الزيارة الأولى:

ما أجندة المستشار الألماني الجديد خلال رحلته إلى واشنطن؟
الزيارة الأولى:
9 فبراير، 2022

توجه المستشار الألماني أولاف شولتس، في 6 فبراير 2022، إلى الولايات المتحدة، في أول زيارة له بعد توليه مهام منصبه. وعقد “شولتس” اجتماعاً مع الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في البيت الأبيض، في 7 فبراير 2022. وتأتي زيارة المستشار الألماني أولاف شولتس، إلى الولايات المتحدة في سياق متوتر؛ فثمة تراجع ملحوظ لشعبية “أولاف شولتس” بين الألمان، وتشكيك غربي في موقف ألمانيا تجاه أوكرانيا. وفيما أعلن المستشار الألماني عن زيارة قريبة إلى روسيا، فإن الرئيس الفرنسي قام بالفعل بزيارة إلى روسيا وأوكرانيا في 7 و8 فبراير الجاري. وفي هذا السياق الإقليمي المتوتر، كان من الطبيعي أن تطغى الأزمة الأوكرانية على المحادثات بين المستشار الألماني أولاف شولتس، والرئيس الأمريكي جو بايدن؛ حيث حرص “شولتس” على تأكيد شراكة بلاده مع الولايات المتحدة، وتوحيد المواقف عبر الأطلسية في الأزمة الأوكرانية، ورفض الانتقادات الغربية للموقف الألماني، وتوضيح موقف ألمانيا تجاه الأمن الأوكراني. وقد أكد الرئيس الأمريكي ثقته بالدور الألماني ومتانة التحالف بين البلدين. ومع ذلك، لا يزال من الواضح وجود خلاف أمريكي–ألماني حول “نورد ستريم 2”. وقد توقع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، في 8 فبراير 2022، عقد قمة قريباً مع قادة روسيا، وفرنسا، وألمانيا. وبجانب الأزمة الأوكرانية التي طغت على مناقشات الرئيسين، فإنهما تطرقا أيضاً إلى قضايا أخرى.

سياق متوتر

تأتي زيارة المستشار الألماني أولاف شولتس، إلى الولايات المتحدة، في سياق متوتر، يمكن استعراض أبرز ملامحه على النحو التالي:

1– تراجع ملحوظ في شعبية “أولاف شولتس” بألمانيا: على المستوى المحلي، يدفع المستشار الألماني أولاف شولتس ثمن التباطؤ والتردد في التعاطي مع أزمات رئيسية، مثل جائحة كوفيد–19، واحتمالات الغزو الروسي لأوكرانيا؛ فمنذ توليه منصبه في ديسمبر الماضي، تزايد الاستياء من الحكومة الألمانية الجديدة والمستشار أولاف شولتس؛ فبعدما كانت نسب رضا الألمان عن “شولتس” في بداية ولايته 36% مقابل عدم رضا 22%، فيما قال 42% إنهم لم يحسموا أمرهم. فإن هذه النسب قد تدهورت وبلغ غير الراضين 46%، فيما انخفضت نسب الراضين إلى 32%، وفق استطلاع لمعهد “إنسا” لقياس اتجاهات الرأي العام، نُشرت نتائجه في 6 فبراير 2022. وتشهد شعبية حكومة “شولتس” ككل أزمة كبيرة؛ إذ قال 56% من الألمان إنهم غير راضين عنها، فيما عبر 30% فقط عن رضاهم. ولعل الجانب الأهم هو اتهام 65% من الألمان “شولتس” بعدم التصرف بحسم كاف في الأزمات الكبرى، خاصةً جائحة كوفيد–19 وأزمة احتمالات الغزو الروسي لأوكرانيا.

2– تشكيك غربي في موقف ألمانيا تجاه أوكرانيا: لم تكن الأشهر القليلة الماضية صعبة على “شولتس” على الصعيد المحلي فقط، بل على الصعيد الخارجي أيضاً؛ حيث يواجه المستشار الألماني اتهامات من بعض شركاء الناتو بممارسة ضغط أقل من اللازم على روسيا في الأزمة الأوكرانية؛ فقد أضر شعور شركاء الناتو بإحجام برلين عن الانضمام إليهم في تحديد العواقب بالنسبة إلى روسيا إذا قامت بغزو أوكرانيا بسمعة “شولتس” لدرجة أن السفير الألماني في الولايات المتحدة أرسل تحذيراً إلى حكومته قال فيه إن الكثيرين في الولايات المتحدة يرون ألمانيا شريكاً غير موثوق به، وفق ما نشرته بعض التقارير. كما تعالت في الولايات المتحدة الأصوات المشككة في إمكانية الاعتماد على ألمانيا حال وقوع خطر في الصراع الأوكراني. وقد انتقد السيناتور الجمهوري عن ولاية أوهايو روب بورتمان، ألمانيا علناً لعدم سماحها للرحلات الجوية التي تحمل مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا بالتحليق عبر المجال الجوي الألماني.

3– زيارات ألمانية وفرنسية إلى روسيا وأوكرانيا: في سياق التوترات المحتدمة على خلفية احتمالات الغزو الروسي لأوكرانيا، ومحاولات نزع فتيل الأزمة؛ أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس، في 3 فبراير الجاري، أنه سيلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في موسكو “في وقت قريب”؛ وذلك في سياق مساعي ألمانيا إلى التشاور مع حلفاء الناتو وروسيا بشأن الأزمة الأوكرانية. في السياق ذاته، وفي إطار المحاولات الأوروبية لنزع فتيل الأزمة الأوكرانية، قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يومي 7 و8 فبراير 2022، بزيارة روسيا وأوكرانيا، على الترتيب؛ لوقف التصعيد في الأزمة الروسية–الأوكرانية، والعودة إلى وضع الهدوء. وهي المرة الأولى التي يزور فيها ماكرون أوكرانيا. فيما أشارت صحيفة “لوموند” الفرنسية إلى احتمالية توقف الرئيس الفرنسي في طريق العودة في برلين؛ للقاء المستشار الألماني أولاف شولتس، والرئيس البولندي أندريه دودا.

وقد أجرى الرئيس الفرنسي، في 3 فبراير 2022، محادثات هاتفية تمهيدية مع نظيريه الروسي والأوكراني، جرى خلالها مناقشة إحياء الوساطة الفرنسية–الألمانية بشأن الصراع في “دونباس”؛ حيث من المقرر عقد اجتماع جديد بين ممثلي ألمانيا وفرنسا وروسيا وأوكرانيا في 10 فبراير في برلين، حسب ما ذكرته صحيفة “لوموند” الفرنسية؛ حيث تسعى باريس إلى الاستفادة من التطورات الإيجابية الأخيرة في “صيغة نورماندي” لتحقيق حل دائم في “دونباس”. وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 8 فبراير 2022، حصوله على تعهد من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، بتنفيذ اتفاقيات “مينسك” التي وقعها زعماء أوكرانيا وروسيا وفرنسا وألمانيا في 2014 و2015 كرد فعل على ضم روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، بهدف إنهاء الحرب الانفصالية التي يشنها المتحدثون بالروسية في منطقة “دونباس” بشرق أوكرانيا.

محورية الأزمة الأوكرانية

في هذا السياق الإقليمي المتوتر، كان من الطبيعي أن تطغى الأزمة الأوكرانية على المحادثات بين المستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الأمريكي جو بايدن؛ وذلك على النحو التالي:

1– تأكيد الشراكة الألمانية مع الولايات المتحدة: قبل زيارته الرسمية الأولى إلى واشنطن، أكد المستشار الألماني الجديد “أولاف شولتس” التكاتف مع الولايات المتحدة في نزاع أوكرانيا؛ حيث قال “شولتس” في مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست” نُشرت في 6 فبراير 2022، إن الهدف من زيارته إلى الولايات المتحدة هو تعزيز الشراكة عبر الأطلسية، مؤكداً أن “الولايات المتحدة أهم حليف لألمانيا وأوروبا”. وقال “أولاف شولتس” في تصريحاته للصحيفة الأمريكية: “نحن معاً في حلف شمال الأطلسي، ومن المهم للغاية أن تكون هناك وحدة قوية بين جميع الشركاء المهمين الأطراف عبر الأطلسي، وبين الولايات المتحدة وألمانيا”. كما أكد المستشار الألماني من واشنطن أن الولايات المتحدة تعد حليفاً مقرباً، وأن برلين تتعامل مع واشنطن بشكل منسق وموحد للغاية فيما يتعلق بالتغلب على الأزمات الراهنة.

2– ثقة أمريكية بدور ألمانيا ومتانة التحالف: أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن، خلال لقائه المستشار الألماني أولاف شولتس، في 7 فبراير 2022، أن بلديهما يعملان بشكل منسق في مواجهة روسيا فيما يخص الأزمة الأوكرانية، ولتعزيز ردع أي عدوان روسي في أوروبا. كما أكد “بايدن” العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وألمانيا؛ حيث قال إن “ألمانيا هي من أكبر حلفاء الولايات المتحدة في العالم”، وإنه لا شك في التحالف القائم بين البلدين.

وقال “بايدن”، في مؤتمر صحفي مشترك في العاصمة الأمريكية واشنطن، في 7 فبراير 2022، إن “ألمانيا والولايات المتحدة صديقتان مقربتان، وشريكتان موثوقتان، يمكن لكل منهما أن تعتمد على الأخرى”. وشدد على أنه لا توجد قضية ذات أهمية عالمية لن تعمل عليها ألمانيا والولايات المتحدة معاً. وبشكل أكثر تحديداً عن القضية الأوكرانية، أكد الرئيس الأمريكي أن ألمانيا حليف يعتمد عليه بالكامل في ملف أوكرانيا، وأن الولايات المتحدة مليئة الثقة ببرلين.

3– توحيد المواقف عبر الأطلسية الداعمة لكييف: أشار المستشار الألماني أولاف شولتس، إلى توحيد موقف وحجج ألمانيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي في الأزمة الأوكرانية، وأكد أنه “سيكون هناك ثمن باهظ للغاية في حال حدث هجوم عسكري على أوكرانيا”، مشيراً إلى أن تفاصيل هذا الأمر جرت مناقشتها والإعداد لها من فترة طويلة حتى يمكن التحرك في حالة الشك على نحو سريع وموحد وجماعي.

4– رفض الانتقادات الغربية للموقف الألماني: فيما تواجه ألمانيا انتقادات بشأن موقفها من الأزمة الأوكرانية، ومنها انتقادات تتعلق بأنها لا تُسهم بقدرٍ كافٍ في حلف الناتو خلال الأزمة مع روسيا؛ فإن المستشار الألماني أولاف شولتس، يحرص على رفض ونفي تلك الانتقادات؛ حيث أكد أن “ألمانيا تُسهم في قوى الاستجابة بآلاف الجنود، كما نشرت مئات الجنود في ليتوانيا”. مشيراً إلى أن بلاده تقود الوجود العسكري للناتو، وتنشر عدداً من الطائرات في رومانيا من أجل القيام بدوريات جوية مع الحلفاء.

5– توضيح موقف ألمانيا تجاه الأمن الأوكراني: حرص المستشار الألماني أولاف شولتس، على توضيح موقف بلاده من أمن أوكرانيا واحتمالات الغزو الروسي، مؤكداً أنه “لا يمكن الصمت مع استمرار الحشود الروسية على حدود أوكرانيا” وأن “حلف شمال الأطلسي موحد وحاضر لردع التهديدات الروسية”.

وأوضح المستشار الألماني أن بلاده مع تنسيقها مع الحلفاء بشأن فرض عقوبات على روسيا إذا ما غزت أوكرانيا، إلا أنها ترى أن الحوار سيكون سبيلاً لخفض التصعيد في أوكرانيا، مؤكداً أنه يسعى إلى استخدام كل السبل الدبلوماسية لحل الأزمة الأوكرانية. وحذَّر “شولتس” موسكو بأنها لا بد أن تعلم أن أعضاء “الناتو” موحدون ضد تهديداتها الحقيقية التي لا يمكن السكوت عنها.

6– خلاف أمريكي–ألماني حول “نورد ستريم 2”: على الرغم من أن الرئيس الأمريكي جو بايدن، والمستشار الألماني أولاف شولتس، حرصَا على إظهار جبهة موحدة خلال لقائهما في البيت الأبيض، إلا أن أحد النقاط الرئيسية التي لا تزال عالقة برغم تعهدهما بالوحدة هي مستقبل خط إمداد الغاز “نورد ستريم 2″؛ فقد اكتفى “شولتس” في تصريحاته السابقة حينما سُئل عما إذا كانت حكومته ستعلِّق خط أنابيب “نورد ستريم 2” إذا غزت روسيا أوكرانيا، بقوله إن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”. ولم يرغب في التوسع في هذا الأمر، مبرراً ذلك بأن “الغموض الاستراتيجي ضروري؛ حتى لا تستطيع روسيا أن تحسب بالضبط الثمن الذي ستدفعه في حالة الغزو”. وتفادى المستشار الألماني الحديث عن خط أنابيب “نورد ستريم 2” في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع “بايدن”، مكتفياً بالتصريح باتفاق برلين وواشنطن على فرض عقوبات ضد موسكو إذا اجتاحت جارتها في الغرب.

على الجانب الآخر، فإن الموقف الأمريكي تجاه الخط يبدو أكثر وضوحاً؛ حيث تعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن، خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع المستشار الألماني أولاف شولتس، بوضع حد لخط أنابيب “نورد ستريم 2” الذي تستخدمه موسكو لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر ألمانيا، إذا غزت روسيا أوكرانيا. وكان واضحاً أن المشروع لن يمضي قُدماً في حال حدوث الغزو، مع عدم توضيح طريقة تعطيل هذا الخط.

7– توقعات بلقاء قريب لقادة صيغة “نورماندي”: ناقش المستشار الألماني مع الرئيس الأمريكي الجهود الذي يمكن أن تقوم بها بلاده في الأزمة، ومن المرجح أن يكون اللقاء قد تناول الجهود الأوروبية المبذولة من قبل ألمانيا وفرنسا، لحل الأزمة الأوكرانية ونزع فتيل الحرب وفق صيغة “نورماندي”. وقد أعلن الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، في 8 فبراير الجاري، أنه يتوقع عقد قمة قريباً مع قادة روسيا وفرنسا وألمانيا، بعد محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كييف. وقال “زيلينسكي” في مؤتمر صحفي: “نتوقع في المستقبل القريب أن يكون بإمكاننا عقد المحادثات المقبلة بين قادة صيغة نورماندي الرباعية”، في إشارة إلى المفاوضات لوضع حد للنزاع في شرق أوكرانيا.

وختاماً، تطرق الاجتماع بين المستشار الألماني أولاف شولتس، والرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى التصدي المشترك للتحديات التي تشكلها الصين، وكيفية التعاون لتعزيز الاستقرار في أوروبا، كما ناقشا رئاسة ألمانيا لمجموعة الدول الصناعية السبع خلال عام 2022، بما في ذلك اتخاذ إجراءات مشتركة أقوى لإنهاء جائحة كوفيد–19، وإعادة بناء أمن صحي أفضل، ومعالجة أزمة المناخ، ودعم الانتعاش الاقتصادي العالمي الشامل.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89/