الرمزية التاريخية:

هل يتمكن "بوتين" من إنهاء الحرب يوم 9 مايو؟
الرمزية التاريخية:
18 أبريل، 2022

بعد مرور أكثر من شهر على انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا دخلت الحرب مرحلةً أكثر تعقيداً؛ ففي الوقت الذي يواصل فيه الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” حملته الدؤوبة لحشد الدعم الدولي وشحذ همم مواطنيه وقواته لمواجهة الحملة العسكرية الروسية، مؤكداً أن الأيام القليلة المقبلة ستكون مهمة وصعبة؛ حيث ستكون روسيا أكثر خوفاً من الخسارة؛ يبدو أن موسكو تحاول استخدام الإرث التاريخي للاتحاد السوفييتي أداةً في الصراع؛ إذ تشير العديد من التقارير إلى استعداد القوات الروسية لشن هجوم شامل، وتكثيف قصفها وجهودها العسكرية، بالتوازي مع رغبة موسكو في إعلان الانتصار في الحرب الأوكرانية في احتفالات عيد النصر الموافق 9 مايو المقبل.

عيد النصر

أوضحت العديد من التقارير الاستخبارية وتصريحات بعض المسؤولين السياسيين والعسكريين الغربيين أن روسيا تستهدف إنهاء عمليتها العسكرية الجارية في أوكرانيا يوم 9 مايو المقبل، وهو الموعد الذي يكتسب دلالة تاريخية وعسكرية وسياسية رمزية بالنسبة إلى الروس؛ إذ يحرص الرئيس الروسي على استغلالها وتوظيفها في الحرب التي تشير العديد من التقارير إلى أن القوات الروسية تواجه فيها مأزقاً أو تورطاً استراتيجياً غير هين. وقالت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية: “حسب المعلومات المتاحة، فإن أعمال الدعاية بين أفراد القوات المسلحة للاتحاد الروسي تجري باستمرار؛ الأمر الذي يفرض فكرة أن الحرب يجب أن تكتمل قبل 9 مايو 2022”. ومن هذا المنطلق، ينطوي استدعاء تاريخ 9 مايو إلى الحرب الأوكرانية على عدد من الدلالات الجوهرية المتمثلة فيما يأتي:

1– إحياء الذاكرة السوفييتية: ربما يسعى النظام الروسي من وراء استدعاء تاريخ 9 مايو إلى إحياء الذاكرة السوفييتية؛ فاليوم يعبِّر عن الوجه الإيجابي للتاريخ السوفييتي، وقدرة موسكو على الوقوف في وجه قوات ألمانيا النازية إبان الحرب العالمية الثانية. وهذا الأمر يخدم النظام الروسي الذي يحاول تقديم نفسه كمدافع عن التاريخ والإرث السوفييتي الذي بات مهدداً، من وجهة نظر موسكو، في ظل التمدد الغربي في مناطق لطالما كان يُنظَر إليها على مدار عقود باعتبارها جزءاً من المجال الحيوي لموسكو.

2– تصدير خطاب التهديد النازي: لا ينفصل استحضار تاريخ 9 مايو عن مفردات الخطاب الذي تبنَّته روسيا لتبرير عمليتها العسكرية في أوكرانيا؛ إذ يبدو أن الرئيس “بوتين” يسعى نحو تثبيت وتأكيد الذكرى التاريخية، واعتبار 9 مايو يوماً جديداً للنصر الروسي على النازية، لكن هذه المرة على الأراضي الأوكرانية، خاصةً أن جانباً كبيراً من الحملة الدعائية الروسية الرسمية تشير إلى أن من بين الأهداف المهمة للحرب الأوكرانية، تحرير كييف ممن يسميهم الرئيس الروسي والمسؤولون الروس “القوميين المتطرفين” و”النازيين الجدد”. ومن ثم، فإن الرئيس “بوتين” يُعِيد توظيف التاريخ كموعد زمني، والسياق كانتصار عسكري، والخصم باعتباره في الوقت الحالي يواجه “نازيين” جدداً، وفق قناعاته.

3– تعزيز أيديولوجية الدولة: اعتاد النظام الروسي، خلال السنوات التي تلت سقوط الاتحاد السوفييتي، التعامل مع التاريخ كأداة، حسب نيكيتا بيتروف Nikita Petrov؛ لتعزيز أيديولوجية الدولة، لا باعتباره موضوعاً للتناول والتقييم الموضوعي. ومن هذا المنطلق، يتم استخدام التاريخ في إطار الحرب الأوكرانية لأهداف عديدة، ربما أهمها تأكيد دور النظام في الحفاظ على الهوية الروسية، خاصةً في ظل تأكيدات الرئيس الروسي، في 25 مارس الماضي، أن هناك “محاولات غربية تستهدف محو الهوية الروسية”، وأن البعض يحاول “تغيير الحقائق التاريخية بشأن الانتصارات الروسية”؛ حيث شدد على أن حكومته تحاول “حماية الثقافة الروسية والتاريخ الروسي”.

4– مناسبة لاستعراض القوة: حيث يُعَد يوم 9 مايو عطلة بارزة في التقويم الروسي، وهو اليوم الذي تحتفل فيه موسكو باستسلام النازيين الألمان في الحرب العالمية الثانية، باستعراض ضخم للقوات والأسلحة في الميدان الأحمر أمام الكرملين؛ حيث يمثل يوم النصر في روسيا عيداً وطنيّاً هامّاً، يتم فيه إغلاق معظم الهيئات الحكومية والمدارس والشركات. وبسبب قيام دول أخرى موالية لروسيا ببث خطاب يوم النصر الذي يُلقيه الرئيس الروسي، فإن هذا الحدث يُعد من أكثر المُناسبات مشاهدةً في العالم على مدار العام.

تكييف الهدف

واجهت القوات الروسية صعوبات واضحة في عمليتها العسكرية الجارية في أوكرانيا، وبدا أن السيطرة على كييف ليست بالسهولة التي كانت تتخيلها موسكو عند اتخاذ قرار الحرب. ولكن مع ذلك فإن تكييف الهدف يمكن أن يكون خيارًا ملائماً للرغبة في إعلان الانتصار العسكري في ذكرى عيد النصر، سواء كان هذا التكييف والإعلان نهائيّاً أو مؤقتاً كنقطة انطلاق جديدة داخل أوكرانيا. ويرتبط خيار “تكييف الهدف” بعدد من الأبعاد الرئيسية؛ وذلك على النحو الآتي:

1– محاولة تجديد القدرات العسكرية الروسية: تُشير العديد من التقديرات إلى أن القوات الروسية تعيد تجميع قواتها وتجديد قوتها القتالية وتعزيز الاستعدادات العسكرية، وأن القوات الروسية الآن تُعيد تجميع صفوفها. وقد أوضحت القيادة العسكرية الأوكرانية أن قوات الجيش الروسي تتخذ إجراءات لتجديد القدرة القتالية للوحدات الجوية والقوات المحمولة جواً، التي تكبدت خسائر فادحة في كل من القوة البشرية والمعدات العسكرية. ولا يمكن إغفال أن الإعلان مؤخراً عن تعيين الجنرال الروسي “ألكسندر دفورنيكوف” لقيادة العمليات العسكرية في أوكرانيا، يعكس رغبة موسكو في تطوير عملياتها هناك.

2– توقعات بتصعيد عسكري روسي: ثمة توقعات بأن تقوم موسكو بتصعيد عسكري خلال الأيام المقبلة؛ ففي الوقت الذي يُعد فيه يوم 9 مايو موعداً مهمّاً بالنسبة إلى روسيا على الصعيد العسكري، فإن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” سيسعى إلى أن يكون هذا اليوم يوماً للنصر في الحرب الأوكرانية أيضاً. وهو ما دفع المسؤولين الأوروبيين إلى استبعاد أن تشهد الأسابيع القليلة المقبلة العديد من التنازلات الدبلوماسية من جانب روسيا؛ فقد رجَّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 8 أبريل الجاري، عدم انتهاء الحرب في أوكرانيا خلال الأيام المقبلة، موضحاً: “نحن نعيش مأساة جيوسياسية وإنسانية في أوروبا. وهذه الحرب –للأسف– لن تتوقف في الأيام القادمة”. وعبَّر ماكرون عن تخوُّفه من “مشاهد صعبة للغاية في الأيام والأسابيع المقبلة”.

3– صعوبة السيطرة على العاصمة الأوكرانية: وفق ما تذكر بعض التقارير، فإن القيادة الروسية، على الأغلب، قد أدركت أنه ليس بإمكانها مواصلة عملياتها على عدة محاور في وقت واحد، خاصةً أن وتيرة التقدُّم الروسي بطيئة، فضلاً عما تذكره التقارير عن دحر القوات الروسية من مناطق حول العاصمة كييف. وفيما تعاني روسيا انتكاسات عسكرية متلاحقة، فمن المحتمل أن تصرف النظر عن هدف السيطرة على العاصمة الأوكرانية، وأن تكتفي بتحقيق أهداف جزئية، وتضييق نطاق العملية العسكرية؛ لضمان تحقيق نصر عسكري يمكن توظيفه دعائياً في عيد النصر. وفي هذا الصدد، أكد منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، في 11 أبريل الجاري، أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا كانت بمنزلة فشل كبير للجيش الروسي، معلناً أن الجيش الروسي تخلَّى الآن عن كييف، واقتنع أن من المستحيل عليه الاستيلاء على العاصمة الأوكرانية.

4– تركيز العمليات الروسية على منطقة “دونباس”: تشير التقديرات السياسية والاستخبارية الغربية إلى أن القوات الروسية تُعيد تجميع صفوفها لشن هجوم جديد، وأن موسكو تخطط للاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي في الجزء الشرقي من أوكرانيا المتاخم لروسيا المعروف باسم “دونباس”، وهي التقديرات التي عبَّر عنها صراحةً الرئيس الفرنسي ومسؤولون أوكرانيون. وتتوافق تلك التقديرات بشكلٍ ما مع تصريحات أحد كبار القادة العسكريين الروس، وهو سيرجي رودسكوي، الذي أشار إلى أن المرحلة الأولى من العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا قد أُنجزت تقريباً، وأن القوات الروسية ستُركِّز الآن على التحرير الكامل لدونباس. وهذا يعني – على الأغلب – المزيد من التركيز على الجهود الرامية إلى التحرك لما وراء خط التماس الذي يفصل المنطقة الواقعة تحت سيطرة قوات الحكومة الأوكرانية شرق أوكرانيا عن الانفصاليين المدعومين من روسيا في دونيتسك ولوجانسك.

5– إمكانية استخدام السيطرة على “دونباس” كنقطة انطلاق: لا يمكن الجزم بالكامل بتغيير الرئيس الروسي أهدافه الاستراتيجية في أوكرانيا، والاكتفاء بالاستيلاء على منطقة “دونباس”؛ فرغم أن غالبية التوقُّعات تصب في اتجاه إطلاق روسيا هجوماً شاملاً بشرق أوكرانيا خلال الأيام المقبلة، فإن من غير المؤكد كيف ستُطوِّر وتُدير روسيا هذا الهجوم، وما إذا كانت ستكتفي بالاستيلاء على إقليم “دونباس” وتستخدم ذلك في إعلان النصر وإنهاء الحرب يوم 9 مايو القادم، أو أن تستغل السيطرة على “دونباس” في التفاوض على تنازلات أوسع نطاقاً من أوكرانيا، أو أن تتعامل مع الاستيلاء على “دونباس” كنقطة انطلاق للاستيلاء على المزيد من الأراضي في داخل أوكرانيا. ولعل هذا ما أشار إليه رمضان قديروف رئيس جمهورية الشيشان الروسية وحليف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 11 أبريل الجاري، حينما قال إن القوات الروسية ستهاجم مدينة ماريوبول الساحلية المحاصرة، وكذلك العاصمة الأوكرانية كييف، وغيرهما من المدن، موضحاً: “سنحرر لوجانسك ودونيتسك بالكامل في المقام الأول، ثم نستولي على كييف وجميع المدن الأخرى”.

ختاماً، ووفق ما ذكره مسؤولون من وزارة الدفاع الأمريكية، فإن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” ليس على استعداد الآن للتوصُّل إلى تسوية سلمية؛ حيث إنه يستعد لهجوم جديد يمنحه انتصاراً يسعى إلى تحقيقه، فيما تعيد القوات الروسية تجميع صفوفها من أجل بسط سيطرتها على أراضٍ من أوكرانيا تمتد من إقليم دونباس في الشرق إلى منطقة أوديسا في الجانب الغربي على سواحل البحر الأسود.


https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%85%d8%b2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a%d8%a9/