الردع المحدود:

لماذا تهدد روسيا باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية في أوكرانيا؟
الردع المحدود:
26 أبريل، 2022

منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، شرع المسؤولون الروس في التهديد باستخدام السلاح النووي في أكثر من مناسبة، ففي السابع والعشرين من شهر فبراير الماضي، ضجّت المنابر الإعلامية بأخبار تفيد بتوجيه الرئيس “بوتين” بوضع الأسلحة النووية الروسية في حالة تأهب قصوى. ولم تتوقف التهديدات عند هذا الحد، ففي شهر مارس الماضي، رفض المتحدث باسم الكرملين “دميتري بيسكوف”، في تصريحات لشبكة “سي إن إن” يوم 22 مارس 2022، استبعاد استخدام الأسلحة النووية، قائلاً إنه يمكن استخدامها إذا واجهت البلاد “تهديداً وجودياً”. كما أشار “دميتري ميدفيديف”، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق، في منشور عبر تطبيق تليجرام يوم 14 إبريل الجاري، إلى إمكانية قيام روسيا بنشر سفن مسلحة بصواريخ إسكندر وأسلحة فرط صوتية وأسلحة نووية في المنطقة وذلك في حال انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو.

وعلى الرغم من استبعاد العديد من الخبراء الاستراتيجيين، كسر روسيا التقاليد الدولية المستمرة منذ نحو 76 عاماً، والمتمثلة في عدم استخدام الأسلحة النووية في الحروب، لقدرتها التدميرية الخارقة؛ فإنهم يؤكدون أن محلّ الخطر الحقيقي يكمن في الأسلحة النووية التكتيكية الروسية قصيرة المدى، والتي قد تشكل خياراً متاحاً أمام موسكو لإدارة عمليتها العسكرية في أوكرانيا.

محفّزات رئيسية

صحيح أنّ الدول وضعت خلال العقود الماضية ضوابط لاستخدام الأسلحة النووية، غير أنّ الصراعات التي اندلعت في السنوات الأخيرة، وكان آخرها الصراع الأوكراني، أفضت إلى تجديد الحديث عن إمكانية استخدام الأسلحة النووية التكتيكية، ولا سيما مع التصريحات الصادرة عن موسكو بأن استخدام هذه الأسلحة وارد في حال شعرت روسيا بتعرضها لتهديد وجودي. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى عدد من المحفزات الرئيسية للتهديد باستخدام الأسلحة النووية، وذلك على النحو التالي:

1عدم خضوع الأسلحة التكتيكية لمعاهدة ستارت: فقد استثمرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقاً بكثافة في الأسلحة التكتيكية خلال الحرب الباردة. ومع سقوط الاتحاد السوفيتي، قامت كل من واشنطن وموسكو من جانب واحد بتقليص تطوير برامجهما النووية، كما دخلت الدولتان في مفاوضات للحد من انتشار الأسلحة النووية. وانتهت هذه الجهود بتوقيع كلٍّ من الرئيس الأمريكي الأسبق “أوباما”، ونظيره الروسي حينها “دميتري ميدفيديف”، على معاهدة “ستارت الجديدة” في عام 2010 للحد من التسلح النووي. وقد اتفق الطرفان أيضاً على استمرار العمل بهذه الاتفاقية عقب انقضائها في مارس 2021، إلا أن المثير للاهتمام أن الأسلحة النووية التكتيكية لا تحكمها هذه المعاهدة، ولا أي اتفاق دولي آخر.

2استراتيجية التصعيد من أجل التهدئة: خلال أواخر التسعينيات، ومع مواجهة روسيا العديد من الأزمات الاقتصادية، التي تركت الجيش الروسي في حالة يُرثى لها، وتصاعد مطالب الانفصاليين في الشيشان؛ أعاد القادة الروس التركيز على تطوير أنواع جديدة من التكنولوجيا العسكرية النووية. ففي عام 1999، قال الرئيس الروسي “بوتين”، الذي كان في ذلك الوقت رئيساً لمجلس الأمن في الكرملين، إنه بعد اجتماعه مع الرئيس الروسي آنذاك “بوريس يلتسين”، تم الاتفاق على تطوير واستخدام أسلحة نووية غير تقليدية، تُعرف بالأسلحة النووية التكتيكية.

ويرى المحللون الغربيون أنه خلال السنوات الأخيرة، ابتكر “بوتين” استراتيجية جديدة تُعرف باسم «التصعيد من أجل التهدئة». وهي استراتيجية تقوم على التهديد باستخدام الأسلحة النووية غير الاستراتيجية لإكراه جيرانها أو ترهيبهم، أو للفوز في الحروب المستعصية على موسكو، مع عدم الحاجة لاستنفاد جميع الخيارات التي تمتلكها الترسانة النووية العسكرية الروسية.

3القدرات النووية التكتيكية الروسية: نشر “اتحاد العلماء الأمريكيين (FAS)” و”مجلة علماء الذرة” الأمريكية، تقريراً خلال شهر فبراير الفائت، أكد على امتلاك روسيا ما يقرب من 4477 رأساً نووية في المجموع. ومن بين هذه الرؤوس النووية قُرابة ألفين من الرؤوس النووية قصيرة المدى، تُعرف باسم “الأسلحة النووية التكتيكية Tactical Nukes”، وهي عبارة عن أسلحة نووية صغيرة الحجم، مصممة بصورة أساسية للاستخدام في المعارك ضد القوات العسكرية أو الدبابات أو المنشآت العسكرية الخفية التي يصعب التعامل معها بالاعتماد على أسلحة الحرب التقليدية. ويتم إطلاق هذه الرؤوس النووية بالاعتماد على صواريخ قصيرة المدى، على غرار تلك التي تستخدمها روسيا في الوقت الحالي لقصف أوكرانيا، خاصة الصواريخ من فئة “إسكندر-إم”.

4التوظيف في ساحة المعركة: بجانب الاختلاف الكبير بين الأسلحة النووية التقليدية والتكتيكية، من حيث الحجم والقدرة على التدمير، ونظيرتها التكتيكية؛ فإنه يوجد أيضاً تمايز بين السلاحين في طريقة الاستخدام والإطلاق بميادين المعركة. ويتم تصميم السلاح النووي التقليدي للضرب بقوة مدمرة، كجزء من استراتيجية كبيرة خلال الحرب؛ لكنّ الأسلحة النووية التكتيكية، من الناحية النظرية على الأقل، مصممة لاستخدامها كجزء من خطة ساحة المعركة لتنفيذ أهداف محددة وبقوة تدميرية أقل من الأسلحة النووية التقليدية. وعلى الرغم من ذلك، فإن العديد من الخبراء يرفضون الجزم والإقرار بوجود تمايز واضح بين الأسلحة النووية التكتيكية والاستراتيجية التقليدية، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه حتى القنابل النووية التكتيكية الصغيرة يمكن أن تنبعث منها إشعاعات هائلة ستؤدي إلى خسائر بشرية ومادية مهولة.

وفي هذا السياق، تُشير بعض التقارير إلى أن موسكو قد تلجأ إلى الأسلحة التكتيكية في أوكرانيا بهدف تدمير الهياكل أو المخابئ تحت الأرض العصية على الجيش الروسي. هذا بالإضافة إلى إرهاب القوات الأوكرانية التي ترفض التخلي عن مواقعها في عدد من المدن الأوكرانية، خاصة تلك المتواجدة في الشرق والجنوب الروسي، لتأكيد التفوق الاستراتيجي والعسكري.

5– تراجع الدعم الأمريكي للأسلحة النووية التكتيكية: ففي الوقت الذي تتصاعد فيه احتمالية استخدام روسيا للسلاح النووي التكتيكي، تقدمت الإدارة الأمريكية باقتراح لميزانية البنتاجون خلال العام القادم، والتي تلغي الدعم المالي اللازم لتطوير صواريخ كروز النووية التي تطلق من البحر والغواصات النووية. وتعتبر هذه الصواريخ أحد أبرز الأسلحة النووية التكتيكية التي تمتلكها الولايات المتحدة، والتي تلعب أيضاً دور الموازن لما يصل إلى 2000 سلاح نووي تكتيكي لروسيا. ويرى المنتقدون أن إلغاء الدعم المالي اللازم لتطوير هذه الأسلحة، هو بمثابة صفعة قاسية للقدرات النووية الأمريكية، ستساهم في تعزيز التفوق النوعي الروسي في هذه الساحة، وستعزز من خطر إقدام “بوتين” على استخدام هذه التكنولوجيا المتطورة في معارك أخرى، لا تقتصر على الداخل الأوكراني، وإنما يمكن أن تمتد لتطال الدول المجاورة لأوكرانيا والأعضاء في حلف الناتو.

السيناريو المقيد

بالرغم من محفزات استخدام الأسلحة النووية التكتيكية في الصراع الأوكراني، فإن هذا السيناريو يظل مقيداً بعدد من العوامل الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1القدرة التدميرية الكبيرة: لا يمكن إغفال أن القدرة التدميرية للأسلحة النووية التكتيكية قد تشكل قيداً على استخدام موسكو لهذه الأسلحة، وتجعلها تفكر كثيراً قبل اتخاذ مثل هذا القرار. صحيح أنه من الممكن تقليل كمية الطاقة النووية المتفجرة في هذه الأسلحة “Dial-A-Yield”، لتتراوح ما بين 0.3 أو 1.5 أو 10 أو 50 كيلوطن من الطاقة المتفجرة. بيد أنه بالمقارنة بالأسلحة العسكرية التقليدية، فإنها تظل أسلحة عالية التدمير، سينتج عنها سحب هوائية مسممة بالإشعاع النووي “سُحُب عيش الغراب (المشروم)”، وكرات نار ملتهبة تقضي على الأخضر واليابس في منطقة الهجوم وما وراءها.

2– رد الفعل الغربي: سيظل التخوف من رد الفعل الغربي عاملاً مهماً في حسابات روسيا إذا قررت استخدام الأسلحة النووية التكتيكية، حيث يمتلك الناتو حالياً قوات في المناطق المتاخمة لأوكرانيا يتجاوز عددها حجم القوات الروسية المشاركة في العمليات العسكرية بأوكرانيا. كما يؤكد الخبراء أن قوات الناتو هي أكثر تجهيزاً وتدريباً من الجيش الروسي، ناهيك عن الدعم العسكري والتكتيكي الكبير الذي تقدمه الدول الغربية للقوات الأوكرانية، وهو ما يفسر استمرار صمودها أمام الترسانة الروسية حتى هذه اللحظة. إلا أن استخدام روسيا للأسلحة النووية التكتيكية قد يقلب من جميع موازين هذه المعادلة، بيد أن الكثير من جنرالات الحرب والخبراء العسكريين الأمريكيين يؤكدون أن انخراط الناتو بصورة مباشرة في الحرب حتى في ظل هذا السيناريو، يظل أمراً مستبعداً. ويقتصر خيار الناتو في هذه الحالة على تزويد أوكرانيا بالمزيد من الأسلحة، هذا بالإضافة إلى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على صنّاع القرار في موسكو.

3– مسار العملية العسكرية الروسية: حيث ترتبط احتمالية استخدام موسكو الأسلحة النووية التكتيكية بمسار العملية العسكرية، وقدرة روسيا على تحقيق أهدافها، ويبدو أن موسكو نجحت في تحقيق بعض أهدافها في العملية العسكرية، وخصوصاً بعد الإعلان عن بداية المرحلة الثانية من العملية العسكرية في شرق أوكرانيا ونجاحها في السيطرة على مدينة ماريوبول الاستراتيجية، وهو الأمر الذي يعني أن موسكو قادرة على تحقيق أهدافها باستخدام الأسلحة التقليدية، دون اللجوء إلى الأسلحة النووية. ولكن مع ذلك، فإن تعثر موسكو في تحقيق باقي مخططها في أوكرانيا خلال الفترة القادمة قد يدفعها في نهاية المطاف إلى التفكير في استخدام الأسلحة النووية التكتيكية.

ختاماً، فإنه بقدر ما يُشكل استخدام الأسلحة النووية التكتيكية سيناريو معقداً في خضم الصراع الأوكراني لما لذلك من تداعيات كارثية تعيد إلى الأذهان -ولو على مستوى أقل- ما جرى لليابان في الحرب العالمية الثانية؛ إلا أن هذا السيناريو يظل قائماً وغير مستبعد، وربما تلجأ إليه روسيا في حال مواجهة جيشها هزيمة هائلة، قد تهدد قدرته على الدفاع عن البلاد، أو إذا تصاعد التهديد المباشر للنظام الحاكم في موسكو.


https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%af%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af/