانضمام إلى هذه التنظيمات. وقد بدت سوريا النموذج الأهم في هذا السياق، حيث إن تدخل “حزب الله” وإيران المعلن في الصراع السوري، استدعى خطابًا سنيًا يدعو للجهاد داخل سوريا. ومع تدفّق المقاتلين على سوريا كانت التنظيمات الإرهابية تجد رصيدًا بشريًا يمكن الاستناد إليه في تكوين شبكاتها الخاصة.

3- انتشار مفردات “القتال الأممي” و”البيعة”: وكلا المصطلحين يشغلان مساحة هامة في أدبيات التنظيمات الإرهابية العالمية، ولا سيما تلك التي نشأت في منطقة الشرق الأوسط، حيث وجد خطاب الأممية المتجاوز لحدود الدول إرهاصاته الأولى في تنظيم القاعدة، حينما أطلق زعيم التنظيم السابق “أسامة بن لادن” دعوته الشهيرة في عقد التسعينيات من القرن الماضي للجهاد والقتال الأممي وضرورة التحاق المسلمين بهذا القتال. وعبر هذه الدعوة حفز “بن لادن” المنظومة الإرهابية العابرة للحدود، وأعطاها التأصيل الأيديولوجي المطلوب، لتصبح الصراعات المحلية جزءًا من صراع ونضال عولمي ضد “الردة والكفر”.

وقدم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” نموذجًا رئيسيًا آخر للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، والتي تستند إلى إطار أيديولوجي قائم على مصطلح “البيعة”، كمصطلح جوهري في التاريخ الإسلامي، ويستدعي في مخيلة الكثير من الإسلاميين حالة مثالية للدولة الإسلامية العابرة للحدود. فقد ارتبط ظهور تنظيم داعش في العراق وسوريا بطرح فكرة “الخلافة الإسلامية”، والتي تعني حتمية مبايعة المسلمين لها والولاء لقائدها السابق “أبو بكر البغدادي”. وعطفًا على ما سبق، استقطب التنظيم عناصر بشرية كثيرة، فضلًا عن إعلان تنظيمات مختلفة مبايعتها لقيادة التنظيم.

4- توظيف “الإعلام غير التقليدي” لتوصيل الرسائل الإرهابية: إذ إن الإرهاب بطبيعته يعول كثيرًا على الجانب الدعائي في توصيل رسالته والترسيخ لصورة نمطية خاصة به، ناهيك عن استقطاب المزيد من الداعمين له. وتأسيسًا على هذه الرؤية، أمست وسائل الإعلام الحديثة، مثل شبكات التواصل الاجتماعي واليوتيوب بل وحتى “جوجل إيرث”، أدوات هامة في أيدي التنظيمات الإرهابية، كتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، تتيح لها التخطيط والقيادة والسيطرة والاتصال بين جماعات منتشرة في مناطق مختلفة، والحصول على الدعم المادي والبشري، فضلًا عن محاولة نزع الغطاء الأخلاقي عن خصومها، وكسب التعاطف.

وذلك بالتوازي مع خلق حالةٍ من الفوضى والخوف من خلال نشر فيديوهات توثق العمليات التي يقوم بها التنظيم، على غرار ما يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية، وبثه فيديوهات خاصة بعملياته، كان من أشهرها فيديو حرق الطيار الأردني “معاذ الكساسبة”.

خريطة الاتجاهات المتوقّعة

يُسيطر على مشهد الإرهاب العالمي، في الوقت الراهن، وخصوصًا بعد ظهور تنظيم داعش على الساحة، عدد من الاتجاهات الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- توسُّع الانتشار في المناطق الجغرافية: عملت التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الماضية على توسيع دوائر أنشطتها، وتجنب التركز في مناطق بعينها، وهو أمر يختلف كثيرًا عن وضع التنظيمات إبان هجمات 11 سبتمبر 2001. ففي الوقت الراهن، لا تزال منطقة الشرق الأوسط واحدة من المناطق الهامة بالنسبة للتنظيمات الإرهابية وذلك بالرغم من الضغوط التي تعرضت لها هذه التنظيمات في السنوات الأخيرة.

وبموازاة ذلك، باتت فكرة الحراك الجغرافي مسيطرة بشكل كبير على تفكير التنظيمات الإرهابية، حيث سعى كل من القاعدة وداعش إلى الانتقال بعيدًا عن مناطق الصراعات التقليدية، على غرار الشرق الأوسط، والبحث عن مواطئ قدم جديدة تمنح التنظيم حيزًا أكبر للحركة. وهكذا راهن التنظيمان على التنظيمات الإقليمية والولايات التابعة لهما في إفريقيا جنوب الصحراء وآسيا كمناطق تحظى بالزخم الإرهابي.

وظهر ذلك التوجه مثلًا في دعاية تنظيم داعش التي تطالب المقاتلين بالهجرة إلى الولايات الأخرى، ناهيك عن الدفع نحو التوسع في العمليات داخل الدول الغربية، وهو ما ظهر في التسجيل الصوتي لزعيم التنظيم السابق “البغدادي”، في أغسطس 2018، حينما طالب أتباعه بتنفيذ هجمات ذئاب منفردة في الدول الغربية، واعتبار أن “الهجوم الواحد في الغرب يعادل ألف هجوم في العراق أو سوريا”.

2- تطور المنظومة التسليحية والقتالية: يمثل الابتكار آلية هامة بالنسبة للتنظيمات الإرهابية لحل المشكلات ومواجهة الإخفاقات التي تتعرض لها تلك التنظيمات. ومن هذا المنطلق، حاولت التنظيمات الإرهابية على مدار السنوات الماضية تطوير أسلحتها بهدف تعزيز قدرتها على تنفيذ هجمات إرهابية أكثر تأثيرًا، ولعل هذا ما كشفت عنه تجربة تنظيم داعش، إذ تمكن التنظيم من استخدام طائرات بدون طيار مفخخة في تنفيذ بعض الهجمات على غرار الهجوم الذي استهدف مجموعة من القوات التركية التي تنتشر في شمال سوريا في نهاية شهر سبتمبر 2016، كما قام التنظيم باغتيال بعض مقاتلي البيشمركة الأكراد في العراق شهر أكتوبر 2016.

ومثل هذه الهجمات تدلل على قدرة التنظيمات الإرهابية على الابتكار وتطوير أدوات الهجوم الخاصة بها في السنوات القادمة، ولعل هذا ما يدفع العديد من أجهزة الاستخبارات الغربية إلى التخوف من امتلاك التنظيمات الإرهابية أسلحة الدمار الشامل (المواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية) واستخدامها في المستقبل.

3- الاعتماد المتزايد على شبكة الإنترنت: تزايد اعتماد التنظيمات الإرهابية على شبكة الإنترنت، وهو اتجاه يرجح استمراره في السنوات القادمة، وذلك في ضوء ما تقدمه الشبكة للتنظيمات من مزايا عديدة. إذ تفترض الأدبيات أن الساحة العملياتية The operational arena تمثل الساحة الأهم لأنشطة التنظيمات الإرهابية داخل الفضاء السيبراني؛ إذ تستخدم هذه التنظيمات شبكة الإنترنت للقيام بمهام الدعاية لأفكارها والاتصالات بين أعضائها والحرب النفسية والتجنيد والتدريب لعناصرها، فضلًا عن جمع المعلومات، والمساهمة في عمليات تمويل التنظيم، وتعزيز سمعة التنظيم، وخلق هوية مميزة له تكون لها صفة التشاركية بين أفراده.

لقد عززت شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الحديثة -بشكل عام- كفاءة التنظيمات الإرهابية في القيام بمهامها، أو ما تطلق عليه الأدبيات “التعلم التنظيمي” organizational learning الذي يعبر عن عملية يحصل من خلالها التنظيم على معرفة أو تقنية جديدة تستخدم لاتخاذ قرارات استراتيجية أفضل، وزيادة فرص التنظيم في تنفيذ عمليات ناجحة، وهذه المعارف والتقنيات الجديدة تُختزن ويتم تناقلها بين أعضاء التنظيم من أجل خلق نوع من الذاكرة التنظيمية organizational memory كذاكرة كلية للتنظيم تمكنه من استخدام القدرات الفردية لأعضائه لتحقيق أهداف المجموعة بشكل مجمل.

4- التحول إلى التنظيمات الشبكية: يرتبط ذلك بانعكاسات العولمة وانتشار شبكة الإنترنت، والتي ساهمت في إحداث تحولات جوهرية في بنية التنظيمات الإرهابية، ولا سيما مع الإشكاليات التي صارت تواجهها البنية الهرمية التقليدية للتنظيمات، وهي الإشكاليات التي تناولها عدد من منظّري الحركات الإرهابية المعاصرة وفي مقدمتهم “أبو مصعب السوري”. ففي كتابه المعنون “دعوة المقاومة الإسلامية العالمية”، يشير “السوري” إلى أنه “بالرغم من بعض المزايا الناتجة عن البناء الهرمي للتنظيمات، حيث يتمتع هذا البناء بصفة القوة في الإحكام والسيطرة؛ إلا أن مثل هذا البناء يتسم بالضعف الأمني، وبعدم صموده تجاه المواجهات الأمنية الاستخباراتية”، وانتهج السوري نهجًا أكثر مرونة في التعاطي مع البنية التنظيمية، ووصف طريقة عمل التنظيم بأنه “نظام عمل وليس تنظيمًا للعمل، ونظام لا تنظيم”.

وخلقت الضغوط التي تعرضت لها التنظيمات الإرهابية بعد 11 سبتمبر 2011، بالإضافة إلى العولمة وإدخال شبكة الإنترنت في مسارات عمل التنظيمات الإرهابية، سياقات محفزة لتحول هذه التنظيمات إلى تنظيمات شبكية تتسق -بشكل أو بآخر- مع أطروحات العولمة التي تُعبر عن نمو شبكات الترابط العالمية، ناهيك عن الاعتقاد بأن شبكة الإنترنت جعلت العالم مستويًا وأفقيًا.

ومن هذا المنطلق، فإن فكرة التنظيم الشبكي تعطى هيكلًا أقل هيراركية وأكثر أفقية مقارنة بالهياكل التقليدية، ليمنح التنظيم مرونة أكبر وقدرة على التكيف مع بيئات مضطربة بطبيعتها، فضلًا عما يؤكد عليه المنظور الشبكي من حساسية الترابط sensitivity interdependence، والتي تعني أن أعضاء الشبكة تصبح لديهم حساسية تجاه الأفعال والإجراءات التي تطال أحد أعضاء الشبكة الإرهابية.

5- درجة عالية من السيولة واللا مركزية: وبزوغ ما يُعرف بـالشراكة الافتراضية virtual partnership، حيث تظهر العناصر الراديكالية داخل الدول وتستقي أفكارها وتوجهاتها من التنظيمات الإرهابية (وخاصة القاعدة وداعش)، وذلك من خلال الاعتماد على المواد الفكرية، والتسجيلات الصوتية، والفيديوهات الخاصة بتلك التنظيمات، والمنتشرة على شبكة الإنترنت. وعبر هذا المسار، ينشأ نمط من التحالفات الأيديولوجية الافتراضية دون أن تكون هناك أي صلات تنظيمية رسمية في الواقع.

علاوة على ذلك، فقد انتشرت ظواهر من قبيل “الإرهاب العائلي” القائم على مجموعات عائلية تنفذ الهجمات الإرهابية، وكذلك ظاهرة “الإرهاب بلا قيادة” leaderless terrorism التي اتخذت أشكال الخلايا الصغيرة محدودة العدد، والذئاب المنفردة التي تعتمد على فكرة الشراكة الافتراضية لاكتساب المعرفة الخاصة بالتخطيط لعمليات الإرهابية دون الانتماء لتنظيم ما.

وتستدعي هذه السيولة ما يصفه البعض بـ”إرهاب التجزئة” terrorism of retail actions الذي يتم تنفيذه من خلال أفراد ومجموعات صغيرة لاستهداف أي مكان متاح داخل الدولة، وذلك باستخدام أدوات وآليات متنوعة تبدأ بأرخص الأسلحة كالأسلحة الحادة، وتنتهي بأكثر الأسلحة والأدوات تعقيدًا وتدميرًا.

6- تنامي الصراع بين “داعش” و”القاعدة”: وهو اتجاه رئيسي في أنشطة التنظيمات الإرهابية في الوقت الراهن. فعقب صعود تنظيم داعش في سوريا والعراق، احتدم التنافس بين التنظيمين، خاصةً أن تنظيم داعش قدم نموذجًا جديدًا لحركة جهادية تتوسع على الأرض بوتيرة متسارعة، وفي الوقت ذاته تفرض ضغوطًا على تنظيم القاعدة. وهذا التنافس يدفع التنظيمين إلى المزيد من العنف للحصول على الشرعية والتمايز، وبالتالي ضمان الحصول على المزيد من الموارد البشرية والمادية، التي تكفل للتنظيم درجة كبيرة من الاستقلالية، وبالتبعية الحفاظ على البقاء والاستمرارية.

صحيح أن بعض المناطق حاولت تقديم نموذج للتعايش بين التنظيمين؛ إلا أن هذه المحاولات لم تستمر كثيرًا، ولعلّ النموذج الأبرز على ذلك منطقة الساحل الإفريقي، حيث أفضى ظهور تنظيم داعش في المنطقة إلى خلق نوع من التنافس بينه وبين تنظيم القاعدة، الذي يحظى بنفوذ تاريخي بالمنطقة، على المناطق والموارد، وهو ما دفع كل تنظيم إلى تعزيز نشاطه لإثبات وجوده وتوسيع شبكته المتجاوزة للحدود حتى لا يخصم التنظيم المنافس من نفوذه.

ومع ذلك فقد كانت هناك مؤشرات على التعايش بين التنظيمين؛ فالعديد من التقارير أشارت إلى أن ثمة لقاءات واجتماعات جرت بين قادة تنظيمي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية للقاعدة، والدولة الإسلامية في غرب إفريقيا منذ أواخر عام 2017، وهي الاجتماعات التي ارتبطت بالتنسيق العملياتي، وتحديد مساحات النفوذ الخاصة بكل تنظيم. كما أشارت بعض التقارير إلى قيام التنظيمين بتنسيق بعض العمليات فيما بينهما من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية أو المساعدة اللوجستية. ومن الأمثلة الجيدة على ذلك، الهجمات التي استهدفت مواقع عسكرية في كوتوجو ببوركينافاسو في أغسطس 2019.

ولكنّ هذا التفاهم لم يمنع من حدوث صراعات بين التنظيمين، حيث ظهرت مؤشرات حول الصراع الحاد بينهما منذ منتصف عام 2019 مع وقوع اشتباكات صغيرة النطاق بين عناصر التنظيمين، وهو ما أفضى إلى عقد اجتماع أزمة بين قادة التنظيمين في سبتمبر 2019، وكان الهدف من هذا الاجتماع ترسيم الحدود الإقليمية، وتوضيح المساحات المحظورة بين التنظيمين. لكن يبدو أن الاجتماع لم يتوصل إلى اتفاق، مما أدى إلى زيادة التوترات. وبحسب بعض التقديرات، الصادرة في شهر سبتمبر 2020، فقد لقي ما لا يقل عن 300 مقاتل من التنظيمين مصرعهم في الصراع المتبادل بينهما منذ يوليو 2019.

إجمالًا، مع اقتراب الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، يبدو أن التنظيمات الإرهابية لديها الكثير من المحفزات التي تكفل استمرارها، وتعود تلك المحفزات إلى أسباب خاصة بتلك التنظيمات الإرهابية وطبيعة تكوينها، وأخرى خاصة بالدول والمؤسسات الضعيفة، بالإضافة إلى محفزات خاصة بالبيئة والحواضن الشعبية، فضلًا عن توظيف الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعلومات لتجنيد الأتباع والعمل الإرهابي. وكل هذا يفرض على الدول ضرورة تبني استراتيجية شاملة لمواجهة تلك التنظيمات.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%80-20/